إبراهيم خلايلي يعيد قراءة التاريخ الكنعاني كفعل مقاومة
يقول خلايلي: سيكون للحياة المدنية الدور الأكبر في إثبات أنّ حضارة أرض كنعان هي حضارة الكنعانيين الفينيقيين، كما ستثبت الحياة المدنية في ضوء العهد القديم أنه لا توجد حضارة أو مدينة أو دولة تحمل اسم "إسرائيل" في أرض كنعان.
-
الدكتور إبراهيم خلايلي: إعادة قراءة التاريخ الكنعاني كفعل مقاومة
يأتي كتاب الدكتور إبراهيم خليل خلايلي "الحياة المدنية والدينية في المدينة الكنعانية الفينيقية في ضوء العهد القديم والحوليات الآشورية"، في سياق السعي المتواصل لتفكيك الروايات التاريخية التي تُستخدم لتبرير الاستيطان الإسرائيلي في فلسطين، إذ يكشف البحث عن جذور الحياة في أرض كنعان ويرسّخ أولوية الحضارة الكنعانية الفينيقية (الفلسطينية القديمة) في المنطقة، وذلك من خلال تحليل ديني سياسي اجتماعي يحسم عملية توظيف أسماء تاريخية في سياقات الهيمنة الاستعمارية الحديثة، بحيث يأتي كردٍ على آراء المؤرّخين التوراتيين والإسرائيليين، رغبةً في التصدّي لمحاولات تهويد تاريخ فلسطين وآثارها.
يركّز الدكتور خلايلي الذي استند إلى منهجية مقارنة صارمة بين العهد القديم والسجلات الآشورية، على إظهار كيف أنّ المنطقة كانت مهداً لتبادل ثقافي وديني عميق، وليس موطناً لتديُّنٍ أحاديّ نقي، ولعلّ النقطة الأكثر أهمية في هذا البحث، والتي تُشكّل محوراً رئيسياً في قراءة التاريخ الفلسطيني، هي تتبُّعه المسار الذي سلكه اسم "إسرائيل"، فبدلاً من أن يظلّ هذا الاسم رمزاً شخصياً أو قبلياً يشير إلى يعقوب حفيد النبي إبراهيم وفق الرواية التقليدية، يُشير المؤلف إلى أنّه جرى إدخال هذا الاسم في لعبة سياسية ليُصبح دلالة على كيان سياسي حاكم ضمن صراعات المنطقة، بعيداً عن أصله في المخطوطات الدينية وبعيداً أيضاً عن نسبه العائلي المُشار إليه في العهد القديم.
هذا التحوّل الجذري يعكس محاولة لاحقة لتثبيت شرعية سياسية لأقلية من خلال مصادرة اسم له دلالات قدسيّة وتاريخية قديمة وتحويله إلى علمٍ على مملكة، في خطوة تهدف إلى إضفاء الشرعية الأزلية على الوجود السياسي. وقد استخدمت هذه الدلالات لاحقاً في صناعة رواية تتجاهل الجذور الكنعانية العميقة للمنطقة.
يقول خلايلي: سيكون للحياة المدنية الدور الأكبر في إثبات أنّ حضارة أرض كنعان هي حضارة الكنعانيين الفينيقيين، كما ستثبت الحياة المدنية في ضوء العهد القديم أنه لا توجد حضارة أو مدينة أو دولة تحمل اسم "إسرائيل" في أرض كنعان.
التديّن الكنعاني يهيمن على "يهوذا" و"إسرائيل"
في الجانب الديني، يقدّم الكتاب الصادر عن دار دلمون الجديدة في دمشق، شواهد قاطعة على الانخراط العميق لبني إسرائيل في الديانة الكنعانية الأصيلة. هذه الحقائق تُفنّد فكرة الانفصال الديني المزعوم وتؤكّد التداخل والتبادل الروحي في أرض كنعان، مما يثبت أنّ السكان كانوا على درجة عالية من التجانس الديني والطقوسي.
