تاريخ موجز للغباء: هل نعيشُ في العصر الذهبي للغباء؟
يقول جيفريز صراحةً إن فرسان نهاية العالم الخمسة للغباء هم: دونالد ترامب، إيلون ماسك، فلاديمير بوتين، نايجل فاراج، وبوريس جونسون. ويصف هؤلاء الرجال بأنهم "سادةُ تبلّد ما بعد الحقيقة".
-
تاريخ موجز للغباء: هل نعيشُ في العصر الذهبي للغباء؟
الغباء!! الكثير منه اليوم حولنا، الكثير في ما مضى. ولهذا، ثمة حاجة ضرورية إلى وضع المفهوم تحت المجهر ومحاولة فهمه، ولهذا أيضاً يبرز الكثير من الأسئلة. هل ثمة حقاً غباء اليوم أكثر من ذي قبل؟ هل نحن متأكدون أننا سنميز الغباء حين نصادفه؟ إنه ليس الحماقة تماماً، أو الجهل، أو ارتكاب الأخطاء. فكيف نعرفه، وكيف عُرِّف عبر القرون؟ هل هو شيء نتعلم أن نكونه؟ وهل بوسعنا تعلم التوقف عن كونه؟ هل هو غريزة؟ هل يمكن أن يكون قوة سياسية؟ هل يجب مقاومة الغباء أو تجاهله؟ هل يتغير؟ هل تطور عبر الزمن؟ هل هو خاص بالبشر أم يمكن للحيوانات أيضاً أن تكون غبية؟ هل تقيس اختبارات الذكاء مستوى الغباء أيضاً؟ هل يمكن للهندسة الوراثية أن تجتث الغباء؟ والأهم من هذا كله، ما هو الغباء في المقام الأول؟ كل هذه الأسئلة وغيرها يطرحها الصحافي والكاتب ستيوارت جيفريز ويحاول الإجابة عنها في كتابه الجاد والساخر "تاريخ موجز للغباء" الذي صدر عن دار "John Wiley and Sons Ltd" في تشرين الثاني/ نوفمبر 2025 ويقع في 336 صفحة.
يقول جيفريز: "جاءت فكرة هذا الكتاب من جائحة كوفيد، من الناس الذين لا يحترمون العلم، ولا يحترمون أولئك الذين قضوا حياتهم في إجراء الأبحاث لأجل الوصول إلى لقاحات تنقذ الأرواح." ثم يضيف: "هذا نوع من الغباء يبدو أنه في حالة نمو مستمر. لقد أضفى ترامب شرعية على كراهية الخبرة، بينما مجّدَ أشخاصاً لا يعرفون الكثير. وتلك الفكرة الأميركية القائلة بأنك تستطيع فعل ما تشاء مرتبطةٌ بالغباء". فهل نعيش في عصر الغباء؟ بالتأكيد، كل الإشارات تدل على ذلك.
علاوة على ذلك، تقول الصحافية والكاتبة الأيرلندية سوزان هارينغتون التي كانت أول من أخبرها جيفريز عن فكرة كتابه: "عبر الطيف البشري، من انهيار المناخ (الذي تسببنا به)، إلى الطغاة غير الأكفاء (الذين انتخبناهم)، إلى حركة معاداة العلم (التي أنشأناها)، يبدو أننا نتمرغ تمرغاً طويل الأمد في حالة من الغباء العميق. ومهما تطورنا، فإن غباءنا يبدو وكأنه يتطور معنا، ويتحوّل باستمرار ليواكبنا". لهذا، ولوضع الغباء الحالي في سياقه، يقدم ستيوارت جيفريز كتابه هذا.
يوجّه جيفريز أسئلته المتعلقة بالغباء إلى أسماء مثل أرسطو، فولتير، كانط، شوبنهاور، هكسلي، أدورنو، وكراوس، ليرى كيف ينظرون إلى هذه المسألة. وينجح هذا الكتاب في كونه جدياً وظريفاً في الآن ذاته، من دون أن يبدو ساخراً، مع مجموعة من الإحالات من شوبنهاور وفوكو إلى سارة بالين، من سقراط إلى جيد غودي، من فولتير إلى ترامب، من هتلر إلى الذكاء الاصطناعي. وهو يتناول رؤى مفكرين عظماء– سقراط، بوذا، حنا آرنت، وغيرهم– حول الطبيعة المراوغة للغباء. فيأخذنا في رحلة مذهلة إلى عوالم الغباء منذ العصور القديمة وصولاً إلى الغباء الحديث بأنواعه الكثيرة.
