تحت وطأة جنون العظمة
إذا كان التاريخ يعلمنا شيئاً، فهو أن الإمبراطوريات التي تنساق وراء نرجسية حكامها مصيرها الانهيار، وأن القادة الذين يخلطون بين مصالحهم الشخصية والصالح العام ينتهي بهم إلى تدمير بلادهم قبل أن يدمرهم الزمن.
-
قبل أن يكون ترامب ظاهرة سياسية، هو حالة نفسية تستحق التأمل العميق
حين تمتزج القوة الساحقة بجنون العظمة، تنقلب موازين الحضارة رأساً على عقب. تلك اللحظة العصيبة التي يصبح فيها حاكم الدولة أسير نرجسيته، معتقداً أن العالم لا يدور إلا حول محور أناه، هي ذاتها اللحظة التي يبدأ فيها النظام الدولي بالتفسخ والانحدار.
في التاريخ البشري، تتراكم شواهد لا تُحصى على أن أخطر ما يمكن أن يتهدد الأمم ليس الأعداء الخارجيين دائماً، بل القائد الذي يخلط بين صوته وصوت الحقيقة، وبين مصلحته الشخصية والصالح العام.
في عصرنا الراهن، يقدم الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، نموذجاً صارخاً على هذه المعادلة الخطيرة، حيث بات العالم مسرحاً لشخصية لا تعترف بحدود ولا تحترم قواعد، فتتحول القوة العظمى إلى وحش مفترس، وأداة هدم لا بناء، ومصدر فوضى لا استقرار. لكن السؤال الذي يستحق التأمل: هل نحن أمام حالة فردية من "جنون العظمة" فحسب، أم أن ترامب يعكس تحولاً أعمق في البنية السياسية والثقافية الأميركية ذاتها؟
النرجسية المرضية
قبل أن يكون ترامب ظاهرة سياسية، هو حالة نفسية تستحق التأمل العميق. لقد شخّص مراقبون كثر شخصية ترامب بما يتوافق مع "اضطراب الشخصية النرجسية" بكل تفاصيله المؤرقة: ذلك الإحساس المتضخم بالذات، والانشغال الدائم بأوهام النجاح اللامحدود والقوة المطلقة، والافتقار شبه الكامل للتعاطف مع الآخرين. إنها الشخصية التي ترى في العالم مجرد مرآة لعظمتها، وفي الآخرين أدوات يمكن استغلالها لتحقيق أهدافها من دون اكتراث بمشاعرهم أو حتى بحقوقهم.
لكن الخطر الأكبر يبدأ حين تُمنح هذه الشخصية مفاتيح القرار في أعتى دولة عرفها التاريخ. حينها تتحول النرجسية من مجرد خلل نفسي إلى قوة جيوسياسية مدمرة. ترامب، كما يصفه المحللون، لا يرى العالم إلا من خلال ذاته. إنه "أسوأ مثال ممكن على الشعبوي اليميني" ليس فقط بسبب تطرفه الأيديولوجي، بل لمزيجه الفريد من النرجسية والحقد والاستعداد لاستخدام سلطة الدولة لإيذاء أعدائه ومساعدة أصدقائه. إنها شخصية لا تحتمل النقد ولا تتسامح مع الهزيمة، فتتحول أي معارضة - داخلية أم خارجية - إلى عدو يجب سحقه.
جنون العظمة
إذا كانت النرجسية هي البذرة، فإن جنون العظمة هو الثمرة. فالقائد المفتون بذاته يبدأ حتماً برؤية المؤامرات في كل زاوية، ويتحول العالم في عينيه إلى ساحة معركة دائمة بين الأقوياء الذين يستحقون السيادة والضعفاء الذين يستحقون الاندثار.
لقد صيغ وعي ترامب منذ طفولته على لغة "القتال" و"الهيمنة"؛ فوالده الذي علمه أن الرحمة ضعف وأن النجاح قسوة، والمدرسة العسكرية التي عززت فيه روح المنافسة على حساب التعاون، كلها عوامل شكلت شخصية ترى في الحياة معركة وجودية لا تهدئة فيها ولا حلول وسط.
هذه النظرة الوجودية للعالم تفسر لماذا تخلت سياسة ترامب الخارجية عن كل أدوات الدبلوماسية التقليدية لصالح لغة القوة الغاشمة. فالعقوبات المفاجئة، والتهديدات العسكرية، وانسحابات الاستعراض من المنظمات الدولية، كلها تعكس رؤية "أنا ضدهم" التي لا تعترف بالمصالح المشتركة أو القيم الإنسانية العالمية. إنه يرى في حلفاء الأمس خونة محتملين، وفي المعاهدات الدولية أغلالاً يجب كسرها، وفي القانون الدولي مجرد كلمات لا تصمد أمام إرادة الأقوياء.
