الغربة الفلسطينية: سردية مناضل ناقم خارج فلسطين
لم يكن كتاب الغربة الفلسطينية، مجرّد نزهة أو محاولة لتسجيل الحضور بل شكّل تحدّياً كبيراً ولا سيما في ظلّ ظروف انعدام التوازن والانكفاء، وهو ما خلق تحدّياً جديداً يتمثّل بالدخول في ورشة عمل جديدة عنوانها (الحقيقة الفلسطينية وغياب العقل الفاعل).
-
الغربة الفلسطينية: سردية مناضل ناقم خارج فلسطين
الغربة الفلسطينية كتاب يروي سردية مناضل ولد في مخيمات اللجوء وناقم على الأداء الفلسطيني يحلم بالعودة ويتصارع بين النصر والهزيمة إنه الدكتور ظافر الخطيب، يقدّم صورة المؤسسة الحزبيّة والسياسيّة الحاكمة والمسيطرة وما تحتويه من المبادئ الأسس التي تحكم المواقف والعصبيّات والمصالح التي حوّلت المواطنين من شعب البلد إلى جمهور مراكز القوّة والسلطة بهذا ذهب الوطن وبقيت السلطة فصارت هي الوطن.
كتاب الغربة الفلسطينية للمؤلف الدكتور ظافر الخطيب، صادر عن دار نلسن للنشر عدد الصفحات 190 من القطع الوسط صدر العام 2023 بيروت لبنان.
أسئلة المؤلف لا تنتهي
أسئلة المؤلف في كتابه الغربة الفلسطينية، أو السؤال المتعلّق بالكاتب ليس ماذا يكتب بل لماذا يكتب؟ ولمن؟ رغم أنّ د. ظافر الخطيب يأخذ على الفلسطينيين دفاعهم الدائم لا هجومهم ويدعوهم إلى الهجوم فمن يدافع لا ينتصر، وهو يأخذ على ناسه إطاعة السياسيين، كما يأخذ عليهم صلواتهم على أرواحهم الميتة رغم انكشاف تنكّرهم وراء الأقنعة والاعتداءات في المرمى فلسطين، ولكن كيف؟ يطرح د. الخطيب في مؤلفه هذا السؤال في حبكة سردية غير متخيّلة لأنّ المتخيّل يبقى محدوداً أمام ما يجري على الأرض وهو مغاير للواقع.
يختصر د. الخطيب الصراع في الداخل الفلسطيني بالصراع بين المقاوم والمستوطن، كلّهم مستوطنون ليس فقط من جاء بدعوات فاضحة من الحكومات المتتالية. إنّ ظافر الخطيب يعيش في المتناقضات الأزلية على الساحة الفلسطينية وهو جدّي إلى حدّ التردّد في النشر، لا يظهر متحرّراً لأنه يرى في الكتابة متنفّساً، وهو من أبرز كتّاب الفكر السياسي الفلسطينيين على الساحة اللبنانية، لكنه يفقد شراهة التأليف، حين يقف على مفارقات العالم استوجب الأمر أن يتبع نفسه حتى يجدها في مؤلفه وانكشاف الأمور على مداها والكلام على حرفته حاجته حاجة الآخر لما يفعل.
الغربة الفلسطينية فكرة أمل وقوة
يعنون المؤلّف كتابه (بالغربة الفلسطينية) الغربة شوك وسكاكين لمن يظنّ أنّ الإقامة في بلاد بعيدة فائض من المسرات خاطئ من يظن ذلك، لقد أصيب المؤلف بالربو السياسي الاجتماعي وهو في غربته المفرطة بالواقعية ومعاناة المخيمات التي لا يفهم بها كلّ العالم قدر فهم الفلسطيني لها. ظافر الخطيب يفهم المخيم لا ينزعج كونه أحد أولاده لأنّ أهل السياسة الفلسطينيين في لبنان، حوّلوا سياساتهم إلى سياسة طبقات تفترض أنّ ثمّة جراحاً خبيثة، وأنّ الأوامر مفاتيح المنازل في فلسطين، وأنّ بساتين الزيتون هناك قطع مقصوصة من كتب الإنشاء.
