بحثاً عن خلوة: أسئلة في زمن إحصاء الأنفاس

الجسد الذي كان آخر حصون الفرد، آخر ما لا يمكن انتزاعه، صار ملفاً مفتوحاً في خوادم لا نعرف مكانها. والحديث عن "الحياة الداخلية" يبقى ناقصاً إن لم نرَ أن ما يُستهدف هو الحياة نفسها في تجسدها البيولوجي. 

  • هل نريد فعلاً أن نكون أحراراً، أم أننا تعلمنا أن نُحب قفصنا لأنه يحمينا من فراغ لا نعرف كيف نملؤه؟
    هل نريد فعلاً أن نكون أحراراً، أم أننا تعلمنا أن نُحب قفصنا لأنه يحمينا من فراغ لا نعرف كيف نملؤه؟

لم تكن الخلوة يوماً ملكاً للجميع. قبل أن نتحدث عن فقدانها أو "اغتيالها"، يجدر بنا أن نسأل: من كان يملكها أصلاً؟ الفلاحة في الحقل، والعامل في المصنع، والمرأة في بيت مزدحم، والعبد في مزرعة؟ 

هؤلاء لم يعرفوا ذلك الفضاء الذي نتحدث عنه اليوم بحنين. "الذات الداخلية" كما نتصورها الآن، بتشعباتها وأسرارها وهوامش حريتها، ليست معطى إنسانياً أزلياً، بل اختراع تأخر، تشكل مع مونتاني وروسو والرومانسيين، وترسخ مع انتشار الغرف المنفردة والمرايا والأبواب الموصدة في القرن الــ 19. 

الخلوة التي ندافع عنها اليوم كانت امتيازاً، لا حقاً. والسؤال إذاً ليس: كيف نستعيدها؟ إنما: هل كانت تستحق الاستعادة؟ وأي شكل جديد من الحميمية نريد أن نبنيه؟ 

نحن لا نُسرَق. هذا أول ما يجب قوله. الصورة التي تصورنا ضحايا نائمين تُسرق بياناتهم بينما هم غافلون صورة مريحة، لأنها تُعفيِنا من المسؤولية. الحقيقة أشد إحراجاً: نحن نقدم أنفسنا طوعاً. هناك رغبة إنسانية عميقة في أن يُشهَد علينا، في أن يُعترَف بوجودنا، في أن يرى أحد ما نراه ونشعر به. الشاشة ليست قيداً فقط، بل نافذة نطل منها على العالم راجين أن يطل علينا. الرقمنة لم تخلق هذه الرغبة، ما فعلته أنها استثمرتها بذكاء لم يسبق له مثيل. والسؤال الذي يتجنبه النقد السائد: هل نخاف من المراقبة، أم نخاف من الخلوة أكثر؟ لأن الخلوة ليست دائماً حرية. أحياناً تكون وحدة، وقلقاً، ومواجهة مع فراغ لا نحتمله. 

ربما نلوذ بالشاشة هرباً من أنفسنا، لا ضحية لها فقط. النظام الرقمي لم يهزمنا، لقد وجدنا فيه ملاذاً من شيء أصعب: أن نكون وحدنا مع أنفسنا بلا شاهد. 

وحين نقول "بيانات"، نتوهم أننا نتحدث عن أفكار. لكن ما يُجمَع اليوم لا يقتصر على الوعي فقط. ما يُجمَع هو جسدٌ حي: عدد الخطوات، ساعات النوم، نبضات القلب، تقلص حدقة العين أمام إعلان، درجة حرارة الجلد، الموقع الجغرافي في كل لحظة، نبرة الصوت، اهتزاز اليد على الشاشة. هذا ليس استيلاء على الخصوصية بمعناها القانوني، إنه استيلاء على الكائن الحي بوصفه مادة قابلة للقياس. نحن لم نُسلم أفكارنا فقط، لقد سلمنا أعصابنا أيضاً. 

الجسد الذي كان آخر حصون الفرد، آخر ما لا يمكن انتزاعه، صار ملفاً مفتوحاً في خوادم لا نعرف مكانها. والحديث عن "الحياة الداخلية" يبقى ناقصاً إن لم نرَ أن ما يُستهدف هو الحياة نفسها في تجسدها البيولوجي. 

لكن الآلة لا تعمل وحدها. تحتاج إلى حاضنة تحميها، وإلى نظام يشرعن امتدادها. وهنا لا يكفي الحديث عن "الصناديق السوداء" بوصفها مشكلة تقنية. المشكلة الكبرى تكمن في عدم معرفتنا بكيفية عمل الخوارزمية، المشكلة الأكبر أننا لا نملك سلطة تغييرها. لو فُتحت كل الأكواد أمامنا غداً، لو عرفنا بالضبط كيف يقرر إكس (تويتر سابقاً) ما نراه، وكيف يحدد البنك من يستحق القرض، هل سيتغير شيء؟ 

لن نستطيع تعديل سطر واحد. الشفافية التي نطالب بها قد تجعل خضوعنا أكثر كفاءة، لا أقل. الفرق جوهري بين أن تعرف كيف تُستغَل، وأن تستطيع منع الاستغلال. الأول شفافية، والثاني مساءلة. والمقالات التي تتوقف عند المطالبة بالشفافية تبقى في حدود ما يسمح به النظام نفسه: أن نرى، من دون أن نمس. القاعة الزجاجية تبقى سجناً إن لم نملك مفتاحها. 

