المقاومة داخل الثقافة الخشنة

تعد رواية "ليس في رصيف الأزهار من يجيب" واحدة من أعماله التي غزا بها قلاع المستعمر باللغة الفرنسية الشاعرية، التّي فتحت بدورها أمامه إمكانية الوصول إلى معنى يدين الاستعمار في وجدان الشعوب قبل الصحف.

  • المقاومة داخل الثقافة الخشنة
    المقاومة داخل الثقافة الخشنة

الوطني لا يصنع الوطن، لكن الوطن يتيح الوطنية للوطنيين"

تنتج الحروب الكثير من الوطنيين، بالمقابل تنتج أيضاً عدداً معتبراً من الخونة، ثم يصبح الصراع الأهم لا بين المستعمِر والمستعمَر فحسب، بل بين المستعمَر والمستعمَر، حيث يتضاعف الغضب ويتضاعف الشعور بالهوية التّي تم استعمارها ومن ثمّ تمّ استخدامها، إن مقدرة الإنسان المستعمَر على النجاة من الاستعمار ومن الرواية الاستعمارية هي الطريقة الوحيدة التّي تنقذ النضال وتحافظ عليه كقيمة جليلة تبعد عنه كلّ أوساخ المصالح، وتنقذ أيضاً الإنسان من فقدان قيم المقاومة والشعور بأنّه مضطر دائماً لإيقاف نضاله فقط ليبرر للآخرين أنّه الضحية، فالمجتمعات المستعمرة تحتاج دائماً لمن يشرح عنها حدود تلك الألغام التي ما إن تقف أقدامهم عليها حتى تنفجر وتفجر جسدهم الضعيف البائس، متحولين بعدها إلى شتات يصعب جمعه، لقد تفرق لحم ثقافتهم والآن يسهل جداً اختراقهم، وشكلت أعمال مالك حداد نوعاً من ذلك الفهم الجدلي بين الضفتين "الجزائر وفرنسا"، لقد منع بنوع من الشاعرية حدوث معادلة مشؤومة يخسر على إثرها الجزائري كونه جزائرياً، كما منع الفرنسي تصديق أنّه ثمة جزائري يمكنه أن يتحول إلى فرنسي، وتعد رواية "ليس في رصيف الأزهار من يجيب" واحدة من أعماله التي غزا بها قلاع المستعمر باللغة الفرنسية الشاعرية، التّي فتحت بدورها أمامه إمكانية الوصول إلى معنى يدين الاستعمار في وجدان الشعوب قبل الصحف، إذ استطاع أسلوبه الانسياب مثل الماء ليدخل شقوق الفهم ويأخذ أشكال المقاومة التّي تتموضع داخلها، فقام بتوظيفه لما يحمله من أهمية تعكس ضرورة التأمل في الوجود أكثر من تأمله بشخصياته وحواراتهم، لأجل شيء واحد ألا وهو "مقاومة الثقافة الاستعمارية" وإنقاذ الشعوب المضطهدة من وهج كاذب يسرق منهم كيانهم كشعوب حرّة.

فهل يخسر الإنسان المستعمَر نفسهُ أولاً فيخسر بعدها أرضه، أم أنه يخسر أرضه مما يضطره لخسارة نفسه؟ من الذّي يسهل الأمر على الآخر الذات أم الأرض؟ أم كلاهما يجهضان عنف الاستعمار؟

تعد رواية "ليس في رصيف الأزهار من يجيب" آخر ما كتبه الكاتب مالك حداد، وفي هذه الرواية ربط نفسه للأبد بهاجسها، فالشاعر والكاتب والروائي الجزائري يشترك في هذه الرواية مع البطل"خالد بن طوبال" في كثير من السِّمات أهمها الإطار الزماني والمكاني لكليهما، إذ تحتل الشخصية موقعاً مهماً في بنية روايته، انطلاقاً من مربع الذكريات "قسنطينة" مسقط الرأس، وهواه، ومدفن آلامه وآماله معاً، وقد مارست ضغطها على الشارع "الرصيف الباريسي" الذي لم يعد يجيب! فيها يرتسم جو "قسنطينة" الخريفي منذ البدء، فتضطرم مشاعر الطالب البطل "خالد بن طوبال" بمختلف الأحاسيس، منها أحداث الربيع الدامي برصاص الاستعمار الفرنسي في (8 ماي 1945)، كل ما سنلمسه في هذه الرواية هو ذلك الثراء الذّي استخدم فيها فتعدّد الشخصيات وتماسكها وكثرة الأحداث، وتنوع البيئات والطريقة التحليلية في بناء الشخصيات طاغية على معالم الشخصيّة عند حدّاد، ولا يمكنك الفصل بين مالك وخالد إلا في مرات نادرة،  تلك التي  يلفظ فيها الراوي اسم خالد فيتحرر منا مالك حداد.

