الانقسام الداخلي والانتخابات.. كيف يقيّدان خيارات ترامب المحتملة بشأن إيران؟
مع تصاعد الحديث عن عدوان أميركي محتمل على إيران، تبرز إشكالية معقدة أمام إدارة ترامب بين خيار الحرب وكلفة تداعياتها، وسط انقسام أميركي داخلي وحسابات انتخابات "الكونغرس" المرتقبة.
-
الانقسام الداخلي والانتخابات.. كيف يقيّدان خيارات ترامب المحتملة بشأن إيران؟
ارتفع منسوب الحديث عن عدوان أميركي محتمل على إيران، في الآونة الأخيرة بشكل كبير، بالتزامن مع رفع مستوى التحشيد العسكري الأميركي في منطقة غرب آسيا، ومع عقد جولتين متتاليتين من المباحثات غير المباشرة مع طهران، وترقّب لجولة ثالثة غداً في جنيف.
هذا دولياً، أمّا داخلياً، فتواجه الإدارة الأميركية مأزقاً سياسياً بشأن الدخول في الحرب مع إيران، وسط انقسام على مستويي القيادتين السياسية والأمنية، وعلى المستوى الشعبي كذلك، وقبيل انتخابات التجديد النصفي لـ"الكونغرس"، الخريف المقبل، والتي تهدّد خسارة الجمهوريين لها فعّالية دونالد ترامب خلال الفترة المتبقّية من رئاسته.
فكيف تقيّد هذه الحسابات خيارات ترامب المحتملة بشأن إيران؟
الانقسام داخل الصف الأميركي
الانقسام داخل الولايات المتحدة ليس منحصراً داخل دائرة واحدة، بل إنه غزا جميع المستويات: السياسية والأمنية والشعبية.
مبعوثا ترامب يحثّانه على التريّث
على المستوى السياسي، يحبّذ أقرب مستشاري الرئيس ترامب، حتى اللحظة، الابتعاد عن شنّ عدوان عسكري على إيران، وهما مبعوثاه الخاصان ستيف ويتكوف، وجاريد كوشنر.
وذكر موقع "أكسيوس" الأميركي، في تقرير له، أنّه وبينما يناقش ترامب ما إذا كان سيهاجم إيران وكيف، فإنّ مبعوثَيه كانا يحثّانه على التريث وإعطاء فرصة للدبلوماسية.
في المقابل، يحثّ السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام، وهو المعروف بمواقفه المتطرّفة تأييداً لـ"إسرائيل" ترامب على شنّ عملية عسكرية ضدّ طهران، معرباً عن أسفه "لأنّ العديد من مستشاري ترامب كانوا ينصحونه بعدم قصف إيران".
القيادة العسكرية الأميركية تتخوّف من حرب طويلة الأمد مع إيران
أمّا على مستوى القيادات الأمنية، فيلقي الخوف من الانجرار إلى حرب طويلة الأمد مع إيران بظلاله على مباحثات المسؤولين العسكريين بشأن شنّ عدوان ضدّ طهران.
وذكر موقع "أكسيوس"، نقلاً عن مصدرين مطلعين، أنّ رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كاين كان يحذّر ترامب وكبار المسؤولين من أنّ "الحملة العسكرية ضدّ إيران قد تنطوي على مخاطر كبيرة، ولا سيما احتمال التورّط في صراع طويل الأمد".
لكنّ الرئيس الأميركي نفى هذه المزاعم، في منشور له على منصة "تروث سوشيل"، حيث زعم أنّ كاين يرى "الأمر سهّل الحسم" إذا ما اتخذ خيار بالهجوم على إيران.
وعلى الرغم من ذلك، أورد موقع "i24" الإسرائيلي، في تقرير له، أنّ الرئيس الأميركي يحبّ "الأحداث الجميلة" التي تنتهي في يوم واحد، لكنّ الجنرالات يحذّرون من أنّ إيران ليست فنزويلا، حتى لو قام الجميع بالقصف ليلة واحدة لن ينتهي الأمر هناك.
كما تحدّث الموقع عن أنّ الولايات المتحدة تحمل ندوب "الحروب التي لا تنتهي" (Forever Wars) في "الشرق الأوسط"، حيث الحروب في العراق وأفغانستان كلّفت دافع الضرائب الأميركي أكثر من 8 تريليونات دولار على مدار عقدين من الزمن.
وأشار إلى أنّ دونالد ترامب، الذي انتُخب على أساس وعد بإخراج الولايات المتحدة من هذه النزاعات، يدرك أنّ أيّ هجوم لا ينتهي كـ "حدث جميل" في غضون يوم واحد، قد يتحوّل إلى عبء سياسي واقتصادي يُعرّف فترة ولايته ويضرّ بمصداقيته أمام قاعدته الداعمة.
استطلاع رأي: نصف الأميركيين يعارضون الحرب على إيران
كما هو الحال على مستوى الإدارة، فإنّ الحالة الشعبية أيضاً تظهر معارضة واسعة لأيّ ضربة ضدّ إيران.
