انتبهوا.. الفيل الهائج على بعد خطوات من هنا!

ما يفعله ترامب في العمق هو إعادة الاعتبار إلى الاستعمار القديم بدفتر شروط جديد يتمثّل بمقولة "ادفع تسلم"، وإلّا ستخضع لعملية جراحية خاطفة تطيح الاستقرار الهش للجسد المريض.

  • (بروس ماكينون)
    (بروس ماكينون)

هذه المرّة، لم يكتف الفيل الهائج باقتحام متحف الخزف والعبث بمقتنياته! تسلل ليلاً إلى غرفة نوم رئيس بلد آخر، واقتاده بالبيجاما لمحاكمته فوق أرضٍ أخرى غير بلاده، كما لو أنه ارتكب مخالفة مرورية كسائق شاحنة سابق لا رئيس دولة، وإذا بالفيل يتفوّق على الخيال الهوليوودي بصناعة فيلمه الخاص كفرجة كونية تقطر زيتاً أسود من الحديقة الخلفية للولايات المتحدة. 

لا يحتاج دونالد ترامب إلى موسيقى تصويرية ومؤثرات بصرية لإقناع مجتمع الفرجة بصواب ما يفعل، فهو لا يكترث بسخط العالم لانشغاله بإيرادات شبّاك التذاكر ونجاح الصفقة. 

شريط مؤلف من 5 دقائق لرجل مقيّد ومنكّس الرأس، يكفي لزجر الآخرين على مدار الكوكب عن الاحتجاج على عمق المهانة والذّل، فالرئيس الــ 47 للولايات المتحدة تفوّق على أسلافه كقاطع طريق محترف، وهو يلتهم فطيرة الكرة الأرضية، كما لو أنها ميراث عائلي، غير عابئ بالتوابل المعروفة لقلق الأمم المتحدة وأرشيف القوانين الدولية وثبات الخرائط. 

لا حصة في دروس الجغرافيا في منهاج ترامب، طالما أنه يعمل بدأب على توطين الشعبوية وغطرسة القوة، فلا دول وطنية في ذهنه، إنما دول الشركات ومصانع الأسلحة ومظلة العصا الغليظة، فهذا النوع من الدول يحتاج إلى خبير بورصة أكثر من حاجته إلى قضاة. 

كان أمين معلوف قد حذّر من "اختلال العالم" وتهافت الحضارة بسبب غياب البوصلة، وقبل ذلك اختلال الأخلاق والمناخ والفكر. كأن ترامب قرأ هذا الكتاب بالمقلوب، فسعى إلى نسف كل محاولة لإعادة التوازن للعالم، من ارتفاع نسبة الفقر في الاقتصاديات الهشّة إلى ارتفاع حرارة الأرض، وانقراض معظم أنواع الحيوانات والنباتات، فما يعنيه في حملاته الهوجاء "إعادة توجيه الموارد"، و"أميركا أولاً"، والرسوم الجمركية. 

كان خطف الرئيس الفنزويلي، نيكولاس مادورو، بروفة أولى لمسرحيات لاحقة سيخرجها ترامب فوق الخشبة المهتزّة للعالم بالعصا الغليظة نفسها، العصا التي يهش بها على عالم الألفية الثالثة بكل انهياراته وحطامه وفزعه من جنون هذا القرصان العابر للبحار والمحيطات والقارات، متجاوزاً كل شرائع الامبراطوريات القديمة. 

هكذا عزل غزة عن محيطها بجرة قلم وأعلن نفسه رئيساً فوق جثث الضحايا وحطام البيوت، وحق العودة، وأهدى الجولان لــ "إسرائيل" كمكافأة مجزية لحسن الخدمة، ووضعَ نقاطاً فوق خرائط جزيرة غرينلاند، وكولومبيا، والبرازيل وكندا وقناة بنما كغرف نوم مؤجلة. 

سيفهم مصطلح "انهيار الحضارة" على أنه ضرورة استراتيجية لصناعة حضارة التوحش والسيطرة على موارد العالم بأقل كلفة ممكنة. فما هو مهم في هذا المقام إنجاز الصفقة، وليس تحقيق القانون أو العدالة أو القيم. لكن مهلاً، هل المسألة تتعلق بشخص ترامب وحده؟ 

عملياً، لا أحد يفرض شروطه منفرداً، من دون ورشة تعاضده، وخبراء استراتيجيين، وغرف عمليات، وشركات أسلحة متطورة، ووسائل إعلام كبرى تتحكم فيها المصالح الرأسمالية، ونظام أوليغاريشي جشع. هؤلاء جميعاً عملوا على تدمير الكوكب بيئياً وسياسياً وعسكرياً. 

يعيد هيرفي كيمف في كتابيه "كفى للطغمة"، و"الخروج من الرأسمالية" نقطة الانعطاف الحاسمة في هذه التحولات إلى ثمانينيات القرن العشرين حيث جرى تسليع كل شيء "من الطبيعة إلى العلاقات الإنسانية"، وأنّ إنقاذ الكوكب لن يتحقق داخل إطار الرأسمالية نفسها، لأنها أصبحت بنية مريضة تنتج الاختناق البيئي واللامساواة والاغتراب بشكل متلازم. 

هكذا تحوّل السوق أو البازار العالمي وفقاً للأجندة الترامبية إلى معيار للحكم على القيمة الإنسانية، ما انعكس على ممارسات الفرد تحت ضغط الجحيم الاستهلاكي والهشاشة الداخلية التي تنطوي على قابلية للخضوع لمنطق السوق. 

هكذا داس الفيل بأقدامه الثقيلة فوق خزف الوطنية بأقصى حالات الفوضى، وذلك بتحويل الفرد إلى "كائن قَلِقٍ ومُستهلِك" قبل كل شيء، وتالياً العمل على تمجيد الدولة/الشركة التي تبيض ذهباً، بصرف النظر عن موقعها الجغرافي. 

ما يفعله ترامب في العمق هو إعادة الاعتبار إلى الاستعمار القديم بدفتر شروط جديد يتمثّل بمقولة "ادفع تسلم"، وإلّا ستخضع لعملية جراحية خاطفة تطيح الاستقرار الهش للجسد المريض. 

وسط هذه التصدعات التي أصابت الكوكب لا أحد يمتلك وصفة سحرية لإنقاذ العالم من الفوضى والهلاك والمهانة، وسفاهة الأقوياء، فنحن مشغولون بضخ الدماء في شرايين الطوائف والقبائل والهويات الصغرى كنوع من السياحة المحليّة. 

انتبهوا، فالفيل الهائج على بعد خطوات من هنا!

في السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 أعلنت كتائب القسام معركة "طوفان الأقصى"، فاقتحمت المستوطنات الإسرائيلية في غلاف غزة، وأسرت جنوداً ومستوطنين إسرائيليين. قامت "إسرائيل" بعدها بحملة انتقام وحشية ضد القطاع، في عدوانٍ قتل وأصاب عشرات الآلاف من الفلسطينيين.

اخترنا لك