تفكيك النظام العالمي
ما يشهده العالم اليوم مع عودة ترامب إلى البيت الأبيض ليس مجرد تحول في السياسة الأميركية، بل هو مشروع هدم منهجي للنظام الدولي الذي بنته الولايات المتحدة ذاتها بعد الحرب العالمية الثانية. ففي عام واحد فقط، رأينا أحداثاً لا تُصدق، تتناقض مع كل وعوده الانتخابية للأميركيين: دعم جريمة إبادة جماعية في غزة، تغطية سياسية ودعم لتدمير أجزاء من لبنان وانتهاك سيادته، حرب ضروس وعدوان مشترك مع "إسرائيل" على إيران واغتيال قائدها ومرشدها الأعلى، اعتداء عسكري على فنزويلا واختطاف رئيسها، وتهديدات بضم غرينلاند بالقوة من حليف في الناتو، وانسحاب جماعي من عشرات المنظمات الدولية، ومقترحات "سلام" في أوكرانيا على مزاجه وهواه.
هذه ليست أخطاء تكتيكية أو قرارات منعزلة، بل هي انعكاس لعقلية ترى في النظام الدولي مجرد عائق أمام رغباتها. وقد وصف تقرير مؤتمر ميونيخ للأمن هذا النهج بأنه "سياسة الكرة الهدامة" حيث يقف ترامب على رأس قائمة "رجال الهدم" الذين يأخذون الفأس إلى أسس النظام القائم.
لكن هنا يطرح باحثو العلاقات الدولية سؤالاً مشروعاً: هل كان النظام القديم قابلاً للاستمرار أصلاً؟ فالنظام الدولي الذي بنته أميركا بعد 1945 كان قائماً على افتراضات لم تعد صحيحة تماماً: الهيمنة الغربية المطلقة، ومركزية أوروبا، وثبات التحالفات. ترامب - بقسوته وفجاجته - طرح سؤالاً محرجاً: لماذا على أميركا أن تدفع ثمن حماية حلفاء أغنياء لا يدفعون نصيبهم العادل؟
هذا لا يعني تبرير أساليبه، لكنه يضع الظاهرة في سياقها الأوسع: إنها أزمة النخبة الحاكمة التقليدية، وصعود نموذج شعبوي يعيد تعريف مفهوم "المصلحة الوطنية" بطريقة آنية ونفعية. والنتيجة هي عالم تتراجع فيه القواعد لصالح الصفقات، وتضعف فيه المؤسسات متعددة الأطراف لصالح العلاقات الثنائية غير المتكافئة، وتتآكل فيه الثقة بين الحلفاء حتى أصبح التحالف الغربي العتيق مهدداً بالانهيار.
الإقطاعي الجديد
لكن أخطر ما في هذه المعادلة هو ذلك السعي المحموم لشهرة السيطرة المطلقة. إن ترامب لا يريد السلطة كوسيلة لتحقيق غايات سياسية، بل يريدها كغاية في ذاتها، كتأكيد دائم على عظمته، وكمسرح لا ينطفئ عنه الأضواء.
هنا يصل جنون العظمة إلى ذروته حين يقرر الرئيس الأميركي إنشاء "مجلس السلام" الخاص به، ويصمم نظامه الأساسي بطريقة تجعله هو الرئيس الدائم مدى الحياة، والوحيد الذي يملك قرار العضوية، والمتحكم الوحيد في أمواله، وكأنه إمبراطور روماني يعيد تشكيل العالم على هواه.
إنها ليست مصادفة أن يستخدم ترامب صوراً مركبة يظهر فيها ملكاً لأراضٍ لا تخصه، أو أن يهدد باستخدام قوة الجيش ضد مواطنين أميركيين، أو أن يصرح بأنه يريد السيطرة على موارد فنزويلا النفطية دون أي اعتبار لسيادتها، ويكاد يقول إنه المخول باختيار المرشد الإيراني.
هذا السلوك يعكس تحولاً خطيراً من مفهوم القائد الخادم للدولة إلى مفهوم "الإقطاعي الجديد" الذي يرى في الجغرافيا البشرية مجرد عقارات يمكن شراؤها أو احتلالها. إنه يسعى لتطويع العالم كله، وتسييره وفق نزواته المجنونة، كما لو كان الواقع مجرد مادة قابلة للتشكيل وفق أهوائه.
