برجا: وطن في وطن.. ودبكة رغم الجراح
وما الدبكة، في عمقها، إلا احتفال بالكيان. تلك الحركة الدائرية التي تذكّرنا بأنّ الوجود، في أصله، تكافل، وأنّ الإنسان، حين يضرب الأرض بقدمه مع الآخرين، يكتب أنه لن يسقط وحيداً. إنها إرث الأجداد.
حين نأتي إلى برجا، لا نكون فقط في إقليم الخروب، إنما نكون في إقليم المحبة والنخوة والأريحية وكرم المشاعر والأحاسيس. اسمحوا لي أن أشكر "نادي برجا الثقافي الاجتماعي"، و"فرقة برجا للفنون الشعبية، والدكتور خضر ترو لدعوتهم لي للمشاركة في ليالي برجا المضاءة بالحب والخير والجمال.
أقف بينكم اليوم، لأشهد لفرقة مبدعة كتبت حكايتها بعزيمة لا تكلّ، وإرادة لا تلين، وشغف لا يضاهى، فتألّقت على مسرح صار فيه الجسد قصيدة، وتشابك الأيدي دليلاً، والدبكة مرآة لوطن لا يموت.
كما تعلمون، أنا ابن الجنوب، ابن تلك القرى التي وجدت في برجا حضناً، وفي بيوتها دفئاً، وفي أبنائها أهلاً، وفي ربوعها برداً وسلاماً حين احترقت الدنيا بنار العدوان الإسرائيلي. فكانت برجا وطناً في وطن، وعائلة تتسع للجميع، تواسي المحزونين وتفرح مع الفرحين.
وهذا بالضبط ما فعلته فرقة برجا حين زرعت البهجة والفرحة في قلب كلّ من شاهدها، وذلك رغم هول العدوان وكثرة المآسي التي أصابت وطننا الحبيب لبنان. فكان هذا الفوز إعلاناً أنّ بلدنا لا يرقص على جراحه، بل يرقص رغم جراحه، وأنّ الدبكة، تلك اللغة العتيقة التي تجمع بلاد الشام من حلب إلى عكا، تجد في برجا أحد أعمق منابعها.
تابعت عروضكم في ليالي التنافس، ووقفت معجباً أمام تلك الاحترافية التي تحوّل الخطوة إلى هندسة، والقفزة إلى رسم في الهواء. رأيت الجسد يتلاشى ليصير إيقاعاً خالصاً، والرشاقة تمتزج بالقوة فلا نعرف أيهما أسبق. كلّ حركة كانت تحمل زمنها المحسوب، وكلّ استدارة كانت تقيم عالمًا من التناسق، حتى صار المسرح قاعة رقص لا يسكنها إلا الملكوت.
كذلك لفتتني تلك الذائقة الموسيقية التي لم تكن اختياراً عبثياً، بل قراءة عميقة في الذاكرة الجماعية. كأنّ الموسيقى، بمقاماتها، كانت تترجم برجا نفسها: تمسّكاً بالأصالة، وجرأة على المعاصرة.
ولن أنسى تلك الروح الجماعية التي جعلت منكم جسداً واحداً، يتنفّس بلغة واحدة. نظراتكم المتبادلة على المسرح كانت أبعد من تنسيق، كانت حواراً صامتاً بين أرواح تعرف بعضها، وثقة تامة بأنّ الآخر سيكون هناك حيثما يجب.
هذا لا يأتي إلا بالتدريب، وبشغف يتنفّس المنافسة، لا شغفاً بالكأس، بل شغفاً بإثبات أنّ الدبكة، بما تحمله من تنوّع وغنى، قادرة أن تجعل القلب يبكي فرحاً، والحجر ينبض حياة.
وليت ساستنا ومسؤولينا يتعلّمون من الدبكة درساً لا مثيل له، أنّ تشابك الأيدي وتجاور الأكتاف هما السبيل الأكيد للنجاة والنجاح. فما من جماعة أو شعب يعرف درب الخلاص ما لم تتشابك أيدي أبنائه وتتعانق أرواحهم، كما فعلت فرقة برجا في لياليها المضاءة رغم انقطاع الكهرباء.
وما الدبكة، في عمقها، إلا احتفال بالكيان. تلك الحركة الدائرية التي تذكّرنا بأنّ الوجود، في أصله، تكافل، وأنّ الإنسان، حين يضرب الأرض بقدمه مع الآخرين، يكتب أنه لن يسقط وحيداً. إنها إرث الأجداد، لكنها في لبنان تأخذ نكهة لا تشبه أيّ نكهة: طعم الفرح رغم الجرح، وطعم الجمال رغم بشاعة الحروب والأزمات.
وإننا إذ نحتفي بــ "فرقة برجا للفنون الشعبية"، فإننا لا نحتفي بعرض فني عابر، بل نحتفي بالثقافة والأدب والفن، لأننا نعدّها جزءاً عضوياً من تكوين لبنان، وشكلاً من أشكال مقاومته، وسراً من أسرار صموده واستمراره كياناً رغم كلّ الأزمات التي عصفت به والمؤامرات التي حيكت ضدّه.
كما أننا نعدّ الحفاظ على الفولكلور الجامع حفاظاً على الهوية الوطنية الموحّدة، لأنه يجمع ولا يفرّق، ويصل الماضي بالحاضر، ويصنع من التنوّع قوةً، ومن الذاكرة درعاً، ومن الجرح فرحاً، ومن الفنّ مقاومةً.
***
(*) أُلقِيَت في مهرجان ليالي برجا (إقليم الخروب) تكريماً لـ "فرقة برجا للفنون الشعبية" التي احتلت المركز الأول في الدبكة على مستوى لبنان.

