المحكمة الجنائية الدولية والتصدي لجيوش الظل

تم تأسيس شركاتٍ كبرى عابرة للقارات تقدم خدماتها حسب الطلب، من السيطرة على آبار النفط بذريعة حراستها، كما تم تسريح ما يقارب 60% من أفراد الجيش الأميركي ووضع منظومة عسكرية تديرهم وتنشرهم في كل القارات.

  • المحكمة الجنائية الدولية والتصدي لجيوش الظل
    المحكمة الجنائية الدولية والتصدي لجيوش الظل

"المحكمة الجنائية الدولية والتصدي لجيوش الظل"؛ كتابٌ هو الاسم الرمزي لجيوش الظل أو قوات المرتزقة وأنشطتهم في بؤر الصراع القائمة أو المفتعلة في العالم. وتبيّن المؤلفة نهلة العريمي دور المرتزقة منذ ما قبل الميلاد إلى حاضرنا؛ حيث أسهمت عوامل عديدة في ظهورهم منها اقتصادي، والآخر سياسي. وتبقى العوامل الباطنة رهن الزمن والحاجة، حتى أصبحت المرتزقة جزءاً من صناعة الموت التي تديرها شركات أمنية عسكرية تملكها دولٌ نافذة، لا يمكن أن تُمس إذ طالما كانت هي المشرّع الذي يسن القوانين ويمررها أو يتحفظ عليها. وتبيّن من خلال الدراسة أن الارتزاق كمنظومة ظل منفلتاً من أي تنظيم قانوني، والارتزاق ليس جريمة عشوائية، إنما منظومة تتمتع بالحماية في صورتها المُنظّمة، والشركات الأمنية التي تديرها الدول تكسب منها وتحقق بها نفوذاً وامتداداً سياسياً؛ فحشد المقاتلين المُرتزقة وتدويرهم صناعةٌ تدر سنوياً المليارات، وليس من السهل اقتلاعها من قبل دولٍ منفردة.

كتاب «المحكمة الجنائية الدولية والتصدي لجيوش الظل»، للمؤلفة نهلة العريمي، صادرٌ عن دار الفارابي (بيروت - لبنان) عام 2026.

جيوش الظل وإسقاط الدول

تهدف المؤلفة من الكتاب إلى رصد دور المحكمة الجنائية الدولية في التصدي لإسقاط الدول بواسطة (العصابات المسلحة) والآليات المتاحة لها، التي تتمحور حول إسقاط منظومة الدول بواسطة جيوش الظل (المرتزقة)، والدور المنوط بالمحكمة الجنائية الدولية؛ حيث ستتتبع الدراسة المسؤولية الجنائية في التصدي للمرتزقة، والتي في مُحصلتها ستؤدي إلى المثول أمام المحكمة الجنائية الدولية؛ لكي لا يفلت الجناة من العقوبة الأُممية في حال نجاتهم من المساءلة الجنائية في الدول التي امتهنوا فيها القتل مقابل المال – المال والسلطة معاً – وغالباً ما ينجو هؤلاء لينتقلوا إلى مكانٍ آخر بسبب انفلات المنظومة القانونية والقضائية للدول المُجتاحة. وهذه الحالة توصف بكونها من "جرائم العدوان" حسب النظام الأساسي للمحكمة، إلا أن هذه الجيوش تعمل في ظلال الجيوش النظامية الأصلية؛ حيث توجد شركات تديرها وتدورها في بؤر الصراع. جيشٌ لا هوية موحدة له، ويتبع العديد من الدول، وقد لا تعلم بهم دولهم الأصلية التي أتوا منها، أو تتواطأ من ذاتها مقابل مكاسب تكمن في النفوذ والسيطرة على الموارد الطبيعية والتحكم بالمواقع الإستراتيجية للدول المستهدفة من دون أن يكون اسمها ظاهراً. ولا يعود حضور جيوش الظل – المرتزقة – في ساحات القتال المختلفة فقط للقتال الارتزاقي، بل إلى عمق التاريخ؛ حيث ينتقل هؤلاء من معركة إلى أخرى طمعاً بالمال والغنائم، من دون الاكتراث للضحايا.

تعريف المرتزقة:

ترى المؤلفة أن عمل المرتزقة مقيتٌ ومُستهجن، إلا أن التعريف جاء متأخراً وعلى نحوٍ لا يتناسب مع حجم الجرم؛ إذ لم يشكل جريمة قائمة بحد ذاتها، وإنما الارتزاق كأحد أنماط العدوان – يماثل العدوان المباشر من قبل الدول بعضها على بعض بواسطة جيوش الظل. ولم تقم المحكمة الجنائية الدولية بوضع تعريفٍ للمرتزقة، وإنما اكتفت بذاتية الفعل المرتكب إذا ما كان يندرج ضمن اختصاصاتها. وبما أن اختصاصها ملاحقة الضالعين في جريمة العدوان، فقد خلصت إلى أن عملية الارتزاق تعد عدواناً وفق النظام الأساسي للمحكمة الدولية الجنائية التي حددت الجرائم، خاصة أن جيوش الظل – المرتزقة – تُحاط على الأرض بغلالاتٍ متعددة حسب الحاجة إليهم؛ فتارةً بكونهم "القوات العسكرية الخاصة"، أو "قوات الدعم اللوجيستي"، أو "قوات الحماية الخاصة"، أو "قوات التدريب والتأهيل". وفي هذا الكتاب سيتم الاقتراب من جيوش الظل ووجودها في النزاعات المسلحة، وارتباطها بتلك الشركات ذات النشاط العسكري والأمني. ونستنتج من ذلك أن جيوش الظل – المرتزقة – ينشطون في بيئة الصراع والقتال والنزاعات المسلحة التي تتعدد فيها الأطراف الفاعلة والمتفاعلة مع الأحداث، رغبةً منها في تأجيج الصراع وإدارته لمكاسب مباشرة على الأرض.