يجادل الخطيب في "الغربة الفلسطينية" كتابه الجديد ويعتبره ليس مشروع حزن بل مشروع قوة وأمل؟، ولا ينبغي الذهاب إلى منحى التشاؤم من خلال حالة الدفاع الدائم، فهناك في التاريخ الفلسطيني نماذج هجوميّة فثورة عام 1936 – 1939 رغم افتقادها لبعض العناصر الضرورية فإنها شخّصت العدو (الاستعمار البريطاني، العصابات الصهيونية)، وحدّدت الهدف وحقّقت الكثير على مستوى وحدة الشعب وتكامل أشكال الاشتباك، والميزة الأبرز أنّ هذه الثورة كانت ذات طابع هجوميّ.
لكنّ المحطة الهجومية الأساسية تمثّلت في الانتفاضة الأولى والتي أعادت البريق لقضية الشعب الفلسطيني وقدّمت السرديّة الفلسطينية للرأي العامّ العالمي بصورة جديدة، ويمكن العودة إلى تلك المرحلة ودراستها لرصد مستوى الخسائر التي أصيب بها العدو وكان يفترض أن تستكمل لولا التسرّع في قطف ثمارها.
المحطة الأخرى تمثّلت في الانتفاضة الثانية وكانت حركة هجومية يعود إلى طابعها شموليتها واتساعها وإلى الاستخلاص السياسي جاءت لتظهر فشل أوسلو، كما أنها قدّمت دليلاً حاسماً على عدم جدّية العدو في عملية السلام وكانت بحسب التيار الرسمي الفلسطيني، مجرّد خطوة تحريكية أي ذات طابع تكتيكي في حين أنه كان مفترضاً بها أن تستند إلى برنامج مهمّات بأهداف استراتيجية.
لم يكن كتاب الغربة الفلسطينية، مجرّد نزهة أو محاولة لتسجيل الحضور بل شكّل تحدّياً كبيراً ولا سيما في ظلّ ظروف انعدام التوازن والانكفاء، وهو ما خلق تحدّياً جديداً يتمثّل بالدخول في ورشة عمل جديدة عنوانها (الحقيقة الفلسطينية وغياب العقل الفاعل)، والذي طرح إشكاليات تحتاج إلى المزيد من التعمّق إيماناً بأنّ نقطة الانطلاق يجب أن تكون هنا وبالتحديد لماذا؟ لأنّ الوعي يسبق الممارسة لماذا؟ لأنّ الممارسات الفلسطينية هي انعكاس للعقل الفلسطيني من دون إغفال العوامل الأخرى، وتحديداً مجموع عناصر القوة الأخرى ما فوق الإرادة الفلسطينية.
لذلك يستهدف الكتاب الجديد إثارة جدل جريء عابر للمقدّس والممنوع أو المحرّم اللذين ساهما بتقييد حركة الفكر السياسي وحريته في ظلّ سيطرة إرهاب مقنّع تمارسه أغلبية غير ديمقراطية. فمقولة إنّ الشعب الفلسطيني هو شعب الجبّارين أو العمالقة كما جاء في (الثورة) هي مقولة عاطفية، وبالحدّ الأدنى لا تعدو عن كونها مجازاً لقدرة الشعب الفلسطيني على الصمود والبقاء، ولكن وبالمقابل فإنّ شعب الجبّارين لم يستطع رغم كلّ تضحياته أن يبني دولة وأن يقرّر مصيره، وما زال يحتلّ موقعاً تتراجع مساحته على طاولة الدول الكبرى، وغير قادر على تحقيق نتائج أفضل على مستوى أهدافه. لماذا لم يتحقّق على أرض الواقع؟
لا شكّ أنّ كلّ فرد من أبناء الشعب الفلسطيني طرح هذا السؤال على ذاته أو على الآخرين ورغم كلّ ظروف الواقع التي تستميت بقهره ما زال يؤمن بأنّ النصر ممكن، وأنّ هزيمة العدو ممكنة لكنه ضمناً يربط الهزيمة بقيادته أوّلاً وبالتخلّي العربي ثانياً ولا عدالة الشرعية الدولية وأقطابها المهيمنين.