يتحدث الكتاب عن الغباء بطريقة ذكية، تعليمية، وواسعة الاطلاع، حتى أن صحيفة التلغراف تقول إن "أي شخص يمضي بعض الوقت مع كتاب جيفري سيشعر أنه أقل غباء ممّا كان قبله". كذلك، يقول جيفريز: "إذا عرّفنا الفقر بشكل نسبي، سيكون بعض الناس فقراء نسبياً، وإذا عرّفنا الذكاء بشكل نسبي، سيكون بعض الناس أغبياء نسبياً". ثم يضيف: "لكن الغباء غالباً ما يُستخدم كمصطلح للإساءة — لقد استُخدم كسلاح ليكون طريقة للسيطرة على الناس وإخضاعهم لعمليات تهدف إلى إقصائهم". ولهذا تبرز ضرورة تعريف الغباء ووضعه ضمن سياقه.
اليوم، يُقال لنا كثيراً إننا نعيش في العصر الذهبي للغباء. يُنتخب السياسيون الكاذبون من مصوّتين يبدون أكثر حماقة من أن يدركوا أن هؤلاء لا يقدمون لهم شيئاً. ومؤثرو وسائل التواصل الاجتماعي يخرّبون متابعيهم بنظريات مؤامرة لا أساس لها وتجاهلٍ أحمق للخبرة العلمية. فيبدو أن "ذهب الغباء بات سلعة مرغوبة إذ يُبجَّل المشاهير الخرقى أكثر من أصحاب الذكاء الحق".
في هذا الكتاب، يحلّل جيفريز كيفية وصولنا إلى هذه الحالة المقلقة. ويتساءل إن كان الأغبياء يبقون دوماً أغبياء، أم أن الغباء قابل للاستئصال. من اليونان القديمة إلى الذكاء الاصطناعي، يتفحص جيفريز على نحو نقدي محاولات اجتثاث الغباء من خلال اختبارات الذكاء، علم تحسين النسل، التعديل الوراثي، والسياسات التعليمية. ويجد أن كل محاولة كانت أكثر حماقة من الغباء الذي تسعى لاجتثاثه. "إذا كنا نعيش حقاً في فردوس الحمقى، هل أصبح جنسنا البشري كثير البلادة إلى حد يمنعه من التعلم من تاريخ حماقته؟"، يتساءل.
من مهرجي البلاط عند شكسبير إلى دونالد ترامب، ينظر هذا الكتاب في الغباء بأشكاله وأمثلته المختلفة. ويقول جيفريز صراحةً إن فرسان نهاية العالم الخمسة للغباء هم: دونالد ترامب، إيلون ماسك، فلاديمير بوتين، نايجل فاراج، وبوريس جونسون. ويصف هؤلاء الرجال بأنهم "سادةُ تبلّد ما بعد الحقيقة" الذين "يُقوّضون الديمقراطية بجعل ناخبيهم أسلحة لغبائهم الخاص". فالغباء على حد قوله بات "تجارة رابحة، ومادة خام ضرورية للمحتالين، المسوقين، المعلنين، مهندسي الخوارزميات، وعدد غير قليل من السياسيين، لإبقاء عجلات أرباحهم دائرة".
يتألف الكتاب من عشرة فصول ومقدمة وخاتمة. تشرّح الفصول مفهوم الغباء، قديمه وحديثه، وهي على التتابع تحمل العناوين التالية: "1. ما هو الغباء؟"،
"2. الغباء في العصور القديمة"، "3. الغباء الشرقي"، "4. قيمة الحماقة"،
"5. الغباء الحديث"، "6. تحسين النسل الغبي"، "7. الذكاء الغبي"، "8. الغباء الجماهيري"، "9. الغباء البنيوي"، و"10. الغباء الرقمي".
يتسم أسلوب الكتاب بروح فكاهية، وذكاء، وإيجاز نسبي. وتجب الإشارة إلى أن الكتاب ليس فلسفياً خالصاً، كما يرى الناقد سام لِيث، إذ يقدم جيفريز قراءات عاطفية لروايات مثل "دون كيخوته" و"بوفار وبيكوشيه" لفلوبير، ويأخذنا إلى عوالم مهرجي البلاط عند شكسبير وقائمة الغباءات الغنية في مسرحية "الملك لير". كذلك، يلقي نظرة على علوم الإدراك، ويتناول مسائل مثل تحسين النسل، غباء الجماهير في الأنظمة الشمولية، والغباء البنيوي في الحياة في ظل الرأسمالية المتأخرة. وبالطبع، ينال هنا كل من دونالد ترامب وبوريس جونسون نصيبهما من النقد اللاذع.
