الفن في زمن الحرب: بين الشهادة والخذلان

فنانو لبنان الصامتون اليوم، سيكتب التاريخ عنهم سطراً واحداً: "لقد كانوا هناك، لكنهم اختاروا ألا يروا". أما من وقفوا، ولو بكلمة، فستبقى كلمتهم تضيء في ذاكرة وطن لا يموت.

  • صورة من مجرزة
    صورة من مجرزة "الأربعاء الأسود" في بيروت

حين تنهال الصواريخ على رؤوس الناس، وتحترق الأرض تحت أقدامهم، يكون الفن أول الشهداء وآخر الأبطال.

هذه ليست مفارقة، بل فريضة إنسانية. ذلك أن الفن في اللحظات المصيرية لا يحتمل المنطقة الرمادية. إما أن يكون صرخة مدوية في جدار الصمت، وإما أن يكون صدى خافتاً لأصوات الأعداء. وما يحدث اليوم في لبنان ليس استثناءً، بل فضحاً لمرض مزمن. تحول بعض "الفن" من رسالة إنسانية إلى سلعة توزع على قياس الرعاة.

ثمة مشهد مؤسف: معظم فناني الترفيه في لبنان يصمتون كالتماثيل، لا يحركون شفاههم بكلمة تضامن مع وطن معتدى عليه، بل إن بعضهم تجاوز الصمت إلى التطبيع الصريح مع سرديات الاحتلال. وكل ذلك باسم "الحفاظ على المصالح". إنهم يبيعون أصواتهم إلى الذي يدفع أكثر، من دون أن يخجلوا من أن خذلانهم الأول، في هذه الحال، هو لدماء أطفال وطنهم.

لكن، في مقابل هذا الصمت المريب، هناك فئة من الفنانين اللبنانيين الشجعان الذين أبوا إلا أن يكونوا صوت الوطن حين تحشرجت الحناجر من الدخان. هؤلاء لم يختاروا الحياد المخزي أو الصمت الآمن في لحظة مصيرية تفرض على المرء أن يكون مع شعبه أو لا يكون.

لقد خرجوا بكلمة حق في زمن السيف، ونشروا صور الدمار، ونددوا بالمجازر، ونافحوا عن رواية وطنهم أمام إعلام داخلي وخارجي يحاول تشويه الحقائق. هؤلاء يعرفون أنهم قد يخسرون حفلاتهم أو عقودهم أو تأشيراتهم، لكنهم أدركوا أن خسارة الضمير هي الخسارة الكبرى. إنهم يثبتون أن لبنان لم ينجب فقط "منتجي الترفيه"، بل أنجب فنانين حقيقيين يرفضون أن يكون إنتاج أعمالهم الجديدة على حساب دفن طفل واحد تحت الركام.

من جهة ثانية، يقارن البعض بين مواقف الفنانين الصامتين وبين مواقف بعض فناني "هوليوود" الشجعان. لكن المقارنة ليست منصفة، ليس لأن "هوليوود" أنقى، بل لأن هناك فرقاً جذرياً في الموقف. لنعد قليلاً إلى الوراء ونستعرض بعض الأمثلة: 

مارلون براندو، في قمة مجده، رفض جائزة الأوسكار عام 1973 احتجاجاً على معاملة "الهنود الحمر" في أميركا، وأرسل بدلاً منه الناشطة الأميركية (من السكان الأصليين)، ساشين ليتلفيذر، لتشرح الموقف على المسرح أمام الملايين. دفع براندو الثمن. قاطعته "هوليوود" لسنوات، وتضاءلت أدواره، لكنه لم يتراجع.

ثم جين فوندا، التي ذهبت إلى هانوي أثناء حرب فيتنام، وقفت على منصات الدفاع الجوي الفيتنامي تنادي بوقف القصف الأميركي. اتهمتها بلادها بالخيانة، وصفوها بالمجنونة، لكنها كانت تعرف أن الفن رسالة إنسانية قبل أن يكون مهنة.

وأيضاً تشارلي شابلن، الذي نفي من أميركا بتهمة "التفكير اليساري"، ولم يصمت عن الفاشية وواجه المكارثية.

أما اليوم، فنرى فنانات وفنانين في "هوليوود" يوقعون عرائض لوقف إطلاق النار في غزة، ويعارضون الدعم المستمر لـ"دولة" الاحتلال الإسرائيلي، ويرفضون حرب ترامب على إيران، ويتظاهرون في الشوارع والساحات، ويتحدثون في منصات الجوائز عن حقوق الإنسان، مع العلم أنهم يخاطرون بصفقاتهم المستقبلية مع استوديوهات يملكها صهاينة. بعضهم فقد أدواراً، لكنه بقي صامداً.

