بماذا تنصحونني أن أقرأ أولاً؟

يهدينا ماريو بارغاس يوسا نصيحة ثمينة مقارناً الروائي بمريض الدودة الوحيدة، وضرورة التعايش الدائم مع هذا الحيوان القابع في الأحشاء، وذلك بالانكباب الحصري على متطلّباته، وإقصاء لما عداها، فاحتراف الأدب يحتاج إلى حماسة من يعتنق ديناً.  

  • يهدينا ماريو بارغاس يوسا نصيحة ثمينة مقارناً الروائي بمريض الدودة الوحيدة
    يهدينا ماريو بارغاس يوسا نصيحة ثمينة مقارناً الروائي بمريض الدودة الوحيدة

في باب الاختزال والكثافة والاقتصاد اللغوي، ربما علينا أن نتذكّر على الدوام نصيحة أنطون تشيخوف لمواطنه مكسيم غوركي بعد أن قرأ قصة له يصف فيها بإسهاب زمجرة السماء قبل أن يهطل المطر (لمَ تأخذ كلّ هذا الوقت في وصف كيفيّة حدوث المطر، كلّ الناس يا عزيزي تعرف كيف تمطر السماء. وكان علينا أن تكتفي بالقول "لقد امطرت السماء" وهذا يكفي).  

لن يكترث أصحاب "الروايات المتورّمة" بشحوم الإنشاء بمثل هذه النصيحة الثمينة، فهناك عشرات الأمثلة المضادة التي تساعدهم على تدوين مئات الصفحات ببسالة، متوسلين بما أنجزه نجيب محفوظ في ثلاثيته المعروفة، أو مارسيل بروست في "البحث عن الزمن المفقود". لكن مهلاً، هل بإمكانك أن تخضع نفسك لبرنامج صارم في الكتابة كما فعل الأول، أو تعزل نفسك في غرفة مبطّنة بالفلين وتكتب 7 مجلدات تستعيد فيها ماضيك، كما فعل الثاني؟

شخصياً لم أتمم قراءة هذه الموسوعة عن الحنين، فقد شعرتُ بعبء لا يطاق نظراً لصعوبتها، كما أنني لا أملك رفاهية الإقامة في غرفة مبطّنة بالفلين ورائحة البخور، إذ يقتحم غرفتي صباحاً صوت عربة القمامة ثم يتبعه صوت آلة تسجيل تبثّ شريطاً يعلن عن رغبة أحدهم بشراء البلاستيك والبطاريات المستعملة والألمنيوم، ثم صوت فتح أقفال الدكان المجاور.

سأصفح عن مارسيل بروست إزاء جملة واحدة فقط"رحلة الاكتشاف الحقيقية لا تتمثّل في البحث عن مناظر طبيعية جديدة، ولكن في الحصول على عيون جديدة". ما نحتاجه إذاً، زاوية نظر مختلفة نحو الأشياء، لا تكرار المنظر نفسه بعبارات معادة، كما يحدث في كتابة موضوع إنشاء مدرسي سقيم بإكراهات بلاغية مضجرة.

المحنة ألّا تكون قرأت أو سمعت بمارسيل بروست إطلاقاً. ذلك أنّ الموجة الكاسحة في كتابة الرواية اليوم أفرزت جيلاً بشعارٍ موحّد هو "اكتب مباشرةً" ولا تنظر بغضب إلى الخلف، وذلك من باب "عشتُ لأروي"(ليس بالضرورة أن تكون قد قرأت غابرييل غارسيا ماركيز)، فما تملكه من حكايات شخصية، كما يتهيّأ لك، يغنيك عن قراءة الآخرين، متسلّحاً بيقين الفوضى العمومية في اقتناص لقب روائي.

يكفي أن تتسلّل إلى شبكة الإنترنت وتقرأ "اقتباسات وأقوال المشاهير" فتصطاد على عجل عبارة من فرانز كافكا، وأخرى من فريديريك نيتشه، وثالثة من جلال الدين الرومي، وترصّعها على صفحتك في "فيسبوك" حتى تنتسب إلى نادي الكتّاب بجدارة.

على الأرجح فإنّ الموجة الكاسحة في كتابة الرواية أتت من خطأ فادح في تفسير معنى السرد وخطورته، فالمسألة لا تتعلّق بامتلاك حكاية ما بقدر ما تعني إعادة تركيب حيوات أشخاص وأمكنة ووقائع على نحو مغاير. فإخلاصك للحكاية كما حدثت تماماً بحذافيرها، أولى علامات الاحتضار السردي وعطب المخيّلة. الموجة الروائية إياها تذكّر بانتشار موجة مطاعم الشاورما: بقايا لحوم ودهون وتوابل لإخفاء الرائحة الأصلية. دسم كاذب ومضرّ لجهة ارتفاع منسوب الكولسترول في الدم والحبر.

لا أحد يردّد ما قاله ابن أبي الأسلت السلمي يوماً "مهلاً فقد أبلغت أسماعي"، بمعنى توقّف عند هذا الحدّ، فقد سال الدهن من اللحى. الورطة ليست في (سرديات الهواة)، وإنما في اشتغالات المحترفين واهتمام القرّاء، الاشتغالات التي تكمن في اقتفاء أثر بعض الروايات المترجمة سواء لجهة الضخامة أو مسايرة ذائقة سوق النشر.