فقد أظهر استطلاع رأي، أجرته جامعة "ميريلاند" الأميركية مؤخّراً، أنّ نحو 50% من الأميركيين يعارضون شنّ الولايات المتحدة هجوماً عسكرياً على إيران، فيما 21% من الأميركيين فقط يؤيّدون قيام واشنطن بشنّ هجوم على إيران، بينما يقول 30% إنهم لا يعرفون.
وفي التفاصيل، فإنّ 40% من المؤيّدين للهجوم هم جمهوريون، و6% منهم من الديمقراطيين، و21% من المستقلّين.
في المقابل، عارض 49% شنّ هجوم، بمن فيهم 25% من الجمهوريين، و74% من الديمقراطيين، و51% من المستقلين.
حسابات "الكونغرس" وانتخابات التجديد النصفي
وتحمل النسبة الكبيرة من المعارضين للهجوم على إيران في الشارع الأميركي، في طياتها، أبعاداً أعمق من الانقسام الشعبي حول المسألة، فهذا الانقسام يأتي على بعد أشهر قليلة من انتخابات التجديد النصفي لـ"الكونغرس" في تشرين الثاني/نوفمبر، والتي من شأنها، في حال حملت نتائجها هزيمة للجمهوريين، أن تضعف إدارة ترامب خلال السنتين المتبقيتين من فترته الرئاسية الثانية.
وبالنظر لنتائج انقسام القاعدة حيال قضايا مشابهة، وعلى رأسها الحرب على غزة، حيث منيت المرشحة كامالا هاريس بهزيمة أمام دونالد ترامب في الانتخابات الرئاسية، بسبب نهج إدارة الرئيس الأميركي السابق جو بايدن تجاه الحرب باعتراف الديمقراطيين أنفسهم، فإنه لا بدّ من النظر إلى الانقسام الحالي باهتمام بالغ، وإلى انعكاساته المحتملة على الانتخابات النصفية.
وأبعد من الانقسام حول القضايا الكبرى، فإنّ إيمان الأميركيين بشخص ترامب يتراجع بسبب سياساته، حيث أظهر استطلاع رأي أوردته شبكة "سي أن أن"، قبل يومين، أنّ التأييد العامّ للرئيس الأميركي تراجع إلى 36% ، كما ويقول 61% من الأميركيين، مقابل 38%، إنّ سياسات ترامب ستدفع البلاد في الاتجاه الخاطئ وليس الاتجاه الصحيح.
كما أظهر استطلاع آخر، أجرته وكالة "رويترز"، أنّ 6 من كلّ 10 أميركيين يعتقدون أنّ ترامب بات "متقلّب المزاج" مع تقدّمه في السن، ما يعكس انعدام ثقة شعبي بترامب آخذ في الازدياد.
ويُضاف إلى ذلك، الانقسام الحالي الذي يشهده "الكونغرس" إزاء مناقشات العدوان المحتمل على إيران.
وتحدّثت تقارير صحفية عن احتمال تصويت "الكونغرس" الأميركي، هذا الأسبوع، على قرار يمنع الرئيس الأميركي دونالد ترامب من شنّ عدوان على إيران من دون موافقة تشريعية.
وكان أعضاء في "الكونغرس"، بينهم بعض زملاء ترامب الجمهوريين إضافة إلى ديمقراطيين، قد حاولوا مراراً اعتماد قرارات تمنع ترامب من تنفيذ عمل عسكري ضدّ حكومات أجنبية من دون موافقة تشريعية، إلا أنهم لم ينجحوا في ذلك.
ويُذكر كذلك أنّ السناتور الديمقراطي تيم كين، من ولاية فرجينيا، والسناتور الجمهوري راند بول، من ولاية كنتاكي، قدّما مشروع قرار في مجلس الشيوخ، أواخر الشهر الماضي، يهدف إلى منع "الأعمال القتالية" ضدّ إيران ما لم يُصرَّح بها صراحة في إعلان حرب من "الكونغرس".
وفي مجلس النواب، أعلن النائب الجمهوري توماس ماسي من ولاية كنتاكي والنائب الديمقراطي رو خانا من ولاية كاليفورنيا عزمهما الدفع باتجاه التصويت على قرار مماثل هذا الأسبوع.
إذاً، ما بين مخاوف ترامب من فقدان الأكثرية في "الكونغرس" في الانتخابات النصفية، وبين المحاولات الحثيثة من قبل أعضاء "الكونغرس" الحالي لسنّ تشريعات تمنعه من الذهاب نحو الخيار العسكري مع إيران، يواجه الرئيس الأميركي تعقيدات سياسية عديدة تفرض نفسها على أيّ قرار قد يتخذه في هذه الصدد.
"هذه أزمة من صنعه"؛ بهذه العبارة، وصف الدبلوماسي الأميركي السابق آرون ديفيد ميلر موقف الرئيس الأميركي إزاء أي حرب محتملة على إيران، في مواجهة انقسام على مختلف المستويات، وحسابات "الكونغرس" والانتخابات النصفية المقبلة. فهل سيترك هذا الأمر أثره على القرار المزمع اتخاذه من قبل ترامب في هذا الشأن؟