الجملة الأولى في الأدب.. قَدَرُ النَّصّ؟
يقول نجيب محفوظ إنّ: "أول سطر في الرواية هو أصعب ما فيها". كيف تمثّل الجملة الأولى لحظة ولادة النص وعالمه والعلاقة بين الكاتب والقارئ؟
ليست البداية في الأدب لحظة تقنية عابرة، ولا مجرد حيلة لجذب القارئ، بل هي في كثير من الأحيان الحدث الأكثر كثافة في النص كله، ففي الجملة الأولى يعلن الكاتب نبرته، ويكشف عن علاقته بالعالم، وباللغة، وبذاته. لذلك لم تكن البدايات، عبر تاريخ الأدب، بريئة أو محايدة، بل جاءت محمّلة بأسئلة الوجود، والخوف، والرغبة في الخلق والتأثير.
يقول الروائي الفرنسي، غي دو موباسان، إن: "البداية الجيدة تفتح الباب، لكن البداية العظيمة تجبرك على العبور، حتى لو لم تكن مستعداً"، وهي عبارة تختصر رهبة اللحظة الأولى من الكتابة، والتي ما زالت تثير قلق الكاتب، ولا سيما أنها قادرة على أن تفتن القارئ وتدفعه إلى أن يكون موجوداً في عالم آخر. لذا فإن البدايات ليست مجرد افتتاحيات نصيّة، بل هي لحظة تماسّ بين وعيين: وعي الكاتب الذي يختبر رهبة الولادة، ووعي القارئ الذي يتهيأ لعبور العتبة الأولى. ولهذا ظلت الافتتاحيات، عبر تاريخ الأدب، مصيدة حقيقية، وامتحاناً جمالياً، وسؤالاً نقدياً لا ينتهي.
حدث زمني أم حالة نفسية؟
-
كافكا: علينا أن نقرأ فقط الكتب التي تجرحنا وتطعننا
يذهب النقّاد إلى أن البداية ليست مجرد نقطة انطلاق زمنية، بل هي حالة نفسية مركّبة، تستبدل أول لحظة بأول وعي، ومنهم إدوارد سعيد ضمن بحثه "البدايات: القصد والمنهج". إذ ناقش مفهوم البداية وتوصَّل إلى أن يصفه بأنه فعل ذهني يتجاوز الزمن، مؤكداً بأن "البداية ليست لحظة، بل موقف"، وهو ما يؤيده فيلسوف الأدب الفرنسي، جيرار جينيت، في كتابه "عتبات". ذلك أن البداية عنده ليست مجرد افتتاحية، بل عتبة نفسية وجمالية، يقول: "العتبة منطقة انتقال، لا زمن محدد"، بمعنى العبور الذهني، وهناك أيضاً رولان بارت الذي ربط في كتابه "لذة النص" البداية بنفسية القارئ حين قال: "النص لا يبدأ في نقطة محددة، بل حين يبدأ القارئ في الرغبة".
بين من يرى أن البداية هي "العتبة التي تكثّف النص كله"، أو أنها "خدعة جمالية" للإيقاع بالقارئ، يمكن القول بأن افتتاحية أي نص هي حالة توتر للرغبة في قول شيء ما، تحمل في طيّاتها الخوف من الفشل، وأيضاً الجرأة على اقتحام المجهول، كما أنها اللحظة التي يتقاطع فيها الماضي الشخصي للكاتب مع المستقبل المحتمل للنص.
ولادة وجودية أم قطيعة؟
-
غابرييل غارسيا ماركيز
في الشعر العربي الحديث، ربما لا أحد جعل من البداية فعلاً وجودياً مثل محمود درويش، إذ إن بدايات قصائده ليست مجرد افتتاحيات، بل هي استعادة هوية، بحث عن وطن، ومحاولة لترميم الذات، وكأنها لحظة ولادة جديدة، أو محاولة لإعادة كتابة الوجود.
فدرويش يبدأ من السؤال، من الذاكرة، من الجرح المفتوح، وبداياته تشبه طرق الباب على بيت غائب، أو نداءً موجّهاً إلى وطن يتشكّل في اللغة أكثر مما يتشكّل في الجغرافيا "أَنَا مِنْ هُنَاكَ. وَلِي ذِكْريَاتٌ. وُلِدْتُ كَمَا تُولَدُ النَّاسُ. لِي وَالِدَهْ.. وبيتٌ كثيرُ النَّوافِذِ. لِي إِخْوَةٌ. أَصْدِقَاءُ. وَسِجْنٌ بِنَافِذَةٍ بَارِدَهْ".
إنها بدايات تستعيد ما فُقد، وتعيد ترتيب ما تكسّر، وتمنح القارئ شعوراً بأن القصيدة لا تبدأ من الورق، بل من الحياة نفسها، وفي قصائد أخرى تتكشّف البداية بوصفها تأسيساً لوجود جديد، لا مجرد مدخل لغوي، وأبرز مثال على ذلك "على هذه الأرض ما يستحق الحياة".
على النقيض من درويش، يرى الشاعر السوري، أدونيس، أن البداية ليست استعادة، بل قطيعة. ليست امتداداً لما كان، بل تمرداً عليه.
