"القهوة سيدة المشروبات".. حكاية إنسانية غنية
يؤكد الكتاب أن العرب لم يكونوا فقط ناقلين للقهوة، بل كانوا صانعيها الحقيقيين كمشروب، إذ قاموا بتحميصها وطحنها وتحويلها إلى طقس يومي، وهو ما يمنح القهوة جذورها الثقافية الأصيلة.
لا يقدم الدكتور غالب خلايلي في كتابه "القهوة سيدة المشروبات في الشرق والغرب" الصادر حديثاً عن دار دلمون الجديدة في دمشق مجرد عرضٍ لمشروبٍ عالميّ الانتشار، بل يصوغ سردية حضارية متكاملة تجعل من القهوة شاهداً على تطوّر الإنسان، ومرآةً لعلاقته بالزمن والمعرفة والمجتمع. فالكتاب، في جوهره، ليس عن القهوة فحسب، بل عن الإنسان وهو يبحث عن يقظته، عن طقوسه، وعن لحظاته الخاصة التي يصنعها ببطءٍ في فنجانٍ صغير.
منذ المقدمة، يضع المؤلف القارئ في أجواء وجدانية عميقة، حيث تتداخل اللغة الأدبية مع الحسّ التأملي. فالقهوة هنا ليست مشروباً عادياً، بل "سيّدة المشروبات" التي تعلّقت بها "مهج الكتّاب والشعراء والمفكرين والسياسيين والعلماء وعامة الناس إلى درجة العشق والإدمان". هذه النظرة الشمولية تمنح الكتاب بُعداً إنسانياً يتجاوز الطرح التقليدي.
مصادفة غيَّرت مسار الحضارة
يستعرض المؤلف بدايات القهوة من خلال المزج بين الأسطورة والتاريخ، فيروي قصة الراعي الإثيوبي الذي لاحظ تأثير البن على ماعزه، ثم ينقلنا إلى اليمن حيث بدأت القهوة تأخذ شكلها المعروف. لكن اللافت في هذا الطرح ليس القصة بحد ذاتها، بل الأسئلة التي يثيرها الكاتب، من مثل "ماذا لو لم تأكل تلك الماعز ثمرات البن؟". هذا التساؤل يفتح باباً فلسفياً حول دور المصادفة في تشكيل مسارات الحضارة، ويمنح السرد التاريخي بعداً تأملياً عميقاً.
ويؤكد الكتاب أن العرب لم يكونوا فقط ناقلين للقهوة، بل كانوا صانعيها الحقيقيين كمشروب، إذ قاموا بتحميصها وطحنها وتحويلها إلى طقس يومي، وهو ما يمنح القهوة جذورها الثقافية الأصيلة.
يتتبَّع الكتاب بشكل دقيق رحلة القهوة عبر الجغرافيا، بدءاً من اليمن والحجاز، وصولاً إلى الدولة العثمانية، ثم أوروبا، حيث تحوّلت المقاهي إلى فضاءات للنقاش الفكري والسياسي، وأسهمت في تشكيل الوعي العام. كما يعرض التحولات الاجتماعية التي رافقت انتشارها، من الرفض الأولي إلى التبني الواسع، حتى أصبحت القهوة رمزاً للكرم والهيبة.
البنّ: علمٌ في حَبَّة
يمنح الدكتور غالب خلايلي الجانب العلمي للقهوة مساحة مميزة، فيكشف عن العمق الكامن خلف هذا المشروب اليومي. ويشير بوضوح إلى أن البن العربي (أرابيكا) يشكل ما بين 60% و70% من سوق القهوة العالمية، وهي نسبة تعكس مكانته الاستثنائية بين الأنواع الأخرى، لا فقط من حيث الانتشار، بل من حيث الجودة والقبول الحسي لدى عُشَّاق هذا المشروب ومستهلكيه اليوميين.
ويُرجع الكتاب هذه المكانة إلى خصائص دقيقة، أبرزها التوازن الفريد في النكهة، حيث تجمع قهوة الأرابيكا بين الحموضة اللطيفة والعطر المعقد، مع انخفاض نسبي في المرارة مقارنةً بالنوع الذي يُدعى (روبوستا). هذا التوازن يجعلها الخيار المفضل لمتذوقي القهوة المختصين على اعتبارها من المشروبات عالية الجودة.
