بيروت: بين يوسف وسيزيف

بيروت هي الفكرة المضادة للقصف. هي الجسد الوحيد في تاريخ المدن الذي كلما انشطر نصفين تحت حديد الغزاة، التحـم من جديد بقوة أكبر.

في البدء، كانت بيروت جملةً اعتراضيةً في خاصرة البحر، وكان البحر يقرأ وجهها كلّ صباح فينسى أن يهدأ. هكذا ولدت المدينة مرفأً للغزاة والتجار والطامعين والعاشقين، وكأنّ جغرافيّتها قدّت من ضلع الريح والملح لتكون مشتهاةً كفاكهةٍ ناضجةٍ في رأس جبل يطلّ على الأبدية.

وحين يُشتهى الجمال إلى هذا الحدّ، يصير الجمال لعنةً، يصير البئر، ويصير الثمن الدموي الذي يدفعه الوسيم في بلاد الحسد والعتمة.

لم تكن بيروت مجرّد نقطة على خريطة هشّة، بل كانت صدعاً في جدار المنطق، استثناءً يثبت أنّ الحياة يمكن أن تولد من رحم الفوضى. من قال إنّ المدن تبنى بالحجر؟ بيروت بنيت من فرط الأحلام المؤجّلة ومن دموع المغتربين في أقاصي الأرض. كلّ حجر فيها تعمّد بنبيذ عاشق ودم شهيد، فصارت بهذا الخليط المحال عصيةً على التصنيف: أهي معبد للسلام أم ساحة حرب دائمة؟ إنها الاثنان معاً، إنها النشيد الوطني الذي يغنّى بصوت مبحوح، ورقصة الدبكة فوق الزلزال.

بيروت التي تسكننا، ليست فقط شوارع وأبنية ترسم أولاً على الخرائط، وتبنى بسواعد العمال والكادحين، ولا هي أرقام شهداء تتلى في نشرات الأخبار بصوت متوتر. بيروت هي الفكرة المضادة للقصف. هي الجسد الوحيد في تاريخ المدن الذي كلما انشطر نصفين تحت حديد الغزاة، التحـم من جديد بقوة أكبر.

التحام يولد من كلمات الشعراء والأدباء، ومن الحنجرة السماوية لفيروز التي حوّلت الأنين إلى ترتيلة صمود. هي المدينة التي اخترعتْ من حطامها لغةً جديدةً، لغةً لا تعرف تصريف فعل "الانكسار" إلا في صيغة المبني للمجهول.

لا لأنها تجهل يداً امتدت بالحديد والنار، فهي تعرف وجوه المعتدين والخونة وتحفظ رائحة البارود جيداً، ولكنها ترفض – استعلاءً لا جهلاً – أن تمنح أولئك شرف الفاعلية في جملتها الأبدية، وكأنّ الفاعل الحقيقي لا يُذكر على لسانها لأنّ الحاضر الدائم هو فعل "النهوض".

الزمن في بيروت لا يقبل الانصياع لضجيج الحديد. إنه يمضي متثاقلاً، رخواً، كأنه يمنح الناس فرصةً لاحتساء القهوة مرةً أخيرةً قبل الغارة، أو لتبادل النكات السوداء في الملاجئ. وهنا تكمن المعجزة: ليست القوة في أن تنجو من الموت، بل في أن تقنع الموت بأن ينتظر قليلاً ريثما تنهي سيجارتك على الشرفة المطلة على الجحيم.

إنها قدر سيزيفيّ، نعم. لكنّ صخرة سيزيف هنا ليست حجراً أجوف، بل هي قلب بيروت النابض الذي لم يتوقّف عن ضخّ دمّ الثقافة في شرايين العرب حين جفّت أقلامهم أو صودرت. كلّ مرة يحاول الموت أن يكتب روايته الأخيرة على جدرانها بالبارود والفسفور الأبيض، كانت بيروت تردّ عليه بمخطوطةٍ نادرةٍ تخرجها من تحت ركام أحلام اليقظة لباعة الكتب القديمة على أرصفة الحمرا. كانت تردّ عليه بقصيدة تتلى على ضوء الشموع في حانةٍ مثقوبةِ السقف، أو بمعرضٍ تشكيلي يقام في زقاق لم تزل رائحة الموت تفوح من جدرانه.

