تاريخ الكتب وحياتها في "سحر محمول" لـ إيما سميث

نصوص "سحر محمول" جولة ممتعة في تاريخ نشوء وصنع الكتاب وقصيدة وارفة في تمجيده.  

  • تاريخ الكتب وحياتها في
    تاريخ الكتب وحياتها في "سحر محمول" لـ إيما سميث

يقول ستيفن كينغ في وصف الكتب بأنها "سحر محمول فريد من نوعه"، ومنه تأخذ إيما سميث عنوان كتابها "سحر محمول" في رحلة طويلة مع عالم الكتب، متتبّعة بدايات نشوئها وتحوّلات أسلوب طباعتها وتغليفها والقوة الكامنة فيها عبر العلاقات بين الناس ومن خلالها في استعراض تاريخي لغاية عصرنا الحالي، وهو الكتاب الصادر عن دار المدى لعام 2025، والذي وصل إلى القائمة القصيرة في جائزة وولفسون للتاريخ.

بدأ الأمر مع تقديم غوتنبرغ للحروف المتحرّكة لآلة الطباعة بشكلها الأوّلي، وتوضح الكاتبة أنه على الرغم من ادّعاء الغرب بأسبقيّته في هذا الشأن ولكنّ الأصح أنّ الصين وكوريا الآسيويّتين قد شرعتا بطباعة الكتب قبله بقرون. إذ اقتصر يوهان غوتنبرغ في البداية على طباعة الأناجيل وكان لأسلوب تقديمه لها من أغلفة وألوان وخطوط وعلب حافظة ما يجعلها تحفة يفاخر صانعها بها. 

بعد طباعة الأناجيل برز كتاب "الملكة فيكتوريا" بطبعة غالية الثمن والذي فاز بجائزة جيمس تايت بلاك التذكارية وقدّم بعد عشرين عاماً إلى القوات المسلحة، وهذه المنشورات الموجّهة إلى القوات المسلحة تمّت طباعتها على الطابعات ذات الأقراص الأسطوانية الدوّارة بقياسين، إذ تنامت قوة الكتب كأسلحة "لأنها تملك الدروع الأصلد ومدى الإبحار الأطول والأسلحة الأقوى". 

وكانت طريقة اتُبعت لتحريض المقاتلين على القراءة، وبالتالي رفع طاقة الروح المعنوية لديهم، وفي الوقت ذاته ترويج صناعة الكتب في الحرب العالمية الأولى. كانت نسخ الجيب من الكتاب المقدّس تُغلّف بأغلفة معدنية كاملة، على أمل أن تُنقذ جندياً من نيران العدو، إذا ما حُملت بالقرب من القلب.

برزت كذلك رواية ليليان سميث عام 1944 وهي تروي قصة رومانسية بين مختلِفي الأعراق، وقد حظرت الرواية في بوسطن وسرعان ما سمح بها بعد ذلك، لأنّ الجيش ما زال فيه مختلِفو الأعراق أو مختلطون. أما كتاب "أشخاص وأمكنة" لـجورج سانتيانا فقد مُنع من النشر لأنه كان يشكّك بالديمقراطية، وكذلك مُنعت رواية الويسترن "فرسان المريمية البنفسجية" لزين غراي باعتبارها ذات طابع هجومي على طائفة المورمون، وحتى رواية همنغواي جرى الاعتراض عليها لأنها فاحشة، وفي هذا تعرج على البنية الاجتماعية التي تحاول تطويع الكتاب بما ينسجم مع البنية الأخلاقية السائدة. 

ومع بدايات التخلّص من نظام العبودية بدأ رواج الكتب باعتبار الكتاب هدية لائقة ومتميّزة بين الأصدقاء والعشّاق، وخاصة في مناسبة الكريسمس، فقد نشأت الفكرة في ألمانيا لا في بريطانيا كما يتبادر إلى الذهن والأصح أنّ بريطانيا أخذت الفكرة بعد ذلك، إذ تمّ نشر كتاب "لا تنسيني" كي يكون مناسباً لإهداءات الأعياد، وهناك كتيّب "أوتوغرافات لأجل الحرية" أيضاً لاقى انتشاراً وخاصة بعد تبنّيه من قبل جمعية مناهضة العنصرية، وكان في الفترة ذاتها بداية لإبطال قانون العبيد وتمّ الجمع بين إلغاء العبودية وهدايا الكتب.

رودلف أكرمان الألماني الإنكليزي ابتكر طريقة الليتوغرافيا وهي عبارة عن استعمال قوالب حجرية أو معدنية مسطّحة للطباعة تعتمد على تقنية التنافر بين المواد الدسمة والماء، إذ يرسم التصميم بمواد دسمة ومن ثم يطبّق الحبر والماء، فيقوم التصميم بامتصاص الحبر فقط. 

