بين مسجد وكنيسة.. دروس من النزوح اللبناني!

لطالما خدم مسلمون كنائس المسيحيين، وحافظوا عليها يوم كانت تشتدّ الأزمات، وكانوا يتولّون قرع الجرس ريثما يحضر المكلّفون المسيحيون بذلك، ولطالما تناولنا الفطور الرمضاني على موائد أصدقائنا الطرابلسيين.

  • لقطة للكنيسة من الداخل بعدسة ملك فقيه شعيب
    لقطة للكنيسة من الداخل بعدسة ملاك فقيه شعيب

في بلد صغير كلبنان، يستطيع زائره تغطية التجوال في كلّ أنحائه في يوم واحد، تتنوّع بنيته الاجتماعية كفسيفساء متداخلة، ومتنوّعة بتنوّع المناطق والمدن والأحياء، ولم يشكّل تنوّعه الواسع إشكالية بين فئاته وأبنائه على اختلاف مشاربهم، إلا بعد اندلاع الحرب الأهلية عام 1975.

في طفولتنا، ومراهقتنا، وشبابنا الأول، كنا في المدارس نتقاسم المقاعد بناءً على الطول، منعاً لحجب رؤية لوح الصف إذا كان الأطول جالساً في المقاعد الأمامية، ولم نكن نعرف الفارق بين الأسماء وانتماءاتها، وقد يكون أقرب الأصدقاء من غير دينك، لكنك لا تدري، ولا تأبه، ولا تسأل.

في قرانا أو أحيائنا المدينية، كان الميل التشاركي متبادلاً بين مختلف الانتماءات. كان المسلم يشارك المسيحي تقاليد الميلاد والقيامة والعمادة، ويحضر إلى الكنيسة مع رفاقه كأيّ مسيحي، وكان المسيحيون يشاركون المسلمين صيام رمضان ومآدبه، وعيد الفطر وتقاليده.

في المدينة، لطالما خدم مسلمون كنائس المسيحيين، وحافظوا عليها يوم كانت تشتدّ الأزمات، وكانوا يتولّون قرع الجرس ريثما يحضر المكلّفون المسيحيون بذلك، ولطالما تناولنا الفطور الرمضاني على موائد أصدقائنا الطرابلسيين.

وفي القرى، كثيرون من المسلمين تلقّوا العمادة، وشارك كثيرون منهم في تراتيل القداديس، من دون أن يتفكّروا بالسماح بها من عدمه. والحديث يطول، والروايات قد لا تجد لها نهاية.

تواصلت النزعة التفاعلية والتشاركية التي تمتّعت بها مختلف فئات المجتمع قبل الحرب الأهلية، واستمر كثيرون محافظين عليها حتى الأمس القريب. في بيروت، كان التفاعل أوسع وأكثر تمثيلاً، إذا جاز التعبير، فقد تداخلت أحياء المسيحيين مع أحياء السنة وأحياء الشيعة، وأحياناً اختلط السكن، وصولاً إلى تبادل الزيجات.

ما لم نكن ندركه أنّ الحرب الأهلية ليست تطوّراً قائماً بحدّ ذاته، أو مرحلة لا بدّ للمجتمع من المرور بها للانتقال إلى مرحلة "أرقى" أو "أفضل". لقد كانت الحرب الأهلية منطلقاً لما وصلنا إليه من تفتّت وتشرذم غير عفوي وغير بريء. كان المطلوب تفتيت المشرق تمهيداً لمشاريع حملها الأعداء، خصوصاً منها مشروع من "الفرات إلى النيل"، الذي استدعى تدمير العراق وسوريا ولبنان (وحالياً إيران)، عقب احتلال فلسطين وإقامة نواة ذلك المشروع على أرضها.

من تداعيات ذلك المخطط، وفي خطوات تنفيذية لتحقيقه في المرحلة الأخيرة، حصول نزوح الجنوبيين وأبناء الضاحية الجنوبية تحت وطأة القصف الإسرائيلي الهمجي الذي طال إنسانهم وبيوتهم وقراهم وأحياءهم. غالبية شيعية غير مقصودة، ناجمة عن تركيبة المنطقة التاريخية، لكن للحق يقال إننا كنا نعرف بعضنا كمسيحيين وسُنّة وعلويين، لكننا لم نعرف الشيعي عن كثب، فالبعد الجغرافي يترك مجالات واسعة من عدم المعرفة بالآخر.

في النزوح الأول عام 2024، كان التفاعل بين المقيمين والوافدين تعاطفاً إنسانياً وأخلاقياً بين أبناء البلد الواحد، ومن البديهي أن يتعمّق التعارف، وتتعمّق معرفة الواحد بالآخر مع مرور الوقت وامتداد فترة النزوح، وتالياً تواصل الناس في ما بينهم. كان حضورهم لطيفاً ومحبّباً، سريعي التفاعل مع الآخرين، لا يشعرون بغربة، ولا يفرّقون بين أنفسهم والآخرين.