أتعرف سرّ بيروت؟ إنها تختزن السماء في أقبيتها. إنها المدينة الوحيدة التي تتدلى جذور أشجار صنوبرها من فوق لا من تحت، لتشرب من زرقة البحر المالحة وتلفظها ظلاً وارفاً على رصيف مُتعَب. هي الجغرافيا المقلوبة رأساً على عقب، حيث تعيش الكرامة في العتمة ويولد النور من قلب الخراب. لهذا يخافها الغازيّ؛ لأنه يقف أمام مرآةٍ محدبةٍ تريه صورته الحقيقية: قزماً يحمل مدفعاً، بينما تقف بيروت شامخةً كجداريةٍ سومريةٍ كتبت عليها الريح: هنا لا يموت الأمل.

المعتدي لا يفهم بيروت، وهذا سرّ هزيمته الأبدية. هو يظنّها كومة بشر وحجر وبنايات من زجاج، بينما هي في عمقها "معنى". هي ترياق الشرق المسموم بمذهبياته. هي عاصمة الحلم الذي يرفض أن يتحوّل إلى ذكرى.
أن تنظر إلى صورة بيروت في العام 1982 وهي تئن تحت جحيم الاجتياح الإسرائيلي، ثم تنظر إليها اليوم والدخان يلف أحياءها وضواحيها بفعل المعتدي نفسه، فتجد الشيء نفسه: شجرة حور خضراء يانعة في قلب النار. بل إنك لتجد في عيون الشباب ذلك البريق القديم نفسه، بريق من رأى الموت ألف مرة فقال له: ألا تملّ؟ تعال نقرأ خليل حاوي، نرسم صورة حنظلة، نحتسي القهوة ونتذكّر مقهى الويمبي.

وحين أطلّ ذلك "الأربعاء الأسود"، ملطّخاً بغبار ما سمّوه "الظلام الأبدي"، ظنّوا أنهم أمسكوا أخيراً بتلابيب الوقت في بيروت. ظنوا أنّ في وسعهم إطفاء "منارة الشرق" بغمامة من دخان وفوسفور. يا لسذاجة الحديد حين يواجه سرّ الفينيق!

لم يدركوا أنّ بيروت تجيد لغة الظلام أكثر مما تجيد الخفافيش التحليق في دهاليزه. هي التي حوّلت ليالي الحصار الطويلة إلى أساطير، ونسجت من عتمة الملاجئ قناديل للفكر.

"الأربعاء الأسود" ما هو إلّا موعد جديد في روزنامتها العتيقة مع الوجع، موعد تحفظه جيداً إلى جانب أيام سوداء أخرى: الاثنين الذي انهار فيه المرفأ فصار الدخان وردةً سوداء في صدر البحر، والثلاثاء الذي قصفوا فيه الجسور فأقامت من أنقاضها شرايين جديدة للوصال، والخميس الذي اغتالوا فيه أحلام مفكّريها فولد من كلّ قطرة دم ألف سؤال عن الحرية.

بيروت تعرف أنّ "الظلام الأبدي" هو ذاك الذي يسكن أرواح المعتدين قبل صواريخهم، أما ظلامها فهو ظلام الرحم الذي يسبق المخاض. هي التي تختزن في خاصرتها المنهكة سرّ الفجر، وتملك الصبر الأعمى للبذرة وهي تشقّ حجاب التراب.

"الأربعاء الأسود" سينقشع كغيمة عابرة في سماء مدينة درجت على أن تسير في عزّ النهار تحت مظلة الموت. وستقوم من تحت رماده الجديد لتلملم كتبها المبعثرة من أرصفة الحمرا، ولتعيد وصل التيار إلى عتمة مسارحها، ولتسمع فيروز وهي تنشد من خلال صدع في جدار الأبد: "مجد من رماد لبيروت".