ففي كتاب "رمح الأمّة" اختبأ تفصيل صغير عن صناعة القنابل، وتمّ استغلال روابط الصداقة الناجمة عن الإهداءات والتحشيد الذي استغلّ ضدّ العبودية لتصعيد الأمر لدرجة أن صارت الصورة برفقة الكتاب عنوان مدنيّة وتطوّر وخاصة في المجتمع الأرستقراطي. وقد برزت ثلاث شخصيّات نسائية "آن؛ مارلين؛ مدام دي دومبادور" يظهرن بالصور مع خلفيّة تستعرض المكتبة التي تمتلكها كلّ منهن ويتجلّى بها أبرز كتب تلك المرحلة، في استعراض ثقافي يظهر أهمّ الكتب السائدة كنوع من "بورتريه بيلوغرافيا وسيرة ذاتية بليوغرافية لكلّ منهنّ، وبالأخصّ الأخيرة مدام دي دومبادور التي كانت عشيقة لويس الخامس عشر فقد تفنّنت في اللقطات والصور التي أخذتها مع خلفيّات الكتب وكانت حريصة على إظهار مفاتنها، إضافة إلى ثقافتها العالية، وقد جنّدت فرانسوا بوشيه رسّامها المفضّل لابتكار بورتريهات متعدّدة لها وبوضعيّات مختلفة باعتبار أن لا تناقض بين الأنوثة والثقافة، مما فتح  باباً واسعاً في هذا الاتجاه على غرار "أيقونة البشارة" كنموذج للنساء القارئات في اللوحات المرسومة آنذاك، في تزاوج مع القصّ الديني وعالم القراءة وإظهار جانب المرأة الدنيوية والقارئة معاً، وكذلك كانت مارلين مونرو القارئة المغوية عنواناً للجمال والإغراء الأنثوي ومصاحبة الكتاب وهي التي اقترنت بآرثر ميلر الكاتب الأشهر. 

 هذا الكمّ من التوجّه الأنثوي لعالم الكتاب مهّد الطريق لكتاب "اللغز الأنثوي" لبيتي فريدان والذي كان له الدور الكبير في إطلاق الموجة النسوية الثانية.

يقول إيتاليو كالفينو: الكتاب الكلاسيكي هو كتاب لا يستنفد أبداً ممّا لديه كي يقوله للقرّاء؛ أو هو كتاب يدوم كضجّة في الخلفيّة، وهذا ما كان عليه كتاب "الربيع الصامت" لمؤلفته رايتشل كارسون، فالكتابة البيئية ظهرت بشكل تقدّم فيه المعلومة العلمية بأسلوب مبسّط وموجّه لكتلة واسعة من الناس، تبدأ الطبعة باستهلال من قصيدة جون كيتس "الحسناء القاسية": 

(قصب البردي اختفى من البحيرة، 

ولا طير يغنّي)

وقد ترجم إلى العديد من اللغات الأخرى، وهو الكتاب الذي أثار ضجة كبرى بين مؤيّد ومعارض وحقّق أفضل المبيعات، وتبوّأ بعد نجاحه مرتبة الكتاب الكلاسيكي الذي تمّ إجمال تعريفه بأنه كتاب تجمّع المباهج الحسية واللمسية والفكرية معاً كي تخلق الكتاب الذي سيدوم أجيالاً. 

أصبح الهوس بالكتب أشبه بالمرض بين من يسرقها وبين من يقتنيها، والأشهر هاري واينر الذي كان يقوم برحلات خصيصاً لشراء واقتناء الكتب، تسعة أجزاء "كوارتو" من "انهيار وسقوط الإمبراطورية الرومانية" لغيبون، ونشرة تسرد كارثة حول أخبار قاسية عن زلزال مرعب وقع في جزيرة سكارباريا، وكانت آخر الكتب التي اقتناها قبيل رحلته في الباخرة "تيتانيك" وغرقه وغرقت معه تلك النشرة التي تنبّأت بالكارثة. 

 ففي بداية القرن العشرين ظهرت ديانة الجيداي وهي ديانة خياليّة ظهرت في مسلسلات حرب النجوم وتمّ استقدامها إلى الكتبية، وتتضمّن أنّ الحفاظ على مستقبل الكتاب هو نقل الحكمة شفاهياً، فهناك العديد من النظريّات التي توضح  أسباب انتصار الكتاب على الألواح الطينية ولفائف البردي وأهمّها الملاءمة العملية، حيث كانت تركّز اللفائف على حاملين وأسطوانة يقام تدويرها للوصول إلى الكلام التالي منها، وإعادة لفّ المقروء منها، بينما الأسلوب الثاني يتضمّن الشيء الأهمّ وهو قابليّة الكتب للحمل، وكانت ثورة في عالم الكتب إذ إنّ تحت سطح كلّ نصّ مقدّس حظي بالشرعيّة اختزن قروناً من الخلافات الفكرية واللاهوتية. 