وهنا يظهر السؤال الذي يتجنبه معظم النقد: الملكية. من يملك البنية التي تمر عبرها حياتنا؟ من يملك البيانات التي تفرزها أجسادنا بلا توقف؟ من يملك الخوارزميات التي تقرر من يحصل على فرصة ومن يُستبعد؟ حين نتحدث عن "الوعي" و"المقاومة" بلا أن نمس هذه الأسئلة، نبقى في دائرة أخلاقية تريح الضمير ولا تغير شيئاً. 

ملايين الناس يعرفون أن التطبيقات تبيع بياناتهم، ومع ذلك يواصلون، لا جهلاً، لكن لأن المشكلة بنيوية. لا بديل جاهز. لو حذفوا حساباتهم، لفقدوا شبكة علاقاتهم، ومصدر رزقهم أحياناً، وحضورهم الاجتماعي. الحرية الفردية داخل نظام غير حر هي وهم. والمقاومة الحقيقية تبدأ حين نتوقف عن سؤال "كيف نحمي أنفسنا؟" ونسأل بدلاً منه: "لماذا لا نملك ما ننتجه؟" هذا سؤال عن السلطة، لا عن التقنية. والهروب منه إلى لغة "الوعي" و"الصحوة" هو بالضبط ما يريده النظام: أن نبقى في دائرة الأخلاق، بعيداً من دائرة السلطة.

لكن هذا السؤال عن الملكية يواجه عقبة نفسية لا سياسية. هل نريد فعلاً أن نملك؟ الملكية تعني مسؤولية، وقراراً، ومواجهة مع احتمالات الفشل. ربما نفضل أن يملك غيرنا، مقابل أن يريحنا من عبء الاختيار. 

النظام الرقمي لا يستعبدنا فقط، إنه يخفف عنا ثقل الحرية. ولهذا لا يكفي أن نطالب بالملكية، علينا أن نطالب بها مع الاعتراف بأنها متعبة، وأنها تستلزم يقظة دائمة لا نعرف إن كنا نطيقها. 

الخلوة التي نفتقدها لم تكن فردوساً مفقوداً، إنها شكل تاريخي محدد لتنظيم العلاقة بين الذات والعالم. وقد انهار هذا الشكل، لأن شروطاً جديدة للوجود - تقنية واقتصادية واجتماعية - جعلته غير قابل للاستمرار. والحنين إليه لا يعيده، بل يُشلنا.

السؤال الحقيقي اليوم: أي شكل جديد من الحميمية، وأي علاقة جديدة بين الفرد وجسده وبياناته، وأي بنية جديدة للملكية والسلطة، يمكن أن نبنيها؟ 

هذا سؤال أصعب بكثير من "الوعي". إنه سؤال عن المؤسسات، والقوانين، والأشكال الجماعية للتنظيم، والصراع على السلطة. وهو سؤال لا يُحل بغير "السياسة" التي يهرب منها معظمنا. 

قد لا يكون هذا المقال مريحاً. ربما يخيب من يبحث عن عزاء في زمن قاس. لكن الكائن الذي تحصى أنفاسه، ويُقاس قلقه، ويُتاجر بمزاجه، لن ينقذه أن يدرك أنه مسروق. سينقذه أن يبني مع غيره عالماً يستطيع فيه أن يكون، أخيراً، غير مراقب. أو أن يكون مراقباً بشروط يختارها هو.

أكتب ما أكتبه، وأنا لا أملك الخلوة التي أبحث عنها. أكتب على شاشة تعرف عني أكثر مما أعرف عن نفسي، وأتوقف بين الجمل لأتفقد هاتفي بلا سبب. لست خارج النص الذي أكتبه لأنني أحد أولئك الذين يُحصى نَفَسهم الآن، بينما تصل هذه الكلمات إلى قارئ آخر يُحصى نَفَسه هو أيضاً. ربما لا يوجد بحث بريء عن خلوة. ربما البحث نفسه هو آخر ما تبقى منها: أن نعرف أننا نبحث، وأن نرفض أن ننسى أننا نبحث.

لكن قبل أن نبدأ، يبقى سؤال واحد معلقاً في الهواء، لا أملك الإجابة عنه: هل نريد فعلاً أن نكون أحراراً، أم أننا تعلمنا أن نُحب قفصنا لأنه يحمينا من فراغ لا نعرف كيف نملؤه؟

اخترنا لك