لكنّ سيزيف بيروت ليس أعمى، ولا هو من أولئك العشّاق المخدوعين بغبار المعارك. حين يدفع صخرته إلى الأعلى، يشعر بخشونة حجارتها، ويميّز بين حجر الاجتياح الإسرائيلي، وحجر الخلاف الداخلي الذي اقتلعه الإخوة من أساس البيت الواحد. يسمع في صرير احتكاك الصخرة بالتراب نشازاً لا يشبه لحن البقاء، نشازاً اسمه "الفساد" حين ينام حارس المرفأ عن براميل الموت، ونشازاً اسمه "الطائفية" حين تتحوّل زواريب المدينة إلى متاريس للغرباء عن الحب.

سيزيف بيروت يدفع صخرته مثقلةً بخطايا الغزاة، نعم، ولكنها مثقلةٌ أيضاً بغبار تقصير الإخوة وهفوات ذاكرتهم. وفي هذا تحديداً تكمن معجزته الكبرى: أنه يحب المدينة لا كما يجب أن تكون في قصائد الشعراء فقط، بل كما هي في قسوة الواقع، بفوضى بناياتها المشوّهة وثرثرة ساستها حول الحصص. يدفعها إلى الأعلى رغم ثقلها، لأنّ حبّه ناضج بما يكفي ليعرف أنّ بيروت ليست ملاكاً، بل هي إنسانة طائشة، جميلة، مدمنة حياة، ترتكب الخطأ تلو الآخر، ولهذا تستحقّ أن تُحَب حتى النخاع.

سيتغلّب هذا القلب السيزيفي على "الأربعاء الأسود" كما تغلّب على ظلام الجُبِّ من قبل، لا لأنه ينسى، بل لأنه حوّل الذاكرة إلى جذرٍ يزداد عمقاً كلما انهال عليه التراب. الظلام يتناسى أنّ بيروت تعرف أنّ اسمها، منذ سومر، يعني "عين الماء التي لا تنقطع"... و"منارة الشرق التي لا تنطفئ".

لا نقول بيروت "ستنتصر" لأنّ ذلك يعني أنّ ثمة معركة تنتهي. بيروت تنتصر كلّ لحظة بطريقتها الخاصة، بأن تقنع أبناءها ألّا يهجروا شرفات البيوت المهدّمة، بأن يشربوا قهوتهم الصباحية ولو كان صوت الطائرات فوق رؤوسهم كعواء ذئاب العصر.

إنها تنتصر لأنها تصرّ أن تبقى مدينة الحبّ في زمن الكراهية، ومدينة الكتاب في زمن الجهل. هي منارة لا تنطفئ، لا لأنّ الزيت لا ينضب، بل لأنها تعلّمت أن تشعل الفتيل من رماد قلبها إذا لزم الأمر. وفي هذا الانتصار اليومي الصامت، تكمن العظمة التي ترعب أعداءها أكثر من أيّ سلاح؛ إنه الانتصار العظيم، أن تقول "نعم" للحياة في وجه "لا" المطلقة.

ستبقى بيروت أجمل من كوابيسهم، وأعند من صواريخهم، وأعمق من بئر النسيان. ستبقى الدليل الوحيد على أنّ بعض الأمكنة تخلق لتدمى لتُذكّر العالم بأنّ الورد الحقيقي لا يزهر إلا على حافة الهاوية. وسيبقى أبناؤها يردّدون، بين غبار الركام وأصوات الباعة وضجيج المقاهي ونداء الأذان وأجراس الكنائس: "هنا نبقى…هنا نحيا".

ويبقى سيزيف بيروت يدفع صخرته إلى الأعلى، لا ليصل إلى القمة الزائفة، بل لأنه أحبّ تلك الصخرة حتى صارت جزءاً من كتفه، وحتى صار صوت احتكاكها بالتراب موسيقاه الوحيدة التي يفهم أنها لحن البقاء.

اخترنا لك