إذاً، ليس الأمر أن الغرب "أشجع" بطبيعته. بل إن هناك تقليداً عميقاً في الغرب يعتبر الفن جزءاً من "المسؤولية الأخلاقية للمثقف" (كما صاغها إدوارد سعيد). فنانو الغرب، حين يكونون حقيقيين، يفهمون أن جمهورهم ليس مستهلِكاً فقط، بل فيه مَن ينتظر منهم موقفاً أخلاقياً.

أما السواد الأعظم من فنانينا فيعيش في وهم "الفن للفن" الذي يمارسه كهروب من المسؤولية، متبنياً  مقولة "خلّونا نضحك الناس وننسيهم همومهم"، وهي أسوأ أنواع التبرير، لأنها تختزل الفن في مسكنات لحظية بدلاً من أن يكون ضميراً إنسانياً ومدماكاً من أسس الوعي والتحضّر.

منذ أفلاطون وأرسطو، والفلسفة تتساءل: ما دور الفن في المدينة الفاضلة؟ أفلاطون طرد الشعراء من جمهوريته لأنه اعتبرهم كذابين يبعدون الناس عن الحقيقة. لكن أرسطو رد بأن الفن "محاكاة" للحياة، وله قدرة على التطهير (كاثارسيس)، أي تنفيس الانفعالات وتنقيتها. لكن ماذا يحدث حين تكون الحياة نفسها مأساة؟

الفن في الأوقات العصيبة ليس ترفاً. إنه أحد الأشكال العليا للمقاومة، وكما قال جان بول سارتر: "إن نطق المرء بكلمة الحرية يعني أن يحررها (الكلمة)، فالكلمة فعل". والفن الحقيقي فعل قبل أن يكون انفعالاً. وفي زمن الحرب، كما قال نيتشه، الفن يأتي "ليكمل النقص في الطبيعة" - والطبيعة هنا، بكل عناصرها، هي التي تشوهت بالقنابل والموت. فمن يصمت عن الشر، لا يكمل النقص، بل يزيده عمقاً.

إن وظائف الفن في زمن الحرب تتجاوز بكثير بهرجة الاستعراض وزخرف القول، فهي تتشكل كضرورات وجودية لا ترفاً تأملياً. حين يعجز البيان الصحفي عن التقاط وجع الروح، يأتي الفن ليوثق ذلك الوجع بطريقة تستعصي على عدسة الكاميرا الباردة، تماماً كما جسّد غويا في لوحاته فظائع حروب نابليون، أو كما صوّر بيكاسو في "غيرنيكا" خراب الحرب الأهلية الإسبانية بضربة فرشاة أبلغ من ألف تقرير إخباري.

وفي مقابل دوي الصواريخ، يقف الفن كسلاح للمقاومة النفسية، حيث تصبح الأغنية الوطنية والقصيدة المغناة حاجة وجودية لا مجرد دعاية عابرة؛ فحين صدحت أم كلثوم "والله زمان يا سلاحي"، لم تكن ترفّه عن جمهور، بل كانت تصنع أسلحة من نغم توازي البنادق في الخندق.

وإلى جانب ذلك، يمارس الفن الساخر والكاريكاتير والمسرح السياسي فعلاً نبيلاً هو كشف زيف العدو وفضح تناقضات المحتل وأكاذيبه، فينزع عنه قناع المدنية ويردّه إلى وحشيته الأولى. الذاكرة الجمعية لا تستند إلى الأرشيف الجاف وحده، بل إلى الفن الذي يحفظ التفاصيل الهاربة من مدوّنات التاريخ الرسمي، فتبقى قصائد محمود درويش عن النكبة حيّة تتكاثر في الوجدان، وتظل ألحان سيد درويش عن ثورة 1919 تنبض بعد أن تصفرّ أوراق الوثائق وتذبل أقلام المؤرخين.

أما هؤلاء "الفنانون" الصامتون، ففنهم لا يقوم بأي من هذه الوظائف. إنه فن سلعي، استهلاكي، غايته المتعة الآنية والإدمان على الشهرة. إنهم لا يختلفون عن بائع البطاطا الذي يرفع السعر أثناء الحصار، إلا أن بائع البطاطا لا يدّعي أنه يقدم "رسالة".

