المتحف: من حفظ الأشياء إلى صناعة المعنى

كيف تحوّل المتحف من مكان لحفظ الأثر إلى فضاء يصنع الذاكرة والمعنى؟ وهل بقي فضاء محايداً للمعرفة والجمال، أم تحوّل إلى أداة أيديولوجية؟

انبثقت فكرة المتحف من الرغبة الإنسانية في مقاومة الفناء، وحماية الأثر من التلاشي، وتحويل الذاكرة إلى مادة مرئية قابلة للاستدعاء والتأويل. فقد جمعت الحضارات القديمة النفائس والتماثيل واللقى المقدسة داخل المعابد والقصور والخزائن الإمبراطورية، حيث ارتبط حفظ الأشياء منذ البدايات بإظهار السلطة وترسيخ الشرعية السياسية والدينية.

وتكشف النصوص الإغريقية أن كلمة "موسيون" (Mouseion) كانت تحيل إلى فضاء مخصص لربّات الفنون والعلوم، أي إلى مكان يجمع المعرفة والتأمل والإبداع. 

ومن هذا الجذر تحديداً، تولدت لاحقاً كلمة "متحف" (Museum) بصيغتها الحديثة. وقد عُرف "موسيون الإسكندرية" (Mouseion of Alexandria) بوصفه أحد أقدم النماذج التي جمعت بين المعرفة والبحث الفلسفي وحفظ المعارف، في ارتباط وثيق بمشروع الدولة البطلمية لبناء مركز كوني للعلم والرمزية الثقافية.

في هذا الأفق الجديد يتحول المتحف من مخزن صامت للآثار إلى فضاء حيّ للحوار والتفكير النقدي. فالأشياء المعروضة لا تعود مجرد بقايا من الماضي، وإنما تغدو موضوعات ثقافية تحمل آثار الرحلات والحروب والطقوس والهجرات والتحولات الاجتماعية.

ويرى بعض الباحثين أن متحف إنيغالدي - نانا كان من أقدم النماذج المعروفة لما يمكن اعتباره متحفاً أثرياً مبكراً، وإن ظلّ هذا الطرح قائماً على الترجيح لا اليقين، تبعاً لتعريفنا نفسه لفكرة المتحف.

وقد أُنشئ قرابة عام 530 قبل الميلاد بإشراف الأميرة إنيغالدي، ابنة الملك نابونيدوس، آخر حكّام الدولة البابلية الحديثة. وكان المتحف قائماً في مدينة أور التاريخية، ضمن حدود محافظة ذي قار في العراق حالياً، بالقرب من زقورة أور الشهيرة.

أما عربياً، فقد اشتقت تسمية "المتحف" من كلمة "تُحفة". ورغم حداثة الاستعمال المؤسسي للكلمة، فإنها ليست تعريباً مباشراً للفظ أجنبي، بل لفظ مولّد من داخل النسق الاشتقاقي العربي. فـ"التُّحفة" في أصل الاستعمال العربي ليست مجرد شيء جميل، وإنما هي الشيء النادر المستطرف الذي يبعث على الإعجاب ويُتداول على سبيل الهدية أو الاقتناء الثمين. ولذلك قالت المعاجم إن التحفة هي "الطُّرفة من الفاكهة"، ثم اتسع معناها ليشمل كل نفيس بديع يُتحف به الإنسان غيره. ومن هذا المعنى جاء الفعل "أتحفَه"، أي أهداه شيئًا لطيفًا نفيسًا يسرّ النفس ويوقظ الدهشة. وعندما احتاجت العربية الحديثة إلى تسمية المؤسسة التي تُجمع فيها النفائس الفنية والأثرية، لم تلجأ إلى تعريب أجنبي مباشر، بل ولّدت من داخل لغتها كلمة "متحف"، أي الموضع الذي تحفظ فيه التحف وتُعرض.

الفضاء الهيتيروتوبي

تبلورت المؤسسة المتحفية بصورتها الحديثة مع القرن الــ 18، وخصوصاً بعد الثورات الأوروبية الكبرى، حين بدأت المجموعات الملكية تتحول إلى ملكية عمومية مرتبطة بفكرة الأمة الحديثة.

ويشكل متحف اللوفر (Musée du Louvre) نموذجاً حاسماً في هذا التحول؛ إذ فتح أبوابه بعد الثورة الفرنسية بوصفه متحفاً وطنياً يضع الكنوز الفنية، رمزياً، تحت سلطة الشعب. 

ولم يكن هذا التحول مجرد إجراء ثقافي، وإنما كان إعادة تنظيم للعلاقة بين الفن والسلطة والجمهور. فالمتحف الحديث ظهر باعتباره مؤسسة تربوية وسياسية تسعى إلى تهذيب الذوق العام وصناعة هوية جماعية مشتركة.