بغتة يبرز اسم في الخريطة العالمية يجري تداوله إعلامياً، كما لو أنه ماركة "شامبو"، فتتنازعه دور النشر العربية على الفور لتصديره إلى القرّاء بطبعات متتالية ثم يهجم باعة الأرصفة على السلعة بطبعات مقرصنة. بدأت الموجة بترجمة أعمال باولو كويلو (أشبّهه بصيدلي أعشاب يقوم بتسويق خلطات روحانية تشفي من أمراض الوحدة والكآبة وعسر الهضم)، ثم أتت عاصفة أليف شافاق بروايتها "قواعد العشق الاربعون" التي ورّطت ملايين القرّاء العرب باقتنائها على أمل ممارسة تمارين العشق من دون معلّم، قبل أن يكتشف القارئ أنّ هذه القواعد تخصّ العشق الإلهي لا الدنيوي. دان براون صاحب "شيفرة دافنشي" له حصته المعتبرة من القرّاء، والأمر نفسه بالنسبة لغيوم ميسو.

في مواقع التواصل الاجتماعي سنقع على مذبحة من نوع آخر. يسأل قارئ مستجد وغشيم: بماذا تنصحونني أن أقرأ أولاً؟ ستهطل فوق دماغه عناوين وأسماء من الشوارع الخلفية للكتابة، فيما تُنبذ روايات مهمة جمالياً ومعمارياً لأنها خارج دائرة التداول الإعلامي والنقدي.

لاحقاً سيكتفي القرّاء والنقّاد وربّات المنازل بالروايات التي حصلت على جوائز ليختصر الموسم على حفنة عناوين وحسب. هكذا ستُشطب أسماء معظم الروائيين من القائمة طالما أنهم لم يحصدوا جائزة ما، وتالياً عدم اعتراف النقّاد بهم، إضافة إلى عشوائية موقع "جودريدز" للقرّاء البلهاء، وباعة كتب الأرصفة.

يتسلّح هواة الروائيين بحكايات جاهزة بما يتوافق مع متطلبات الجوائز بحسب ظنهم، على أن ينتهوا من ورديات العمل قبل أن يفوتهم قطار الترشّح لهذه الجائزة أو تلك، فأنت لن تحصل على لقب روائي، من دون أن ترصّع صدرك بجائزة، على غرار الأوسمة العسكرية التي تزيّن صدور الجنرالات الذين لم يخوضوا حرباً رابحة يوماً!

هؤلاء وسواهم أسماهم الناقد عبد الله إبراهيم في كتابه "أعراف الكتابة السردية":(غُشماء السرد) لافتاً إلى ضرورة الكتابة والمحو، فلا أعراف سردية ثابتة "فما إن تستقر نُظم السرد على حال إلا وتنحسر أمام أخرى، يدفع بها السرد كالأمواج الهادرة".

في هذا المقام يستحضر خبرات روائيين عالميين مثل خوسيه ساراماغو، وغابرييل غارسيا ماركيز، وأمبرتو إيكو، وأورهان باموق، وفرانز كافكا، ونجيب محفوظ، في ابتكار طرائق جديدة في السرد، تنهض على الهدم والبناء، وفقاً لأقواس السرد المفتوحة على حقولٍ وأجناس أخرى، فيما لم ينتبه معظم الروائيين العرب إلى "قوة السرد الجبّارة، ولم يأبهوا بصنعته، فكتب أغلبهم أعمالاً مترهّلة، ومفكّكة، غلب عليها الإنشاء السطحي، والوصف الساكن، والحكايات الرتيبة والشخصيات النمطية، والعواطف السيالة، والنهايات المفتعلة"، نظراً إلى غياب الوظيفة التمثيلية للسرد، وأعراف الصنعة الروائية.

كما يحذّر من استنساخ التجارب السردية الكبرى لدى شيوخ الصنعة، ما يؤدّي إلى تخريب تجربة الكتابة نفسها بوصفها ضرباً من الانتحال. والحال، فإنّ غُشماء السرد هم "أولئك الجاهلين بأمور الكتابة السردية من وظيفة، وطريقة، وغاية، وأسلوب، والذين يأتون الكتابة بلا دراية، ولا ذوق، ولا خبرة، ويعارضون الفطنة، ويسفهّون رفعة القول الأدبي، ويحطّون من قيمته، ويطلقون الأحكام الخاطئة، وشريعتهم في كلّ ذلك الجهل، والاختيال، والغطرسة".  

سأتوقّف بإعجاب عند تفسير كلمة سرد في أقدم مرجعياتها العربية "سردَ الجلد إذا ثقبه بالمخرز ثقوباً متتابعة". هكذا يتخذ الجلد هيئة رقعة الكتابة، ويتكفّل المخرز بمهمة القلم أو أحرف "الكيبورد"، بالانتباه المركّز إلى موقع الثقب، فإفلات مكان أحد الثقوب أو نسيانه، ينطوي على ثغرة أكيدة في تتابع السرد.

خلاف ذلك يغرق بعض الروائيين في إهدار الصفحات حول تفصيلٍ ما، إلى أن ننسى الفكرة التي سبقته، وضرورة الفكرة التي تلي هذا التفصيل، ما يضطرنا إلى إعادة القراءة ثانيةً بضجر، فوصف ممرّ في مبنى، من دون أن يعبره أحد، أو أن يفتح شخص ما باب غرفة في هذا الممر اللعين يبدو سرداً نافلاً ومضاداً لمتطلبات الكثافة السردية، واكتناز المعنى، في آنٍ واحد، أو كما يقول بول فاليري "على المرء أن يكون في خفّة الطائر، لا الريشة".

على المقلب الآخر، يهدينا ماريو بارغاس يوسا نصيحة ثمينة مقارناً الروائي بمريض الدودة الوحيدة، وضرورة التعايش الدائم مع هذا الحيوان القابع في الأحشاء، وذلك بالانكباب الحصري على متطلّباته، وإقصاء لما عداها، فاحتراف الأدب يحتاج إلى حماسة من يعتنق ديناً.  

اخترنا لك