وقد برزت كودكس سيناتيكوس التي تعدّ أقدم مخطوطة كاملة للإنجيل "العهد الجديد" المحفوظة في دير سانت كاترين عند سفح جبل سيناء، ويحكى أنه من هنا جاء اسم سيناء، وقد انضمّ المسلمون إلى مجموعة أصحاب الكتاب فتعبير "أمّ الكتاب" أي اللوح المحفوظ في حضرة الإله.

وتاريخ التعصّب الديني يحفل بالأعمال الرمزية التي تدمّر نصوص الخصم بدءاً من إحراق التوراة على يد الإمبراطور الروماني هادريان، وقيام الكنيسة الكاثوليكية بتدمير نصوص الكاثاريين بوصفها هرطقة في القرن الثالث عشر، والحملة الاستفزازية التي قام بها تيري جونز في فلوريدا تجلّت بقوله " أحرق مصحفاً كلّ يوم". 

كذلك قام المحتجون على اجتياح الاتحاد السوفياتي لهنغاريا بإحراق كتب كلاسيكيّات الأدب الروسي وكتب لينين وستالين، وقبلها كان إحراق كتب مارتن لوثر والتخلّص من الكتب الفاحشة بعد قراءتها طبعاً.

ففي عصر الطباعة لم يكن إحراق الكتب إلا مسرحة رمزية لرفض كتاب ما من قبل سلطات مهيمنة، وثمّة موجتان لحرق الكتب في القرن الواحد والعشرين؛ الأولى في بولندا والثانية في نيومكسيكو، الأولى مجموعة هاري بوتر للكاتبة جي.كي.رولنغ لتجسيدها السحر الأسود، والثانية بسبب تصريحات المؤلفة رولنغ بمعاداة المتحوّلين جنسياً، كما يجعلنا نرجع بالذاكرة إلى المحارق النازية في ثلاثينيات القرن الماضي تحت عنوان هولوكوست الكتب.

تحاول الرقابة محو النصوص أو حجبها وأحياناً إعدامها كما ورد في كتاب راي برادبوري "فهرنهايت 451" الذي جسّد ديستوبيا حرق الكتب التي لا تتوافق مع توجّهات الفئات المسيطرة، والملفت أيضاً أنّ هذا الكتاب نفسه تعرّض قسم منه للمحو وخاصة لكلمات مثل اللعنة وسحقاً، والهدف تحقيق مقروئية أعلى وبالتالي ربح أكبر. إنّ حجب الكتاب أو إخفاءه يعطيه سرعة انتشار وشدّة إقبال الجمهور عليه ما دعي بظاهرة سترايسند.

وقد أتاح مناخ الحرية في الستينيات تخفيف الرقابة على الكتب عمّا كانت عليه في فترة الخمسينيات حيث الاعتراض كان على الكلمات الجنسية والطبقات الاجتماعية والميول المثليّة، وقد ظهرت معضلة نشر كتاب أدولف هتلر "كفاحي" في مساعي أميركا ضد التقييد النازي للكتب بالدرجة الأولى، فقد كتب هتلر سيرته الذاتية المعادية للسامية والتفوّق العرقي وهو في السجن بميونيخ في العشرينيات وكان توزيعه بطيئاً في البداية، وفيما بعد أصدرت منه ثلاث طبعات موجّهة إلى كلّ فئات الشعب، فقد اعتبر البعض في أميركا وضمن السجالات الدائرة أنّ قضيتنا حرية الطباعة لا كتاب هتلر، وقراءة هتلر ضرورية لمعرفة الحقبة الرائعة الحالية التي نعيش فيها.

 وكان التناوب بين المنع والسماح أسلوب دور النشر لترويج الكتاب، في النهاية يعتبر الكاتب أنّ الكتاب يمتلك قوة فائضة عن محتواه وكأنه السحر، وهذا سمة لبعض الكتب الأخرى. وهنا نعود للعنوان الذي اختارته الكاتبة بأنّ لبعض الكتب قوة سحرية "الكتاب الطلسم" التي قد تحمي من الكثير من المخاطر وخاصة في قضايا الاستخارة، يلجأ إليها البعض عند المواقف الحرجة وكأنّ الكتاب الذي يقرأ القارئ وليس العكس. لنصل أخيراً إلى الكتاب الرقمي الذي يشارك القارئ الكاتب في احتمالات النهاية أو التدخّل بالأحداث عبر التفاعل مع الأيقونات التي تفتح عبر شبكة الأنترنت وتؤدّي إلى خيارات متعدّدة.  

نصوص سحر محمول جولة ممتعة في تاريخ نشوء وصنع الكتاب وقصيدة وارفة في تمجيده.  

اخترنا لك