ويُظهر المؤلف كيف أنّ آلهة الكنعانيين، أصحاب الأرض الأصليين، كانت متغلغلة في ممارسة العبادات ضمن مملكتي يهوذا وإسرائيل. ومن أبرز الأدلة التي يسوقها الإله الكنعاني "بعل" الذي لم يكن غريباً عن التديّن المحلي آنذاك، بل على العكس كان محورياً فيه، ويكفي أنّ اسمه ورد في أكثر من مئة موضع في أسفار العهد القديم. فضلاً عن أنه كما يقول الدكتور خلايلي تحت بند "محاربة عبادة بعل في أرض كنعان" فإنه "في العهد القديم شواهد عديدة تذكر تفاصيل عن الحرب التي شنّها أنبياء وحكّام إسرائيل على عبادة بعل وأتباعه، وتفيدنا تلك التفاصيل في تأكيد حضور الإله بعل في المجتمع الكنعاني، كما تقدّم لنا صورة واضحة عن الصراع الحضاري السياسي، الذي اكتسى ثوباً دينياً، بين الكنعانيين وبني إسرائيل".
وإلى جانب بعل هناك الإلهة "عشترت" التي انتشرت عبادتها حتى بين بني إسرائيل، مما يوثّق مدى التزاوج الديني الذي كان سائداً في المنطقة، إذ "شهدت عبادة عشترت انتشاراً هاماً في أرض كنعان، وتغلّبت على عبادة يهوه، ومورست من قبل سليمان الذي تسرّبت عبادتها إلى قلبه عن طريق النساء الفينيقيات اللاتي أحبّهنّ فأملن قلبه وراء عشترت إلهة الصيداويين، بحسب العهد القديم، فأقام سليمان لعشترت المرتفعات قبالة القدس، وانتشرت عبادتها في كلّ المملكة مما أغضب يهوه ودعاه إلى تمزيق مملكة سليمان".
إنّ هذا التوثيق لحالة التبادل والاندماج الديني يرسّخ حقيقة تاريخية مفادها أنّ الحدود الفاصلة بين "الكنعاني" و"الإسرائيلي" لم تكن حدوداً دينية صارمة كما تُصوّرها الرواية المتأخّرة، بل كانت المنطقة كياناً ثقافياً متداخلاً، يمتد من جذور كنعانية فينيقية ضاربة في القدم.
مدن فلسطينية في مواجهة غزو الإمبراطوريات
تُعدّ المدن الكنعانية الفينيقية، مثل القدس، صور، صيدا، جبيل، عكا، أريحا، بئر السبع، بيسان، بيت لحم، غزة، الخليل، نابلس، وغيرها، بمثابة شواهد حيّة على استمرارية الوجود الفلسطيني في الساحل والداخل، ويؤكّد الباحث أنّ الإمبراطوريات المتعاقبة لم تستطع طمس هذه الهوية المدنيّة، بل سجّلت الحوليات الآشورية بوضوح تفاصيل حملاتها العسكرية ضدّ هذه المدن، مما يرسّخ وجودها ككيانات مستقلة، ومن هنا تأتي أهمية الاعتماد على المصادر الآشورية في هذا البحث بوصفها شاهداً محايداً ودقيقاً.
يقول خلايلي: تعدّ الحوليّات الآشورية مصادر أساسية للبحث عن الحياة المدنية وبعض جوانب الحياة الدينية من المدينة الكنعانية الفينيقية، والحوليات الآشورية هي حوليات الملوك الآشوريين التي دوّنت فيها أسماؤهم ومنجزاتهم وحروبهم وحملاتهم الاستكشافية والعسكرية، وكلّ ذلك سُطِّر على الرُّقُم والتماثيل والمسلّات والأنصاب التذكارية، التي عُثر على أغلبها في المدن الآشورية. ولتلك المعلومات أهمية خاصة لأنها تعكس طابع العلاقات بين بلاد الرافدين ومدن الساحل الفينيقي، فضلاً عن الدور الآشوري في أحداث الشرق الأدنى القديم في الساحل الفينيقي.
وتُظهر هذه الحوليات مدى التغلغل الكنعاني في المشهد السياسي، حيث يكشف الكاتب عن عدد المدن التي دخلت في نطاق النفوذ الآشوري والتي تقارب الثلاثين مدينة كنعانية فينيقية كانت خاضعة للملوك الآشوريين ودخلت في نطاق الإمبراطورية الآشورية.
إنّ هذا العدد الهائل من المدن المستقلة التي وثّقتها الحوليات يؤكّد الكثافة السكانية والعمق الحضاري الكنعاني، ويُنحي جانباً أيّ ادّعاء بأنّ المنطقة كانت خالية أو غير مأهولة بكيانات حضارية راسخة.