غير أن ميشال فوكو تنبّه إلى أن المؤسسات الحديثة لا تكتفي بإدارة الأشياء، بل تنتج أيضًا أنظمة للرؤية والمعرفة، تحدد ما ينبغي إدراكه وكيفية تأويله. وذلك ضمن ما سمّاه بالفضاءات المغايرة أو "الهيتيروتوبيا"، بوصفها أماكن يمكن أن تجتمع فيها، في وقت واحد، تمثيلات لفضاءات أخرى داخل الثقافة، مع إمكانية عكسها أو مساءلتها أو قلب معانيها. فالمتحف، في هذا التصور، قائم على أرشفة الأزمنة والأشياء والآثار داخل فضاء واحد، وهو يمثّل نوعاً من "التراكم المستمر واللانهائي للزمن في مكان ساكن".

من داخل هذه التحولات صار المتحف يؤدي وظيفة مزدوجة: حفظ التراث من جهة، وإنتاج المعنى من جهة أخرى. فهو يحدد ما يستحق البقاء داخل الذاكرة الجماعية، ويقصي، في المقابل، عناصر أخرى نحو الظل والنسيان.

ومن هنا يمكن القول إن المتحف الحديث ارتبط بولادة حسّ حداثي يقوم على الجمع والتصنيف والترتيب، لكنه تداخل، في سياقات أوروبية عديدة، مع التوسع الاستعماري ومع طرائق استشراقية في تمثيل الشعوب الأخرى.

فقد جرى عرض أغراض وثقافات شعوب كثيرة للفرجة والتصنيف، لا لفهمها دائماً في شروطها التاريخية والروحية والفنية الخاصة. ومن منظور فوكوي، لا يظهر المتحف كفضاء بريء ومحايد، بل كفضاء ينظم العلاقة بين النظر والمعرفة والسلطة. 

وقد طوّر باحثون مثل توني بينيت هذا المنظور لفهم المتحف الحديث بوصفه جزءًا من آليات تنظيم الجمهور والذوق والسلوك. ومن ثمّ، فترتيب القطع، ومسارات المرور، والإضاءة، والبطاقات التفسيرية، جميعها تشارك في صناعة معنى يبدو طبيعياً ومحايداً، رغم أنه ثمرة اختيارات ثقافية وتاريخية دقيقة.

المتحف، في هذا التصور، قائم على أرشفة الأزمنة والأشياء والآثار داخل فضاء واحد، وهو يمثّل نوعاً من التراكم المستمر واللانهائي للزمن في مكان ساكن. ومن هنا لا يظهر المتحف كفضاء بريء ومحايد، بل كفضاء ينظم العلاقة بين النظر والمعرفة والسلطة.

فخلال عصر النهضة الأوروبية تحولت المجموعات الأميرية و"غرف العجائب" إلى فضاءات لتجميع الكائنات النادرة والتحف والأدوات العلمية والخرائط والعينات الطبيعية، كما يبيّن توني بينيت في حديثه عن ميلاد المتاحف. وقد عبّرت تلك الغرف عن ولادة حس جديد تجاه العالم، حسّ يقوم على الاكتشاف والتصنيف والسيطرة المعرفية. 

فالأمير أو العالِم الذي يجمع الأشياء القادمة من البحار البعيدة والمستعمرات الناشئة كان يعيد، بطريقة رمزية، امتلاك العالم داخل غرفة مغلقة. ومن هنا ارتبط ميلاد المتحف الحديث بتطور العلوم الطبيعية، وصعود النزعة التصنيفية، واتساع المشاريع الإمبراطورية الأوروبية منذ القرن الــ 16.

متحف التمييز

ويكشف لنا القرن الــ 19 عن اللحظة التي صار فيها المتحف أداة مركزية في بناء السرديات القومية والاستعمارية. فقد راحت الدول الأوروبية تجمع الآثار والتحف القادمة من أفريقيا وآسيا والأميركيتين، وتعيد عرضها وفق تصنيفات تجعل أوروبا مركز التاريخ العالمي. 

وفي هذا السياق، أوضح إدوارد سعيد أن المعرفة الغربية حول "الآخر" تشكلت داخل منظومات تمثيل تخدم الهيمنة الإمبراطورية، حيث تحولت الشعوب المستعمَرة إلى موضوعات للعرض والتفسير والمراقبة. 

وقد أدت المتاحف الإثنوغرافية دوراً محورياً في هذا المسار، عبر تقديم الثقافات غير الأوروبية باعتبارها نماذج ثابتة تنتمي إلى مراحل "بدائية" من التطور الإنساني.

وفي تاريخ الفن، قُدّمت مجموعة من التحف والأعمال الفنية العربية والإسلامية والأفريقية، القادمة من مناطق خضعت للاستعمار الغربي في القرنين الــ 19 والــ 20، بوصفها معروضات إثنوغرافية أو ثقافية "شرقية"، لا بوصفها دائماً أعمالاً فنية مساوية في القيمة للأعمال المنتمية إلى البراديغم الحداثي الغربي.

ويظهر هذا البعد بوضوح في الطريقة التي عُرضت بها المجموعات الأفريقية داخل متاحف أوروبا خلال القرن الــ 19 وبداية القرن الــ 20. فالقطع التي كانت تؤدي وظائف روحية وطقسية داخل مجتمعاتها الأصلية جرى فصلها عن سياقاتها الحية، وتحويلها إلى "عينات" إثنوغرافية. 