ولا يكتفي المؤلف بوصف النكهة، بل يغوص في تفاصيل زراعة البن، موضحاً أن الأرابيكا تنمو غالباً في المرتفعات العالية التي قد تصل إلى نحو 2000 متر، حيث تتوافر ظروف مناخية دقيقة: حرارة معتدلة، ورطوبة كافية، وظل جزئي. هذه البيئة البطيئة النمو تسمح للحبة بتطوير مركباتها العطرية بشكل أعمق، وهو ما ينعكس مباشرة في جودة طعمها.
كما يتناول الكتاب طرق معالجة البن بعد الحصاد، وهي مرحلة حاسمة في تشكيل النكهة. فيعرض ثلاث طرق رئيسة: المعالجة الجافة (الطبيعية)، والرطبة (المغسولة)، والهجينة، موضحاً كيف تؤثر كل طريقة على الطعم النهائي، من حيث الحلاوة أو الحموضة أو القوام. هذه التفاصيل تمنح القارئ فهماً علمياً دقيقاً لسلسلة الإنتاج، من الشجرة إلى الفنجان.
ولا يتوقف التحليل عند هذا الحد، بل يمتد إلى بنية الحبة نفسها، حيث يشرح تركيبها، وتنوع ألوان ثمارها، وخصائصها الوراثية، وحتى التحديات التي تواجهها مثل الأمراض الفطرية، ما يعكس شمولية الطرح العلمي في الكتاب.
كيمياء التحميص والطحن
يأخذنا المؤلف بعد ذلك إلى مرحلة لا تقل أهمية تتناول آلية التحميص ومزاياها. وهنا يتحول السرد إلى وصف شبه شعري لعملية علمية معقدة. فخلال تعريض الحبوب لدرجات حرارة تراوح ما بين 180 و250 درجة مئوية، تحدث سلسلة من التحولات الكيميائية داخل الحبة، تؤدي إلى تفكك المركبات وتكوين أخرى جديدة مسؤولة عن النكهة والرائحة.
هذه التفاعلات، التي تُعرف في علم الأغذية بتفاعلات "ميلارد"، هي التي تمنح القهوة طابعها الفريد، حيث تتشكل مئات المركبات العطرية التي تتفاوت حسب درجة التحميص. فكلما كان التحميص خفيفاً، برزت الحموضة والنكهات الفاكهية، بينما يؤدي التحميص الداكن إلى نكهات أكثر مرارة وعمقاً.
أما الطحن، فيقدمه المؤلف بوصفه خطوة دقيقة لا تقل أهمية، إذ يؤثر حجم الجزيئات بشكل مباشر على استخلاص النكهة. فالقهوة الخشنة تسمح بمرور الماء سريعاً من دون استخراج كافٍ، بينما القهوة الناعمة قد تعيق التدفق وتؤدي إلى طعم مُرّ زائد. هذا التوازن الدقيق بين الطحن والتحضير يبرز القهوة كعلم وفن في آن واحد.
والأهم من ذلك هو الربط الذي قام به الدكتور خلايلي بين هذه العمليات وعلاقتها بالحس الإنساني، حيث تصبح الرائحة الناتجة عن التحميص جزءاً من الذاكرة، مرتبطة بلحظات الصباح، أو اللقاءات، أو العزلة التأملية. إنها ليست مجرد رائحة، بل تجربة شعورية كاملة.
القهوة: فنّ وثقافة
يستعرض الكتاب القهوة العربية بوصفها طقساً اجتماعياً متكاملاً، حيث تتداخل الأدوات والعادات والرموز، من "المهباج" إلى "الدلّة"، ومن الفناجين إلى أساليب التقديم، وتبرز هنا العبارات الشعبية التي تختزل فلسفة القهوة، من مثل: "الأول لراسي والثاني لبأسي والثالث لعماسي" وهي تعبير مكثف عن حضور القهوة في الحياة اليومية.