علاوةً على ذلك يوضح الباحث الفلسطيني بأنّ المدن الكنعانية الفينيقية خلال القرون الأولى من الألف الأول قبل الميلاد كانت ضمن وضع دولي شهد صراع ثلاث قوى رئيسية في المنطقة هي الآشوريون والآراميون والمصريون، وكانت نتيجة التدخّل الآشوري توسّع الإمبراطورية الآشورية وردّ المصريين خلف حدودهم والقضاء على كيان بني إسرائيل، وإضعاف كيان بني يهوذا لدرجة مكَّنت البابليين بعد فترة وجيزة من القضاء على هذا الكيان نهائياً.
"معبد القدس" ليس "هيكل سليمان"
وفي مبحث خاصّ متعلّق بـ"معبد القدس" يُفنِّد الادّعاء الإسرائيلي بأنّ ذاك المعبد هو بيت لـ"يهوه" الإله القومي لليهود، وهيكل سليمان ملك بني إسرائيل في القرن العاشر قبل الميلاد، مؤكّداً أنّ موقعه على قمة جبل المريا شرقي القدس هو الموضع ذاته الذي كان سيضحّي فيه إبراهيم بابنه إسحق حيث أقام هناك مذبحاً، وهو الموضع نفسه الذي أقيم عليه مسجد قبّة الصخرة لاحقاً، ولا ذكر نهائياً في جميع المراجع التاريخية والدينية لتسمية "هيكل سليمان" إلّا أنّ ذاك الملك هو من أوصى ببنائه، بعدما كانت عبادة "يهوه" تتمّ ضمن خيمة متنقّلة وذلك خلال فترة تمتد لأربعمئة وثمانين سنة.
وبدراسة متأنيّة لكلّ ما يتعلّق بهذا المعبد يتوصّل الكاتب إلى أنه تكاد تكون صلاة بني إسرائيل مع ملكهم سليمان خلال احتفالات التدشين عام 960 قبل الميلاد هي الصلاة الأخيرة لهم في المعبد، وذلك لأنّ "يهوه" أنزل بهم أقصى العقوبات بعدما انتقلوا لعبادة آلهة غيره، ومنهم سليمان الذي بدأ بعبادة عشترت إلهة الصيداويين، بحسب الكثير من شواهد العهد القديم، ومع أنه لم تثبت عبادة عشترت في معبد القدس، إلّا أنّ آلهة كنعانيين فينيقيين آخرين مثل "أشره" و"بعل" و"تموز" (أدونيس) قد مورست عبادتهم فيه ليضحي هذا الفضاء فضاءً للعبادات الكنعانية الفينيقية، فضلاً عن كونه نتاج تصميم وخبرات بنّائين فينيقيين وأجانب مقيمين في أرض كنعان، وبني على نمط بعض المعابد السورية العائدة للألف الثالثة قبل الميلاد.
ويذكر الكتاب أنّ المعبد استمر على وضعه قرابة أربعة قرون إلى أن أحرقه البابليون سنة 587 ق.م بأوامر من نبوخذ نصّر، وبعد ذلك نقل الكلدانيون نفائس المعبد إلى بابل وفرضوا جزية كبيرة على يهوذا وسبوا ما يقارب عشرة آلاف شخص منها، وأعيد بناء المعبد عام 537 ق.م بأمر من الملك الفارسي قورش واستمر بناؤه خمسة قرون، وقام هيرودوس بترميمه سنة 20 ق.م إلى أن هدمه الرومان نهائياً سنة 70 ميلادية.
إعادة قراءة التاريخ كفعل مقاومة
يُشكّل كتاب خلايلي الذي أهداه "إلى أبطال الانتفاضة الفلسطينية وأرواح من استشهدوا دفاعاً عن أرض فلسطين وتاريخها" أداةً بحثية قوية في يد كلّ مناصر للحقيقة، إذ يقدّم فهماً عميقاً لأرض كنعان كمهد لحضارة واحدة، ويُعرّي اللعبة السياسية التي حاولت تحويل اسم "إسرائيل" من مجرّد إشارة إلى شخصية تاريخية إلى صكّ لملكيّة سياسية مزعومة. إنّ إعادة قراءة التاريخ من مصادره القديمة هو فعل مقاومة يُعيد الحقّ لأصحاب الأرض والجذور، وبهذا يصبح كتاب "الحياة المدنية والدينية في أرض كنعان" سرداً دينياً في منحى من المناحي، لكنّ وجهه الأهمّ يأتي لكونه بمثابة تفكيك سياسي للتاريخ يُعيد الجغرافيا إلى أهلها.