تبدأ الرواية بوصول خالد بن طوبال إلى باريس ولا تنتهي بعودته إلى الجزائر بالرغم من أنه ركب عائداً إليها،  بطل منفي داخل مفهوم الوطن، منفي في الجزائر المستعمرة ومنفي في فرنسا الحرة،  فـ "المنفى " هو محور البطولة، أين  يصبح الإنسان لا ينتمي إلى أي وجود، تلك المنطقة الرمادية التّي تبتلعُ المواقف وتخنق الثورات، إنه شكل من أشكال الحياد، أو لعله وجه من وجوه الاستعمار الثقافي، حيث يمكن فيه للمستعمِر أن يحتل بلداناً عن طريق احتلال ثقافتها، وبهذا يسهل عليه تمرير آرائه من دون أن يقوم بشحذ عساكره إليها، فمنفى خالد بن طوبال هو منفى مالك حداد ذاته، قاسٍ وكان يستشعر قسوته، لأن الشخصية المثقفة" شاعر" تعي جيداً معنى الهوية ومعنى الاستلاب ومعنى جريمة افتتان المستعمر بالمستعمر عند لحظات ضعفه الوجودية، خالد أو مالك هما صرختان داخل سيل ثقافي جارف، البطل يدرس في أحد معاهد قسنطينة منهج فلسفة فرنسي عن "برغسون وديكارت ويتنكر للشيخ ابن باديس ولشعراء الجزائر" هؤلاء الذين لا اسم لهم ولا لغة" ص9 ، وها هو الآن يصل باريس بعد كل قصائد المقاومة التّي كتبها ليجد نفسه يطرق باب رصيف الأزهار الذي لا يجيب، إنه يصل إلى المحطة حيث سيمون صديق طفولته يغيب عن استقباله، يصل حيث يبدأ  الفرنسي فيه والذي أقحم في ثقافته بالانكسار كحيرة، وحينما نتساءل متى يتم فعلاً إسقاط دولة، هل بإسقاط مبانيها أم بإسقاط ثقافتها، علينا دائماً العودة إلى الثورة الجزائرية، فكرة النضال هي فكرة نضال الجميع على كل الجبهات، نضال عسكري ونضال سياسي ونضال ثقافي، إذ وجب حماية الشعوب من احتلالهم من الداخل قبل احتلال أراضيهم، لا لأن ذلك سيمنع الزحف نحوهم عسكرياً لكنه سيمنع نجاح تلك السرقة العنيفة لأملاكهم، فاسترداد الأراضي مقدور عليه لكن استرداد الشعوب خسارة لا عودة منها، "خالد بن طوبال" يمثل الحيرة، الحياة الفرنسية التي كان يحض بها والجزائري الثائر الذّي كان يعزز فيه فكرة البندقية، البطل الشاعر الذي انتقل لتوه من الجزائر هارباً من وطن تتأزم أوضاعه ستزداد غربته رفقة صديقه سيمون وزوجته الفرنسيين، البطل في "ليس في رصيف الأزهار من يجيب " كان عليه أن يذهب بعيداً في الفرنسي حتى يعود جزائرياً كاملاً، كان لا بد له من هذه الرحلة في اكتشاف حقيقة الاستعمار الثقافي التي ستبدأ في لحظة انهيار يقينه بأن صديقه سيكون في انتظاره عند وصوله، وبالطبع ستكون الصدمة كفيلة بإعادة صياغة نظرته للأشياء التّي توهم بأنها لا بد منها، حيث لا أحد ينتظر الضيف "خالد بن طوبال" القادم من الحرب، بل إن وصوله إلى بابهم كان مدعاة دهشة وارتباك "إن الإنسان ليخامره شعور باليتم عندما يهبط في مكان ما فلا يجد أحداً في انتظاره " ص5 و6، ولا نعلم الآن هل هو ضيف غير مرغوب فيه؟ أم أنه ضيف طال انتظاره؟ هل هو الجزائر الفرنسية أم الجزائر الجزائرية؟