البداية عند أدونيس فعل تحرّر من الماضي، لا استحضار له. في الجزء الأول من كتابه "الثابت والمتحوّل" المُعنون بـ"الأصول" يقول أدونيس بوضوح إن: "الإبداع الحقيقي لا يبدأ من الامتداد، بل من الانفصال"، وفي كتاب "زمن الشعر" يكتب: "الشعر لا يولد من الماضي، بل من القدرة على مغادرته"، بمعنى أن البداية فعل تحرّر، ويتمثَّل أدونيس تنظيراته في كل ما كتب. ففي نصوصه، تظهر البداية كقفزة في الفراغ، كأن الشاعر يرفض أن يحمل معه أي إرث لغوي أو فكري، محاولاً دائماً خلق لغة جديدة، ورؤية جديدة، وعالم جديد، ولهذا غالباً ما تأتي بداياته صادمة، ومتوترة، ومشحونة بطاقة تفكيك وإعادة بناء. فها هو يقول في قصيدة "مفرد بصيغة الجمع": "أُسمِّي الأشياء كي أُحرِّرها من أسمائها". أي أن بدايات نصوصه لا تولد من رحم الماضي، بل هي ولادة ضدّه.
عبث وأسطورة
-
الصفحة الأولى من رسالة كافكا إلى والده
"اليوم ماتت أمّي. أو لعلها ماتت أمس. لست أدري. وصلتني برقية من المأوى: الأمّ توفيت. الدّفن غداً. احتراماتنا. وهذا لا يعني شيئاً. ربما حدث الأمر بالأمس". هذا السطر الافتتاحي من رواية "الغريب" للفرنسي، ألبير كامو، يضع القارئ مباشرة في قلب العبث، ويؤسس لموقف وجودي قبل أي حدث روائي، يعلن فيه بأن الحياة باتت بلا معنى، وبأن بطله يعيش خارج المنطق الاجتماعي التقليدي، وفي هذه البداية وغيرها يؤكد كامو انتمائه إلى تيار العبث الذي يولد كما يقول من مواجهة الإنسان لصمت العالم.
ويوازي كامو في صدمة البدايات ما كتبه التشيكي، فرانز كافكا، في افتتاحية روايته "المسخ": "استيقظ غريغور سامسا ذات صباح من أحلام مزعجة ليجد نفسه وقد تحوّل إلى حشرة ضخمة". من دون أي مقدّمات، أو تفسير، وبعيداً عن أي منطق. فالبداية هنا مأزومة، غير عقلانية، تضع القارئ في حالة صدمة، وتفتح الباب على عالم كابوسي، حيث يتحوّل العادي إلى مرعب وكابوسي.
ولعل ذلك يأتي من إيمانه الذي أوضحه كافكا في إحدى رسائله إلى أوسكار بولاك من أنّ الكتابة انفتاح جرح، حين قال "علينا أن نقرأ فقط الكتب التي تجرحنا وتطعننا. الكتاب يجب أن يكون الفأس الذي يشقّ البحر المتجمّد في داخلنا"، وهو ما يفسّر بعض الشيء لماذا تأتي بداياته مأزومة ومشحونة.
أما الكولومبي، غابرييل غارسيا ماركيز، فيقدّم في "مئة عام من العزلة" واحدة من أشهر البدايات في الأدب العالمي. جملة تجمع بين الزمن الواقعي والزمن الأسطوري، بين التاريخ والخيال. إنها لحظة يتجاوز فيها النص حدود الزمن، ليخلق زمناً خاصاً به، يقول: "بعد سنوات طويلة، أمام فرقة الإعدام، تذكّر العقيد أوريليانو بوينديا ذلك اليوم البعيد الذي أخذه فيه أبوه ليريه الثلج". هكذا افتتحت الرواية على عالم من السحر للحديث عن مدينة ماكوندو التي تشبه الأحلام، بل تشبه "آركاتاكا" حيث ولد ماركيز وأراد أن يخلّدها من خلال عمله ذلك، فهو في أحد حواراته قال: "الواقع عندي أكثر سحراً من الخيال"، وهذه الجملة تعطي تفسيراً لماذا تبدو بداياته كأنها تنتمي إلى عالم يتجاوز الزمن.
اختبار الصدق
-
إدواردو غاليانو: الكتابة تبدأ حين لا يعود الصمت ممكناً
على اختلاف أنماط البدايات الأدبية، إلا أنه ليس هناك كاتب لا يحسب حسابها، فالصفحة البيضاء ليست مساحة فارغة فقط، بل تهديد وجودي للكاتب في بعض الأحيان، والجملة الأولى ليست مجرد كلمات، بل اختبار للصدق، والجرأة، والقدرة على الإمساك بروح النص. فها هو الأورغوياني، إدواردو غاليانو، يشير إلى أن: "الكتابة تبدأ حين لا يعود الصمت ممكناً"، بمعنى أن البداية هنا تأتي كضرورة داخلية، بينما يرى الأميركي، إرنست همنغواي، أن "كل ما عليك فعله لتبدأ هو كتابة جملة صادقة واحدة". ذلك أن الصدق هنا يتقدَّم على كل شيء، في حين أن الأديب المصري، نجيب محفوظ، يؤكد بأن البداية هي امتحان لا ينجو منه حتى الروائي المخضرم قائلاً في أحد حواراته: "أول سطر في الرواية هو أصعب ما فيها".
وتبقى البدايات - على اختلاف أشكالها واحتمالاتها - ساحرة، لأنها تمثِّل لحظة ولادة: ولادة نص، ولادة عالم، ولادة علاقة بين كاتب وقارئ، ولادة وعد، ولهذا تبقى البدايات المُتْقنة عالقة في الذاكرة، لا لأنها جميلة فحسب، بل لأنها تشبه لحظاتنا الأولى في الحياة: مرتبكة، خائفة، ولا تُنسى، فالبداية الأدبية سواء في الشعر أو القصة أو الرواية، ليست مجرد افتتاح، بل إنها قَدَرُ النَّصّ.
