واشنطن تعلن حصارها البحري على إيران... مسارات ثلاثة لتدخل أنصار الله في الحرب

يدرك الحوثيون أن دخولهم في الحرب لن يكون نزهة قصيرة، بيد أنهم يعتقدون أن الجغرافيا تقاتل إلى جانبهم، وأن لديهم ما يكفي لإدارة "مقاومة طويلة الأمد"، وأنهم آخر من سيطلق صرخة ألم من جراء أي مواجهات محتملة.

  • ليس لليمن ما يخسره إن هو دخل الحرب.
    ليس لليمن ما يخسره إن هو دخل الحرب.

مع دخول الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران أسبوعها الخامس، دخل الحوثيون على خط "الإسناد" للمرة الثانية خلال عامين اثنين، المرة الأولى كانت إسناداً لغزة وأهلها ومقاومتها... صحيح أنه كان دخولاً "رمزياً" حتى لحظة إقرار هدنة الأسبوعين، لكنه بعث برسائل أكثر مما استحدث فرقاً، لكنه على ما أرجح، كان تجسيداً لقرار لا رجعة عنه بالانخراط في هذه الحرب، ما لم تضع أوزارها نهائياً، بسواء نتيجة جهود الوسطاء، أم كثمرة لتقلبات رئيسٍ، أهم ما يقال في وصفه بأنه متقلب وغير قابل للتوقع.

بإطلاقهم أول رشقة صواريخ ومسيّرات صوب أهدافٍ في "إسرائيل"، قطع الحوثيون حبلاً من الجدل والتكهنات حول ما إذا كانوا سيدخلون الحرب أم لا، وما هي الأسباب التي أخرت مشاركتهم فيها شهراً كاملاً، بيد أنهم في المقابل فتحوا الباب لجدل من نوع آخر، حول توقيت هذا التدخل، أهدافه ومساراته، وهو أمر قيل وسيقال بشأنه الكثير في قادمات الأيام، ولا سيما بعد فشل مفاوضات إسلام آباد، وبدء سريان "الحصار البحري" الذي أعلن دونالد ترامب فرضه على "المضيق" والموانئ الإيرانية.

في التوقيت والمسارات

من وجهة نظر كاتب هذه السطور، وفي ضوء ما توفر لديه من معطيات، فإن تنسيقاً رفيع المستوى، بين طهران وصنعاء، هو ما حسم مسألة التوقيت، وهنا تشير التقديرات إلى أن "أنصار الله" كانوا مرصودين لسيناريو "يوم القيامة"، أو "خيار شمشون" كما يُسميه البعض، وأن كل ما قيلَ وكُتبَ في شرح أسباب عدم انخراطهم المباشر في الحرب، أسوة بحزب الله وفصائل عراقية أخرى،  لم يكن دقيقاً، فلا هم فقدوا أنيابهم ومخالبهم وباتوا ركاماً أو "قوة محطمة" كما افترض البعض، ولا هم أبرموا "صفقة" من وراء ظهر طهران، يحظون بموجبها بحصة الأسد في أي ترتيبات لـ"يمن ما بعد الحرب" كما ظن بعضٌ آخر.

وإذ تنصرف الأنظار إلى باب المندب والملاحة في البحر الأحمر، بوصفهما "الورقة الأخيرة" التي تحوزها إيران، ويتولاها الحوثيون، فإن المعطيات المتوفرة تشير إلى أدوار تتخطى هذا المجال على أهميته الاستراتيجية، يمكن أن يتولاها أنصار الله تباعاً، أو على نحو متزامن، وفقاً لمجريات الحرب وتطوراتها، ويمكن التفكير بمساراتٍ ثلاثة يمكن أن يسلكوها:

أولاً؛ باب المندب والبحر الأحمر، وقد أتقنت الجماعة اليمينة، فنون القتال على هذه الجبهة، ونجحت في تعطيل ميناء إيلات بنسبة 85 بالمئة في حرب الإسناد الأولى، كما كشفت مصادر إسرائيلية، ما دفع "تل أبيب" للبحث عن مسارات بديلة لتجارتها وإمداداتها، عبر شواطئ المتوسط و"الممر الهندي"، وأحياناً من دول عربية تقيم علاقات معها... كما أن الجماعة نجحت في دفع واشنطن لإبرام اتفاق معها، بوساطة عُمانية، حيّدت بموجبه الولايات المتحدة أصولها التجارية والعسكرية المارة بالبحر والمضيق، نظير وقف الهجمات الأميركية على شمال اليمن، وكان لافتاً أن الإدارة الأميركية لم تُبدِ إصراراً على إدخال "إسرائيل" في مندرجات الاتفاق، ما عدّه مراقبون، "تخلياً تكتيكياً عن حليف في وقت المحنة".