لا يريد المؤلف في كتابه الذهاب مذهب تحليل هذه المرحلة، لأنّها تتطلّب دراسات بحثية عميقة وشاملة تطال كلّ مكوّنات القيادات الفلسطينية، قدراتها إمكاناتها تفاصيل عملها خلفيّات تكتيكاتها وتحالفاتها، أطر عملها برامجها ارتباطاتها ودرجة تأثير القوى الإقليمية والمحاور فيها وغير ذلك، وهي غير متوفرة أو أقلّه غير متاحة للباحث المفكّر والكاتب.
أرمجدون في الوعي الفلسطيني
هذا الكتاب يطرح فرضيّة تحتاج إلى فحص دقيق ومتأنٍ على قاعدة (حسن الظنّ) في العملية النقدية، والفرضية أنّ ما شهدته التجربة السياسية الفلسطينية في سياقها التاريخي غائب في ضياع القناعات المشتركة والرؤية الجامعة التي ساهمت في تكريس قناعات مختلفة تكاد تتضارب، وأخرى تراهن على أرمجدون بالخطاب المعلن، وثالثة تؤمن أنّ المشروع الصهيوني كسب المعرفة وأنّ مصير الشعب الفلسطيني هو التحوّل إلى مجموعة سكان أصليين تشبه تجربة الهنود الحمر في أميركا والسكان الأصليين في أستراليا ونيوزلندا وكندا.
إنّ فكرة أرمجدون لا تعدو كونها تستند إلى السردية الدينية ومع أنّ نبوءات النصر العظيم في استعادة لزمن الفتوحات تدغدغ أحلام أبناء شعبنا الفلسطيني وتستجيب للرغبات المكتومة بالثأر والانتقام، لكنها وحدها غير كافية للإجابة عن سؤالَي المصير والوجود، ما لم يتمّ إسنادها إلى المشروع الفلسطيني والاستراتيجية الفلسطينية.
يعتقد المؤلف أنّ المسألة إزاء ما تقدّم تتموضع أمام ثلاثة خيارات:
الأول؛ احترام الستاتيكو القائم حيث يستمر المشروع المعادي في تحقيق ربح بالنقاط / من خلال التغييرات الميدانية.
الخيار الثاني؛ الاستسلام النهائي والتخلّي عن بقايا الحلم الفلسطيني باعتبار انكفاء فئات اجتماعية ومجموعات سكانية عن الانخراط في النضال وتفتيت مجتمع اللاجئين، مضافاً إليها تقدّم مشروع الأسرلة وتعرّض محاولات "الفلسطنة" إلى ضربات وضغط كبيرين.
الخيار الثالث؛ صياغة مشروع وطني فلسطيني يتأسّس على وحدة الشعب وحدة القضية وتكامل ساحات الاشتباك مع العدو، رغم أنّ مصطلح هزيمة لم يستخدم أبداً في الخطاب الفلسطيني مع استثناءات نادرة غير أنه قد يكون مجدياً أكثر مقابلة مصطلحي (الفشل والهزيمة)، فالدفاع عن الأرض والحقوق لا يعني بالضرورة وبالمعنى السياسي مشروعاً وطنياً شاملاً الخطاب السياسي هو دفاع عن الحقّ والأرض، مع الملاحظة أنّ مصطلح السيادة كان غائباً وفي أفضل الحالات كان يطرح حقّ الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وحتى منطق الحقّ بالدولة فإنه طُرح إبّان خطط التقسيم على أساس دولة للعرب ودولة لليهود.
كتاب "الغربة الفلسطينية" تنهل منه ولا ترتوي لأنه كتاب أوكورديون، كلما اختفى جزء منه بان جزء آخر هكذا لا يغلق على العزف إلا عند انتهاء المقطوعة الموسيقية وهي فلسطين القطعة الموسيقية وظافر الخطيب عازفها، يريد أن يعود إليها طفلاً ولو بطفولة منقّحة إذاك يبدأ الربيع أوّله وهو قريب، لأنّ فلسطين تملك من الأصابع ما يكفي لكي تشير لأولادها بضرورة العودة بعد انتظار وإلا بقيت أماً مخذولة هذا الرجل يمشي إليها كلّ صباح ومساء، إنه أقرب لكي يصل بعيداً مِنْ مَنْ يرتجلون الفهم يرتجلون فقط.