من أكثر ما لفت النظر بالشيعة قدرتهم اللامتناهية على تحمّل المأساة. هم فاقدون للمنزل والحيّ والإقامة، ولكثير من الشهداء، حتى لم يخلُ بيت من شهيد. لكنهم تعاطوا مع ذلك بصبر وأناة، وظلّوا يروون حكاياتهم بنفس صابر، ويمكن القول إنّ مأساة قصفهم وتدمير منازلهم ونزوحهم لم تغيّر في طباعهم، ولا في أسلوب تعاملهم الأخلاقي والإنساني مع الآخرين.

وشيئاً فشيئاً، تبدأ الاستنتاجات والملاحظات تكرّ كلما تعرّفت إليهم أكثر. الشهادة عندهم "تقليد" وضرورة لاستمرارهم. أما تعلّقهم بأرضهم، فحدّث ولا حرج، ولم يعد ذلك التعلّق مثار جدل منذ تهجير 2006، يوم أُعلن وقف إطلاق النار، فما هي إلا لحظات حتى كانت الطرقات والشوارع تغصّ بهم عائدين. وهذا ما حدث في تهجير 2024، وكاد يحصل حالياً رغم عدم إعلان الاتفاق على وقف للحرب، لولا مبادرة المعنيين السريعة في المقاومة لتنبيههم إلى عدم مغادرة مواطن إقامتهم.

وتحلّ عملية تهجيرهم الثالثة هذه المرّة في موسم الأعياد المسيحية، فإذا بالشيعي ينجذب إلى كنائس المسيحيين للتعرّف إلى تقاليد جديدة بالنسبة إليهم، ملؤهم الانفتاح والفضول وحبّ المعرفة، لكنّ الأكثر من ذلك، حبّ التفاعل مع الآخرين بروح انفتاح لا تعطي للتعصّب والنفور والرفض أيّ معنى.

في جلسات مع العديد منهم، يتباهون بأنهم أصحاب انفتاح، ولم يبادروا مرّة إلى إثارة حساسية مع الآخر، ولا إلى افتعال مشكلة حتى مع من يناصبونهم الخصومة، حتى ولو بلغت الخصومة حدّ الأذية والتجريح. سمعوا الكثير من الكلام الرافض لحضورهم في بعض الأحيان، إما لاختلاف موقف سياسي، أو خشية من التضرّر من قبل العدو، لكنهم لم يأبهوا، وظلّوا محافظين على موقفهم بكلّ رباطة جأش، وتحمّل وصبر وأخلاق رفيعة، فالضيافة بنظرهم لها طقوسها.

  • ملك أمام الكنيسة
    ملاك أمام الكنيسة

وفي موسم الأعياد، وللمسيحيين طقوس كثيرة، كصلاة العصر، والصيام، وخميس الجسد، والجمعة العظيمة، فالقيامة، جذبت كثيرين منهم تقاليد ربما عايشوها للمرة الأولى، فكانوا منفتحين على التعرّف إليها من دون تردّد، فليس في عقيدتهم انغلاق ولا تكفير. لذلك، شوهد كثيرون منهم يحضرون تقاليد المسيحيين في كنائسهم بكلّ محبة وانفتاح.

ولربما كان ما قامت به إحدى سيداتهم، وهي ملاك فقيه شعيب، من إحدى بلدات النبطية، حيث بادرت مع صديقات أخريات إلى الحضور إلى كنيسة القديس ثيودوروس في بلدة بينو شمالي لبنان حيث تقيم الآن، وخرجت بانطباع لفت الأنظار عند ما كتبته في نصّ وجداني، بلغة عربية رفيعة وروح عامليّة راقية.

ملاك، آملةً أن يسهم موقفها في إبراز صورة العيش المشترك والمحبة بين الناس، كما قالت، كتبت:

لا تستغربوا حضورنا في الكنائس…
فالشوق يقودنا إلى كلّ حجر يشبه حجارة مسجد ضيعتنا،
إلى كلّ زاوية تنبض بذكر الله.
هنا… لا يختلف الصوت،
فصوت "أبونا" وهو يرتّل،
يأتينا كصدىً بعيد لصوت شيخ الضيعة،
كأنّ الدعاء واحد، وإن اختلفت الطرق.
الكلمات نفسها…
والخشوع نفسه…
وحتى دمعة العين، حين تفيض خشية من الله،
هي ذاتها التي عرفناها هناك.
وهنا… نفهم أكثر،
أننا لم نُخلق لنتشابه، بل لنتآلف،
لنحيا معاً، نقتسم الألم قبل الفرح،
ونحمل لبعضنا دعاءً لا يفرّق بين اسم وآخر.
هذا هو العيش المشترك…
أن نجد أنفسنا في بعضنا،
وأن يكون الله جامعنا، مهما اختلفت دروبنا إليه.
الأيام ثقيلة…
لكنّ الدعاء يخفّف وطأتها،
ويجمعنا على رجاء واحد:
السلام للوطن…
السلام للأرض الطاهرة…
السلام لكلّ قلب متعب ينتظر الفرج.

اخترنا لك