العطور بدلاً من الماء.. لماذا تجنب ملوك أوروبا الاستحمام الدائم؟

لماذا كان ملوك أوروبا يتعطرون بدلاً من الاستحمام؟ وما علاقة ذلك بمدى معرفتهم بمفاهيم الصحة والنظافة؟

تخيّل أنك تُدعى إلى مأدبة عشاء ملكية في قصر فرساي في باريس، ذلك الصرح الذي يُجسّد في الذاكرة الجماعية ذروة الفخامة الأوروبية في العصر الحديث المبكر. تعبر القاعة الذهبية المتلألئة مرتدياً أفخر الأزياء، محاطاً بنبلاء تتدلى على أجسادهم أثواب الحرير والمخمل، قبل أن تفاجئك رائحة ثقيلة وغير متوقعة.

ليست عطوراً فاخرة كما قد يتبادر إلى الذهن، بل مزيجاً كثيفاً من المسك والبخور وروائح جسدية نفاذة. وبينما تجول بنظرك في المكان، تلاحظ خادماً يفرغ وعاءً فخّارياً يُستخدم عادة للنباتات أو للأغراض المنزلية من إحدى نوافذ القصر، في مشهد يعكس نقص المرافق الصحية المناسبة داخل القصور الكبرى.

وفي زاوية أخرى، يختلس أحد النبلاء لحظة للانزواء خلف ستارة مخملية، في سلوك لم يكن مقبولاً اجتماعياً بالمعنى الصريح، لكنه حدث فعلياً في ظل الاكتظاظ وقصور البنية التحتية الصحية. أما الملك نفسه، الذي لم يكن معتاداً على الاستحمام بالماء وفق المعايير الحديثة، فتفوح منه رائحة عطر قوية، غالباً من زهر البرتقال أو مركبات عطرية ثقيلة، تكاد تغلب على الحواس.

هذه المشاهد، على ما تحمله من طابع صادم للقارئ، لا تنتمي إلى عالم الخيال بقدر ما تعكس واقعاً تاريخياً معقداً في القصور الملكية الأوروبية. 

النظافة بوصفها مفهوماً نسبياً

لم يكن ملوك أوروبا في العصور الوسطى والعصر الحديث المبكر "قذرين" بالمعنى الذي نفهمه اليوم. فالنظافة، بوصفها مفهوماً اجتماعياً وثقافياً، كانت تُعرّف بطرائق مختلفة جذرياً.

ففي حين نربط النظافة المعاصرة بالاستحمام اليومي، وغسل الأسنان، وتعقيم الجسد بالماء والصابون، كان معيار النظافة في تلك العصور يقوم على عناصر أخرى، أبرزها: نقاء الملابس، خاصة القمصان الكتانية البيضاء، والرائحة الطيبة الناتجة عن العطور، والالتزام بآداب السلوك الاجتماعي.

في هذا السياق، لم يكن الجسد ذاته هو محور العناية، بل ما يحيط به ويغطيه. فالشخص "النظيف" هو من يبدو نظيفاً، ويرتدي ثياباً ناصعة، وتفوح منه رائحة زكية، حتى وإن لم يُغسل جسده بالماء لفترات طويلة.

العصور الوسطى والاستحمام: بين الطقس الاجتماعي والقلق الطبي

خلافاً للاعتقاد الشائع، لم تكن العصور الوسطى الأوروبية خالية تماماً من ممارسات الاستحمام. ففي القرنين الثالث عشر والرابع عشر، انتشرت الحمامات العامة والخاصة في المدن الكبرى، وكانت تُعد أماكن اجتماعية راقية، يرتادها النبلاء والملوك، لا بوصفها مرافق للنظافة فقط، بل فضاءات للقاء والتفاعل الاجتماعي.

تشير المصادر إلى أن شخصيات ملكية بارزة استخدمت العطور الثمينة بوصفها وسائل وقاية صحية. ففي عام 1328، استُخدمت مواد مثل العنبر، وهو مادة نادرة وعالية القيمة تُستخرج من الحيتان، لاعتقاد سائد بأن الروائح القوية والنقية قادرة على تنقية الهواء المحيط بالجسد وحماية الأعضاء الحيوية من "الهواء الفاسد".

وفي القرن الخامس عشر، كانت بعض الملكات، مثل إيزابو دي بافاريا، يحرصن على نقل مرافق الاستحمام الخاصة بهن بين القلاع، لضمان توفرها حيثما حللن، وهو ما يعكس أهمية رمزية للاستحمام وإن لم يكن منتظماً.

أما فيليب الطيب، دوق بورغوندي، فكان يستحم على فترات متباعدة، قد تمتد إلى عدة أشهر، وكان كل استحمام يُنظّم بوصفه حدثاً اجتماعياً احتفالياً ترافقه الولائم والمراسم، مما حوّل فعل النظافة الشخصية إلى عرض من مظاهر المكانة والترف.

وعندما زارت الملكة شارلوت من سافوا البلاط عام 1467، استُقبلت بتوفير عدة حمامات مزخرفة، في إشارة إلى أن الماء نفسه كان جزءاً من طقوس الاستقبال الفاخر.

الطب الوسيط ونظرية الأخلاط

كان الطب في تلك الفترة يقوم على نظرية الأخلاط الأربعة: الدم، والبلغم، والصفراء، والسوداء. ووفق هذه النظرية، تعني الصحة توازن الأخلاط، بينما يُعد المرض نتيجة لاختلالها. بناءً على ذلك، لم يكن الهدف من الممارسات الطبية "تنظيف" الجسد، بل "تطهيره" عبر تصريف ما يُعد أخلاطاً فاسدة.