بين الانحطاط والتحول
المفارقة أن هذه الممارسات، التي يفترض أن تعزز قوة أميركا وهيمنتها، تؤدي في الواقع إلى عكس ذلك تماماً. فحتى الذين كانوا ينظرون إلى الولايات المتحدة كحامية للنظام الدولي، بدأوا يرونها مصدر تهديد وعدم استقرار. واستطلاعات الرأي التي أجراها تقرير ميونيخ للأمن تظهر أن نصف سكان العالم تقريباً يرون أن سياسات ترامب ليست جيدة للعالم، بل هناك شعور متزايد بالعجز والهلع الجماعي إزاء المستقبل.
هذا هو جوهر الانحطاط الذي يصيب الدول حين يحكمها من تجتمع لديه القوة المطلقة وجنون العظمة: تبدأ المؤسسات في التآكل، وتتراجع المعايير الأخلاقية، وتضعف الضوابط والتوازنات التي تحمي الديمقراطية.
في الداخل الأميركي، نرى هجوماً منهجياً على الجامعات ووسائل الإعلام والمؤسسة القانونية، وهي الهجمات التي يصفها المراقبون بأنها "تذكرنا بالسنة الأولى لهتلر في السلطة". وفي الخارج، نرى فرضاً بالقوة لقيادة العالم تضعه أمام استعمارية جديدة وإمبريالية جديدة، وتعيده إلى عصور القوة الغاشمة التي كنا نظن أن البشرية تجاوزتها.
لكن التحليل الموضوعي يقتضي أيضاً الاعتراف بأن ترامب ليس ظاهرة منعزلة. لقد صوت له أكثر من 74 مليون أميركي، وهو يعكس تحولات عميقة في المجتمع الأميركي: غضب الطبقات العاملة من العولمة، وشعور البيض بفقدان الهيمنة الديموغرافية، وإحباط الناخبين من نخب تقليدية فشلت في تحسين حياتهم.
إن خطاب ترامب النرجسي يجد صدى عند من يرون في أنفسهم ضحايا "النظام القديم"، ومن هنا تكمن خطورته: إنه يحول الغضب الاجتماعي المشروع إلى طاقة تدميرية توجه نحو "الأعداء" الخارجيين والداخليين.
دروس التاريخ ورؤية أخرى
إذا كان التاريخ يعلمنا شيئاً، فهو أن الإمبراطوريات التي تنساق وراء نرجسية حكامها مصيرها الانهيار، وأن القادة الذين يخلطون بين مصالحهم الشخصية والصالح العام ينتهي بهم إلى تدمير بلادهم قبل أن يدمرهم الزمن.
لقد رأينا هذا في سقوط الأباطرة الرومان الذين أعمتهم عظمتهم، وفي انهيار الملكيات المطلقة التي ظنت أن شعوبها مجرد رعايا خاضعين، وفي تفكك الديكتاتوريات الحديثة التي راهنت على القوة ونسيت أن الحكم الحقيقي يحتاج إلى الحكمة والتواضع.
ومن منظور الفلسفة السياسية المقارنة، يثير النموذج الأميركي الحالي تساؤلات عميقة. فالحكم ليس مجرد إدارة سياسية بل هو حالة أخلاقية. مفهوم "الحاكم الفاضل" يقوم على التواضع والاستماع للمستشارين وتحمل المسؤولية الأخلاقية تجاه المحكومين. التناقض الصارخ بين هذا النموذج ونموذج القائد النرجسي يجعل الظاهرة الأميركية مثيرة للقلق ليس فقط لخصوم واشنطن، بل حتى لحلفائها التقليديين.
يبقى السؤال المفتوح: هل سيصحو العالم قبل فوات الأوان؟ هل ستتمكن المؤسسات الديمقراطية من الصمود في وجه عواصف النرجسية الجامحة؟ وهل سيدرك الناخبون أن القائد الذي يعدهم بالعظمة قد يسلمهم إلى الهاوية؟
ربما ليس ترامب سوى عارض لمرض أعمق: أزمة ما يسمّى بـــ "الديمقراطيات الليبرالية" في مواجهة صعود الشعبوية، وتفكك الطبقة الوسطى، وتراجع الهيمنة الغربية. إنه ليس سبب الأزمة وحدها، لكنه يجسدها في أبشع صورها: قائد بلا ضمير يقود أمة بلا بوصلة، في عالم لم يعد يحتمل المزيد من جنون العظمة.
في النهاية، يظل الإنسان هو صانع تاريخه، والوعي بخطورة هذه الظاهرة هو الخطوة الأولى نحو تجاوزها. فكما أن النرجسية مرض يمكن تشخيصه، فإن الانحطاط الذي تسببه يمكن مقاومته، شريطة أن نتعلم من التاريخ أن القوة الحقيقية ليست في السيطرة على الآخرين، بل في القدرة على ترويض النفس واحترام الإنسانية في كل مكان.