ولعل ذاك الحضور الكبير هو ما جعل منها رفيقة التأمل وملهمة الخيال لدى الكثير من الأدباء والمبدعين، وهو ما يُفرد له الكتاب مساحة ثرية، حيث تتجلّى القهوة بوصفها أكثر من مجرد مشروب؛ إنها حالة شعورية، ورفيقة لحظات الكتابة والتأمل. فمنذ بداياتها، ارتبطت القهوة بالكتّاب والشعراء، حتى كادت تصبح جزءاً من طقوس الإبداع نفسها.
ويستشهد المؤلف بكلمات الشاعر محمود درويش، التي تختزل هذه العلاقة العميقة: "أريد رائحة القهوة. لا أريد غير رائحة القهوة. ولا أريد من الأيام كلِّها غير رائحة القهوة، لأتماسكَ، لأقف على قدميّ، لأتحوَّل من زاحفٍ إلى كائن، لأوقف حصَّتي من هذا الفجر على قدميه. لنمضيَ معاً، أنا وهذا النهار، إلى الشارع بحثاً عن مكانٍ آخر".
هذا الاقتباس لا يعكس فقط حب القهوة، بل يكشف عن دورها كوسيط بين الإنسان وذاته، كأنها لحظة صفاء تُستعاد فيها القدرة على الوقوف، على التفكير، وعلى استعادة التوازن الداخلي.
وفي السياق ذاته، تظهر القهوة في الأدب العربي بوصفها رمزاً للحميمية والسكينة، ووسيلة لخلق فضاء خاص يجمع بين العزلة والتأمل. فهي ليست مجرد مشروب يُستهلك، بل طقس يُعاش، يتكرر يومياً لكنه لا يفقد فرادته. ولهذا نجدها حاضرة في نصوص كثيرة كعلامة على بداية الكتابة، أو كرفيق لصمتٍ طويل يسبق انبثاق الفكرة.
كما يلفت الدكتور خلايلي إلى أن القهوة لعبت دوراً مهماً في تشكيل المجالس الأدبية، حيث كانت المقاهي ملتقى الشعراء والمفكرين، ومسرحاً للحوار والنقاش. هذه الفضاءات لم تكن مجرد أماكن للجلوس، بل كانت بيئات خصبة لتبادل الأفكار وصياغة الاتجاهات الفكرية.
أغانٍ وأهازيج
وفي الأدب الشعبي، تتجلى القهوة أيضاً في الأغاني والأهازيج، حيث ارتبطت بصوت "المهباج" الذي تحوّل إلى إيقاع موسيقي، يعكس الفرح أو الشوق أو حتى الحنين. وهنا تتجاوز القهوة كونها موضوعاً للكتابة، لتصبح جزءاً من النسيج الثقافي الذي يُغنّى ويُروى.
ومن اللافت أن القهوة في الأدب كثيراً ما ترتبط بالزمن؛ فهي مشروب الصباح والبدايات، ومشروب الليل والتأمل، ومشروب اللقاء والفراق. إنها لحظة معلّقة بين الماضي والحاضر، بين الذاكرة والآن. ولذلك، فإن حضورها في النصوص الأدبية غالباً ما يحمل دلالات تتجاوز ظاهرها، لتلامس أعماق التجربة الإنسانية.
بهذا المعنى، ينجح الكتاب في إبراز القهوة كعنصر إبداعي، لا يقتصر على تحفيز الجسد، بل يمتد إلى تحفيز الخيال. إنها، كما يقدّمها المؤلف، ليست فقط ما يُشرب، بل ما يُكتب ويُحسّ ويُتأمّل.
يربط المؤلف بين القهوة والتحولات الكبرى في العالم، خاصة في أوروبا، حيث أسهمت في تغيير أنماط الحياة وتعزيز اليقظة والإنتاجية، ما جعلها جزءاً من مسار التقدم الحضاري.
أي إن كتاب "القهوة سيدة المشروبات في الشرق والغرب" يعتبر عملاً متكاملاً يجمع بين المعرفة والمتعة، ويكشف أن وراء كل فنجان قهوة عالماً كاملاً من التاريخ والعلم والثقافة، وهو ما يدفع القارئ إلى إعادة اكتشاف القهوة، لا كمشروب يومي فحسب، بل كحكاية إنسانية غنية، تبدأ من شجرة في مرتفعات بعيدة، وتنتهي بلحظة هدوء في يدٍ تمسك فنجاناً دافئاً.