في هذا الإطار، فُسّرت إجراءات مثل الفصد، والإفرازات، وحتى بعض الحالات المرضية، بوصفها وسائل وقائية. تشير بعض المصادر إلى أن أطباء الملك شارل الخامس أبقوا على قناة تصريف في جسده لسنوات، اعتقاداً منهم أن استمرار خروج السوائل يحافظ على توازن الأخلاط. وعندما توفي الملك عام 1380، عُزي موته في بعض الروايات الطبية إلى توقف هذا التصريف.

وفي القرن الخامس عشر، عانى الملك لويس الحادي عشر من البواسير، وهي حالة لم تكن تُعد بالضرورة مرضاً خطيراً، بل فُسرت أحياناً كآلية طبيعية لتصريف المواد الضارة من الجسد. كما انتشر استخدام ما عُرف بـ"الذهب الصالح للشرب"، وهو مستحضر طبي يُعتقد أنه ينقي الجسد من الداخل، انطلاقاً من رمزية الذهب بوصفه مادة نقية وثمينة.

من الأوبئة إلى التنظيف بلا ماء ثم بداية التحول

شكّل انتشار الأوبئة الكبرى، وعلى رأسها الطاعون الأسود والزهري، نقطة تحول حاسمة في النظرة إلى الاستحمام. إذ بدأ الأطباء يروجون لفكرة أن الماء، خاصة في الحمامات العامة، يفتح مسام الجلد ويسمح للهواء الملوث والمواد السامة بالنفاذ إلى الجسد.

أدى هذا الخوف إلى إغلاق العديد من الحمامات، ودخول أوروبا في ما يسميه بعض المؤرخين "عصر الجفاف"، حيث تراجعت ثقافة الاستحمام المائي لقرون.

في هذا السياق، يُعد الملك هنري الثامن ملك إنكلترا حالة استثنائية نسبياً. فقد كان شديد العناية بتغيير ملابسه الداخلية بانتظام، وحرص على بناء مرافق استحمام متطورة في قصوره. غير أن هذا الاهتمام لم يمنع تراكم النفايات البشرية في القصور، ما استدعى وجود فرق متخصصة لتنظيف المراحيض الأرضية.

أما في فرنسا، فقد ساد في القرن السابع عشر ما يمكن تسميته بثقافة "التنظيف الجاف". إذ حلّت العطور، والمسح بالمناشف المبللة، وتغيير الملابس، محل الاستحمام بالماء. ويُعد لويس الرابع عشر المثال الأبرز على ذلك. فقد نُصح بالاستحمام مرات محدودة لأسباب علاجية، لكنه سرعان ما تخلى عن هذه الممارسة. وبدلاً من ذلك، اعتمد نظاماً معقداً من تبديل الملابس المتكرر واستخدام العطور القوية، حتى أصبح بلاطه يُعرف بـ"البلاط المعطر".

ورغم هذه الممارسات، خضع الملك لسلسلة من الإجراءات الطبية القاسية، مثل الفصد المتكرر والحقن الشرجية، في إطار الطب الوقائي السائد. وتُظهر حالته التناقض الصارخ بين مظاهر النظافة الخارجية والتدخلات الطبية التي نعدها اليوم ضارة.

في القرن الثامن عشر، بدأ الاستحمام يعود تدريجياً بين النخب، لكن بوصفه فعلاً مرتبطاً بالترف والعرض الاجتماعي.

هكذا برزت شخصيات مثل ماري أنطوانيت، التي تربت في بيئة نمساوية أكثر ميلاً إلى الاستحمام المنتظم، وحملت معها عادات صحية بدت غريبة في البلاط الفرنسي. استخدمت أحواضاً فاخرة ومياهاً معطرة بمكونات نباتية، واعتبرت النظافة جزءاً من الراحة الشخصية، لا مجرد واجب اجتماعي.

من الأخلاط إلى الجراثيم

يمثل الانتقال من نظرية الأخلاط إلى نظرية الجراثيم التحول الجذري في مفهوم النظافة. وكان تلقيح الملك لويس السادس عشر ضد الجدري عام 1774 إشارة مبكرة إلى هذا التحول، إذ عكس ثقة متزايدة بقدرة الجسد على المقاومة عبر وسائل وقائية علمية.

وفي القرن التاسع عشر، أدى اكتشاف دور الجراثيم وأهمية غسل اليدين بالماء والصابون إلى إعادة تعريف النظافة بوصفها ممارسة صحية قائمة على أسس علمية، وهو التحول الذي مهّد لظهور المفهوم الحديث للنظافة.

ويكشف تاريخ نظافة الملوك الأوروبيين أن ما نعده اليوم بديهياً لم يكن كذلك في الماضي. فقد كانت ممارساتهم منسجمة مع المعرفة الطبية السائدة في زمانهم، مهما بدت لنا اليوم غريبة أو صادمة. وهذا يذكرنا بأن مفاهيم الصحة والنظافة ليست ثابتة، بل تتغير مع تطور المعرفة، وقد ينظر أحفادنا إلى عاداتنا المعاصرة بالدهشة نفسها التي ننظر بها اليوم إلى قصور فرساي المعطّرة.

المصادر 

Vigarello, Georges (1985). Le Propre et le Sale: L'hygiène du corps depuis le Moyen Âge. Paris: Éditions du Seuil.

Geltner, Guy (2019). "The Path to Pistoia: Urban Hygiene Before the Black Death." Past & Present, 246(1), 3-33.

Poczai, Peter & Karvalics, László Z. (2022). "The little-known history of cleanliness and the forgotten pioneers of handwashing." Frontiers in Public Health, 10, 979464.

Drakman, Annelie (2024). "When filth became dangerous: the miasmatic and contagionistic origins of nineteenth-century cleanliness practices among Swedish provincial doctors." Medical History, 69(1), 22-38.

اخترنا لك