ترامب الذي، للمفارقة، يصف نفسه على أنه "عبقري مستقر جداً"، يبرز كمثال غباء واضح في الكتاب، ولا سيما بالإشارة إلى غباء الجماهير إزاءه. فيقول جيفريز: "ما يدهشني هو أن قاعدة ترامب من أفراد الطبقة الكادحة رفعت من شأن رجل يتكسّب من ثروة موروثة." وهذا ما يجعل جيفريز يتساءل متعجباً: "لماذا يُعجب الأميركيون بذلك؟ من الغريب جداً أن نرى ذلك في أميركا، حيث يقول الحلم الأميركي إن أي شخص يمكنه أن يصبح أي شيء. إنه بوسعك أن تنهض من لا شيء. ترامب لم يفعل ذلك. فلماذا صدّقوه؟" ويتابع: "هل هم أغبياء جداً لأنهم وضعوا ثقتهم بمثل هذا الرجل الشرير الذي يتظاهر بأنه مخلّصهم، بينما هو في الواقع يُهلكهم بمزيد من الفقر والهوان؟"
في منحى آخر، يرى جيفريز أن ثمة صلة بين الغباء والشر، وأن غياب الذكاء العاطفي يجعل الناس يرتكبون أفعالاً شنيعة. ثم يتحدث عمّا يسميه "الغباء الأعلى" بوصفه فشلاً في الذكاء، لا نقصاً فيه، ويطرح ترامب مجدداً وأدولف هتلر كمثال عن أبرز البارعين في هذا النوع من الغباء الأعلى؛ أي، الغباء بوصفه عمىً أخلاقياً. ويضيف: "الغباء الذكي ليس تناقضاً لفظياً؛ فالذكاء والغباء ليسا نقيضين... بل يتعايشان باضطراب في كل مجتمع، وفي كل فرد."
في "تاريخ موجز للغباء"، يتتبع جيفريز تطور مفهوم الغباء عبر العصور. إن "الغباء يتطور، إنه يتحول وبالتالي يتفادى الانقراض". ويشير مثلاً إلى أن الغربيين القدماء، مثل سقراط، كانوا يرون أن العقل والفضيلة مرتبطان بشكل مباشر. ولم يبدأ النظر إلى الغباء بوصفه إخفاقاً إدراكياً، لا إخفاقاً أخلاقياً، إلا في عصر التنوير. "لم يكن القدماء يرون الغباء على أنه نقص في الإدراك العقلي، بل اعتبروه خللاً في الروح، شيئاً شريراً يمكن مساعدة المرء للتخلص منه. وكان ذلك هو دور التعليم".
مع كل هذا، يرى النقاد أن الكتاب يعاني مشكلتين. الأولى هي أن العنوان، رغم ذكائه، يجعلنا نتساءل إذا كان يمكن القول إن ثمة تاريخاً للغباء بأي معنى حقيقي؛ سمة الغباء موجدة فحسب. وربما تكون كتابة تاريخ للسعادة مثلاً مسألة أكثر رسوخاً من تأريخ مفهوم الغباء. مع هذا، جيفريز بوصفه مؤرخاً فكرياً كتب الكثير من الكتب الرائجة، يمتلك المؤهلات لوضع مثل ذلك التأريخ.
المشكلة الأخرى هي التعاريف وتثبيت مصطلح الغباء. هل الغباء هو الشيء ذاته كالجهل؟ كالحماقة؟ كعدم الاستعداد للتعلم؟ أو العجز عن الوصول إلى استنتاجات مما تعلمته؟ هل هو سمة الشخص أو سمة التصرف؟ أو هل الغباء هو كل هذا؟ لكنّ جيفريز يحلّ هذه المشكلة أيضاً بوضع مجموعة من التمييزات الفلسفية حول معنى المصطلح. ومن ثم يعود إلى استخدامه بمعنى "ذلك الشيء الذي تعرفه حين تراه، إلا في نفسك". فعلى حد تعبير جيفريز "لكي يدرك المرء غباءه، يجب أن يكون ذكياً. إذا كنتَ غبياً، على الأرجح لن تدرك أنك كذلك". وهكذا، كما يرى الناقد سام ليث، فإن المناقشة التي يقدمها جيفريز تعبر حقول معان واسعة، من دون أن تقيم سياجاً حدودياً واضحاً. ولهذا، "يمكن النظر إلى هذا الكتاب لا بوصفه تاريخاً للغباء، بل تاريخاً لنقيضاته المختلفة".
أخيراً، يطرح ستيورات جيفريز سؤالاً مصيرياً: هل سيظل الغباء دائماً معنا؟ ويشير إلى حقيقة مؤلمة: "بطريقة ما، ذكاؤنا ذاته هو علامة على غبائنا؛ إن الطريقة التي استخدمنا بها ذكاءنا لتدمير أنفسنا وكوكبنا تُجسّد غباءً بالغاً". وحين تسأله الصحافية سوزان هارينغتون إن كان لديه أمل بالمستقبل؛ بمستقبل أقل غباء بقليل، يجيب محبِطاً محاولة التفاؤل هذه: "أي شخص يدّعي أن المستقبل سيكون حميداً هو شخص أحمق." "أرى أن الأمور ستزداد سوءاً فحسب".