وقد تناولت الباحثة آني كومبز هذه المسألة في كتابها "Reinventing Africa"، موضحة أن العرض المتحفي الاستعماري  صنع صورة متخيلة عن أفريقيا بوصفها فضاءً خاماً خارج التاريخ، في الوقت الذي كانت فيه القوى الأوروبية تعيد تشكيل القارة سياسياً واقتصادياً وعسكرياً.

انبثقت فكرة المتحف من الرغبة الإنسانية في مقاومة الفناء، وحماية الأثر من التلاشي، وتحويل الذاكرة إلى مادة مرئية قابلة للاستدعاء والتأويل. فقد جمعت الحضارات القديمة النفائس والتماثيل واللقى المقدسة داخل المعابد والقصور والخزائن الإمبراطورية، حيث ارتبط حفظ الأشياء منذ البدايات بإظهار السلطة وترسيخ الشرعية السياسية والدينية.

ومن داخل هذه التحولات صار المتحف يؤدي وظيفة مزدوجة: حفظ التراث من جهة، وإنتاج المعنى من جهة أخرى. فهو يحدد ما يستحق البقاء داخل الذاكرة الجماعية، ويقصي، في المقابل، عناصر أخرى نحو الظل والنسيان. 

ولذلك، نظرت مجموعة من الدراسات السوسيولوجية إلى المتحف باعتباره مؤسسة لإعادة إنتاج الذوق والتراتبية الثقافية، حيث تمتلك الطبقات المهيمنة القدرة على تعريف ما يُعدّ فناً راقياً أو تراثاً شرعياً.

ووفق بيار بورديو وآلان داربل، لا تكفي إتاحة المتحف للجميع لكي يصبح فضاءً ديمقراطياً بالفعل، لأن القدرة على فهم الفن وتذوقه ترتبط برأسمال ثقافي واجتماعي غير موزع بالتساوي. ذلك أن زيارة المتحف نفسها ترتبط برأسمال ثقافي يحدد طرق النظر والتذوق والفهم. ومن ثمّ، وبدل أن يسهم هذا الفضاء في توثيق صلة الجمهور بالفن، ويجعل "التحف" في متناول أنظار الجميع، صار في حالات كثيرة ميدانًا للتنافس والتمايز الثقافي.

متحف المعاني

وقد دفعت التحولات الفكرية المعاصرة إلى إعادة مساءلة هذه السلطة الرمزية، وذلك من خلال البحث عن سبل لإعادة الاعتبار للمنسي والمقصي والمهمّش. فالنقاشات المرتبطة بالاسترداد الثقافي، وأخلاقيات الاقتناء، وحقوق الشعوب الأصلية، كشفت أن المتحف يحمل داخله تاريخاً معقداً من العنف الرمزي والاستحواذ الإمبراطوري. 

ولهذا برزت دعوات إلى تحويله من فضاء أحادي الصوت إلى فضاء تعددي يعترف بتعدد الذاكرات وتعارض السرديات. وصارت مؤسسات عديدة تفتح المجال أمام الجماعات الأصلية للمشاركة في كتابة النصوص التفسيرية، وتحديد طرق العرض، والمطالبة باستعادة القطع المنهوبة.

وفق بيار بورديو وآلان داربل، لا تكفي إتاحة المتحف للجميع لكي يصبح فضاءً ديمقراطياً بالفعل، لأن القدرة على فهم الفن وتذوقه ترتبط برأسمال ثقافي واجتماعي غير موزع بالتساوي.

ولم يعد المتحف المعاصر مجرد وعاء داخلي تُحفظ فيه الأشياء، بل صار فضاءً لتنظيم ما يبدو مشتتاً، وترسيخ ما يبدو غير مستقر، وإنتاج علاقة جديدة بين المادة والمعنى. فما يقدمه لا يقتصر على المواد فحسب، وإنما يشمل المعاني أيضاً. وهو ما يجعل هذا الفضاء، في شكله المعاصر، قريباً من العمل الفني، لأنه لا يقوم على قيمة العرض والنظر فقط، وإنما أيضًا على التفاعل والتعاطف والتخاطب، في تداخل بين المعروض والفضاء والعارض والناظر.

وفي هذا الأفق الجديد يتحول المتحف من مخزن صامت للآثار إلى فضاء حيّ للحوار والتفكير النقدي. فالأشياء المعروضة لا تعود مجرد بقايا من الماضي، وإنما تغدو موضوعات ثقافية تحمل آثار الرحلات والحروب والطقوس والهجرات والتحولات الاجتماعية. وتصبح مهمة المتحف المعاصر بناء علاقة أخلاقية مع الذاكرة، علاقة تعترف بتاريخ الاقتناء، وتكشف طبقات المعنى المخفية، وتمنح الزائر قدرة على مساءلة التاريخ بدل استهلاكه بوصفه حقيقة جاهزة.

اخترنا لك