 لطالما تحدثت الخطابات الاستعمارية عن حياة تنتظر المستعمَرين أفضل من حياتهم التّي يكافحون لأجلها، لكنها لا تعني ذلك إطلاقاً، إنما هي مجرد خطابات تنتمي للخطط العسكرية أكثر مما تنتمي للخطط الإنسانية، فالمستعمَر سيظل شخصاً دنيئاً في أعينهم مهما تعلم ورتب هندامه، إن مظهره الذّي يصنعه الاستعمار ما هو إلا فكرة استعمارية مبنية على عدم الاحترام بل الإرغام، المعاملة الاستعمارية هي الحقيقة لا المظهر الاستعماري وعلى إثرها يتولد الشقاق "هذه الجزائر التي يشتمونها في جميع تصرفاتهم اليومية، سوف تذكرهم بأن الشقاق لا ينشأ أبداً من سوء التفاهم بل ينشأ من عدم الاعتراف وعد الاحترام " ص 37 ، فمونيك زوجة سيمون الفرنسية ستتأثر بأشعار خالد بن طوبال لدرجة وقوعها في حبه، هذا الحب الفرنسي للجزائري يعكس العلاقة غير المنطقية التّي جمعتهما، كلاهما متزوج، فخالد يسير قلبه باتجاه زوجته وريدة هنالك بالجزائر بالرغم من أن أقدامه تسير ها هنا في بيت سيمون وأمام عيني مونيك، بينما مونيك يسير قلبها نحو صدر خالد في حين تذهب أقدامها إلى غرفة سيمون، إن الجمع بينهما مسألة مقززة حتى لو غلفتها الشاعرية، يحاول مالك صناعة مشهد الغرابة هذا المغلف باللطف والإعجاب حتى يقول لنا إنه ثمة مقاومة حتى في الحب إذا ما كان استعمارياً، لا يمكنك أن تستعمر قلباً له صاحبه بينما تبحث عن الحريّة، لقد قاوم خالد جمال مونيك ورقتها ورغبتها في حبه، كما قاوم ثقافة الفرنسي، قاوم رصيف الأزهار الذّي ما إن وطأت قدمه فرنسا حتى أصبح لا يجيب من هناك في الجزائر، فوريدة زوجته تورطت في حب الجندي الفرنسي، لقد تم استعمارها، هذا ما نشعر به، ورفضاً لهذا الاستعمار تصرف المجاهدون وقاموا بقتلهما كنوع من مقاومة فكرة الجزائر الفرنسية.

فما الذي يبحث عنه مالك حداد في تتبعه لخالد بن طوبال؟ هل الحرية فعلاً أم فهم هشاشتها؟ 

ذات يوم، التقى الكاتب الراحل عبد الله الركيبي بمالك حداد أمام مبنى اتحاد الكتّاب الجزائريين، قبل وفاة مالك حداد بمدة قصيرة، بعد أن شاهد طفلاً صغيراً يرافقه، ينطق اللغة العربية بفصاحة، سأله الركيبي من يكون؟ أجاب مالك حداد: "هذا انتقامي من اللغة الفرنسية: إنه ولدي"، حدث هذا بعد أن توقف عن الكتابة  كليّة لأنه لا يجيد الكتابة إلا باللغة الفرنسية، إنّه يشبه خالد بن طوبال في روايته، مقاومة كل الإرث الاستعماري حتى لا تضيع منه خريطة هويته، وإذا مثلت مونيك رمزاً للشعب الفرنسي ووريدة رمزاً للشعب الجزائري فكلتاهما خائنتان لا تحملان وضوح الشعبين بل تتجاوزانه، فالعربي أقلّ من أن تحبه فرنسية والفرنسي عار أن تحبه عربية، وبين هاتين، مونيك ووريدة بنى مالك حداد عبثية الحياة وهشاشة المبادئ خاصة ما يتعلق بالمبادئ الوطنية والحرية وبالتساؤل المفروض عن بقايا الإنسانية في المقاوم بعد أن تحاصر البطل  كل الأشياء التّي تبعث فيه السأم مثل السياسة، إنه جزائري لأنه عرف نفسه جزائرياً "كان جزائرياً لأن اثنين واثنين يساويان أربعة، وأنه ليس هنالك مع ذلك ما يثبت حقيقة هذه العملية" ص 35 ، رواية تشبه الحداد الأخير قبل الدخول في صمته الأبديّ تجسيداً للمقاطعة الكاملة مع الحداثة وركبها متمثلة في نهايتها حين يقوم خالد بن طوبال برمي نفسه من عربة القطار "ذاهباً إلى لغز قديم ليطلب منه الحساب" ص 161، لم يبحث الكاتب عن الحرية بقدر ما كان يبحث عن انهيار الإنسان داخل المعادلات الخشنة، الأمان المزيف والهدوء الباعث على الراحة مريب،  فخالد مثل مالك حداد الذي قال يوماً: عندما أكون مسروراً  فإنني لا أفكر.

اخترنا لك