ربما نكون غير منصفين حين نطالب هؤلاء بموقف أخلاقي، لأنهم أصلاً لا يمتلكون الأدوات الأخلاقية. كيف نطلب من مغنٍ الذي كل همّه أن يجمع ملايين المشاهدات برقصة مبتذلة أن يفهم معنى التضامن الإنساني؟ كيف ننتظر من مطرب الابتذال أن يقف موقف الرجال؟

الفن الهابط ليس مجرد فن رديء، إنه مشروع متكامل لتخدير الوعي. إنه يقدّم للجمهور جرعة يومية من الهروب، يعلمهم أن الألم يمكن نسيانه بإيقاع سريع وكلمات فارغة. عندما تكون هذه هي ثقافة مجتمع، فلا عجب أن يصمت فنانونا. إنهم ضحايا ومسؤولون في آن واحد. ضحايا لرأسمالية استهلاكية جعلت من الفن بضاعة، ومسؤولون لأنهم يكرسون هذه النظرة يوماً بعد يوم.

وكما قال الشاعر الفلسطيني، محمود درويش: "في حضرة الغائبين، كل الحاضرين موتى". هؤلاء الحاضرون على شاشاتنا، بأغانيهم وحفلاتهم، هم أموات لم يولدوا بعد. لم يعيشوا لحظة وجود أصيلة واحدة، لأنهم قضوا حياتهم يقلدون الآخرين ويبحثون عن الإعجاب.

ليس المطلوب أن يصبح كل فنان خطيباً ثورياً. لكن المطلوب أن يتذكر الفن وظيفته الإنسانية الأولى. أن يكون تعبيراً عن الروح في مواجهة الموت، وعن الحياة في مواجهة العدم. حين يفقد الفن هذه الوظيفة، يصبح مجرد ضجيج في غرفة مظلمة، لا يسمعه إلا من يدفع.

لنتوقف عن تسمية أولئك "فنانين". إنهم منتجو ترفيه، تجار موسيقى، أصحاب علامات تجارية. أما الفنان فهو من يخاطر، من يحترق، من يضع فنه في خدمة قضية أكبر من جيبه. الفنان الحقيقي هو من يستطيع أن يقول "لا"، حتى لو كلفه ذلك كل شيء.

فنانو لبنان الصامتون اليوم، سيكتب التاريخ عنهم سطراً واحداً: "لقد كانوا هناك، لكنهم اختاروا ألا يروا". أما من وقفوا، ولو بكلمة، فستبقى كلمتهم تضيء في ذاكرة وطن لا يموت. والفن، في النهاية، ليس فقط مرآة تعكس الواقع، بل شمعة تشعّ في غمرة الظلام. وهؤلاء ليسوا حتى شموعاً، إنهم فوانيس مطفأة، في زمن أكثر ما نحتاجه هو الضوء. الضوء الذي يكشف الحقيقة، لا بريق الشهرة المخادع والمخاتل.

في زمن ازدحمت فيه الشاشات بالبريق المزيف والصخب الأجوف، تبرز الحاجة إلى دعم الفن الجاد الذي يرفض أن يكون مجرد سلعة استهلاكية. إن دعم هذا الفن البديل ليس رفاهية مثقفين، بل هو فعل مقاومة يومي يبدأ من اختياراتنا الصغيرة. أن نقتني كتاباً لمبدع حقيقي بدلاً من التحديق في تفاهات "تيك توك"، أن نستمع لأغنية ترفع مستوى الوعي بدلاً من تلك التي يخدّره، أن نملأ مسارحنا بأعمال لا تساوم على الحقيقة.

الفن الجاد هو الذي يعيد للإنسان دهشته الأولى في وجه العالم، ويمنحه القوة ليواجه وحدته ووجعه من دون هروب. فلنكن أوفياء لذاكرة ذلك الطفل الذي نام تحت الركام، ولنرفع صوت الحقيقة عبر دعم هؤلاء الفنانين الذين لم يبيعوا ضمائرهم، أولئك الذين اختاروا أن يحترقوا كشمعة في الظلام، لا أن ينطفئوا كفانوس صدئ على باب حانة مهجورة.

الجمهورية الإسلامية في إيران تعلن في الأول من آذار/مارس 2026 استشهاد القائد الأمة السيد علي خامنئي في مقر عمله في "بيت القيادة"، إثر العدوان الأميركي الإسرائيلي على البلاد.

اخترنا لك