شركات تدير جيوش المرتزقة

تلاحظ المؤلفة أن ظاهرة الشركات العسكرية والأمنية الخاصة قد طوّرت من مفهوم النزاعات المسلحة في العالم بأسره، وفي منطقة الشرق الأوسط بشكلٍ خاص؛ حيث تباينت الغايات التي من أجلها نشبت تلك الصراعات التي كان وقودها على الدوام الجيش النظامي ومن يتلقى عنه الضربات ويقوم بما يؤمر به دونما وجل، لتبقى الدول بعيدةً عن أي مساءلةٍ أو ملاحقةٍ قانونية، وتبقى صورتها نقيةً على الصعيد الداخلي ومن ثم العالمي، لتأتي الشركات ذات الممارسات العسكرية والأمنية (الدولية منها والخاصة) التي توظف كل من استطاع أن يحمل السلاح ولديه مهارات قتالية؛ وقد وجدت الشركات ضالتها في العسكريين القدامى. وبالتالي استعانت دولٌ عديدة بهذه الشركات ظاهرياً، في حين أن تلك الدول نفسها أنشأت تلك الشركات وأسبغت عليها صفة الشرعية التي ما زال القانون الدولي لم يحسم الجدل حولها: ما إذا كانت مجرد شركات تنقل المرتزقة من حربٍ إلى أخرى، أم أنها شركات تدير موظفين ذوي صبغة عسكرية تلازمهم صفة الارتزاق فقط حين يرتكبون تجاوزات يجرمها القانون الدولي الإنساني ومن ثم المحكمة الجنائية الدولية. وهذا لا يعفي الدول من المسؤولية القانونية عن تلك الشركات الأمنية الخاصة والتي اتخذت من أراضيها موطناً تمارس من خلاله أنشطتها، وبأنه لا مشاركة لها في النزاعات وأنها حيادية تقف على مسافة واحدة من الطرفين؛ فهذه الشركات خلقت العديد من المعضلات سواءً العسكرية الأمنية أو الجيوسياسية لأهداف تحققت وأخرى تركت للمدى البعيد.

ظهرت الشركات الأمنية العسكرية كنتيجةٍ لتخلي العديد من الدول عن مبدأ التجنيد العسكري إبان الصراع ما بين الكتلة الشرقية والكتلة الغربية فيما عُرف اصطلاحاً بالحرب الباردة، كذلك تسريح عدد من الجيوش كالجيش الألماني الشرقي بعد توحيد الشطرين، كما ساهمت فترة انتهاء حقبة الفصل العنصري (Apartheid) في جنوب أفريقيا وحل الجيش ذي البشرة البيضاء الحاصل على تدريبٍ نوعي لكبح كفاح الأفارقة السكان الأصليين، وبالتالي وجد الآلاف من العسكريين أنفسهم بلا عمل، فتم تأسيس شركاتٍ كبرى عابرة للقارات تقدم خدماتها حسب الطلب، من السيطرة على آبار النفط بذريعة حراستها، كما تم تسريح ما يقارب 60% من أفراد الجيش الأميركي ووضع منظومة عسكرية تديرهم وتنشرهم في كل القارات.

فالمرتزقة موجودون في الإبادة الجماعية، وهم الذين يقومون بجرائم ضد الإنسانية، ويقترفون جرائم الحرب، كما أن المرتزقة حراس النفط والألماس لدولٍ نافذة تسلب الشعوب الفقيرة ثرواتها بوضع اليد، وهم حراس معابر تجارة المخدرات، وسماسرة الاتجار بالبشر والسلاح، والوسيلة لترويع المدنيين وإخضاعهم وقمع حركات التحرر من الأنظمة المستبدة، كما أنهم وسيلة تهديدٍ وابتزاز للدولة الحرة والمستقلة التي لا تساير الزمرة الدولية مصادِرةً حقوق الشعوب في تقرير ما تراه مناسباً لها ولأجيالها.

وحاولت الباحثة نهلة العريمي في كتابها "المحكمة الجنائية الدولية والتصدي لجيوش الظل" الإجابة عن التساؤلات التي أظهرتها في بداية الدراسة بأن الارتزاق ليس جريمة عشوائية، وإنما منظومة تتمتع بالحماية في صورتها المنظّمة؛ فالشركات الأمنية التي تديرها الدول تكسب منها اقتصادياً وتحقق بها نفوذاً وامتداداً سياسياً، فحشد المقاتلين المرتزقة وإدارتهم صناعة تدر سنوياً المليارات وليس من السهل اقتلاعها من قبل دولٍ منفردة؛ فهي تتمتع بحماية دولٍ كبرى، ترتكز عليها دولٌ أخرى عديدة لحماية نظامها السياسي، بل إن هناك دولاً صغيرة حجماً وسكاناً كوّنت جيشاً من المرتزقة يحمل شارتها الوطنية وتفرض بهم أجندتها بالقوة على دولٍ أخرى مستندةً إلى الأموال التي تملكها.

اخترنا لك