اليوم، يبدو البحر والمضيق، في قلب "المهداف" الحوثي، ولا سيما إن تداعى الحصار البحري إلى تجدد حرب الغارات والصواريخ، وربما الانتقال إلى مواجهة برية، بين الإيرانيين والأميركيين على الشواطئ أو الجزر الإيرانية، في محاولة لفتح مضيق هرمز بالقوة، وانتزاعه من قبضة السيطرة الإيرانية.

صحيح أن معارك البر، تبدو مهمة أميركية انتحارية، غير مضمونة العواقب، لكن أغلب المراقبين لا يساورهم الشك، بأن النجاح الأميركي في الهبوط على اليابسة الإيرانية، لا يعني بالضرورة نجاحاً في فتح المضيق، ذلك أن إغلاقه عن بعد، بالصواريخ والمسيّرات الإيرانية سيظل احتمالاً مرجحاً، لكن واشنطن ستكون قد حققت إنجازاً معنوياً، وعطلت الصادرات النفطية الإيرانية، وفرضت حصاراً بحرياً محكماً على إيران.

هنا، وفي شرط كهذا، يبدو التلويح بورقة باب المندب كما حصل بالأمس، ردّا "معقولاً" وحاسماً، من وجهة النظر الاستراتيجية الإيرانية، فإذا كان "هرمز" مسؤولاً عن مرور 20 بالمئة من صادرات الطاقة، فإن إضافة باب المندب إليه، قد يرفع هذه النسبة، إلى قرابة الـ35 بالمئة من إجمالي التجارة والطاقة العالمية، وفقاً لتقديرات مختصين، وساعتئذ ستتسع دائرة الدول المشمولة بالحرب والمتضررة منها، وسيكون مبلغ 200 دولار، سعراً متوقعاً لبرميل النفط، وهذا أمر يفوق طاقة الاقتصادات العالمية على الاحتمال.

ثانياً؛ وما دمنا في حديث "الطاقة" وأسعار النفط والغاز، فإن بعضاً من التسريبات تحدث عن دورٍ لأنصار الله في استهداف مكامن الطاقة في السعودية والإمارات، ومن أهمها منصات تصدير النفط على الشواطئ الشرقية للبحر الأحمر، وهنا نفتح قوسين للإشارة إلى أن خط أنابيب "شرق-غرب" الذي كانت السعودية قد أنشأته قبل أزيد من أربعة عقود، زمن "حرب الناقلات" بين السعودية والعراق، وفعّلته مؤخراً، وقد بلغت طاقته الاستيعابية أزيد من سبعة ملايين برميل يومياً، مليونان منها يذهبان للاستخدام المحلي في المملكة، وخمسة ملايين أخرى، معدّة للتصدير.

وتشكل هذه الكمية من النفط التي تصل إلى ميناء ينبع، ما يقرب من نصف الفجوة القائمة في سوق العرض والطلب، والبالغة 11 مليون برميل، فإن هي أضيفت إليها، فإن الأسواق العالمية، قد تشهد أسوأ كوابيسها.

ثالثاً؛ في التسريبات التي أمكن الاطلاع على بعضٍ منها، يبدو أن أنصار الله مرصودون للتعامل مع سيناريو تجد فيه دول خليجية نفسها وقد انزلقت، طائعة أم مكرهة، في أتون هذه الحرب الضروس، الجماعة اليمنية سبق لها أن خاضت حرباً لسنوات سبعٍ عجاف، مع تحالف ضم السعودية والإمارات، أزهقت حيوات عشرات آلاف المواطنين، وتسبب بخسائر بمئات مليارات الدولارات، وما زالت ذيولها قائمة حتى يومنا هذا، فهي لم تنتهِ باتفاق أو معاهدة سلام، بل بتهدئات وهدنات مؤقتة.

لا يستبعد الحوثيون سيناريو استئناف الحرب، سواء بالقصف الصاروخي والمسيّرات ضد أهداف سعودية وإماراتية (سبق لهم ضرب أرامكو والتحليق فوق مطارات الإمارات)، والأخطر أنهم لا يستبعدون سيناريو تدخل بري ضد المملكة المجاورة، وبما يمكن أن يفضي إلى واحدة من أوسع عمليات خلط الأوراق، وتوسيع رقعة الصراع الإقليمي واستدخال أطراف جديدة إلى ساحاته وميادينه.

في هذا السياق، تكتسب الأنباء عن استحضار المملكة لـ 13 ألف جندي باكستاني، وأسراب من سلاح الجو، أهمية خاصة، فهذه القوة البرية، ليست مرصود لإنزالات على البر والجزر الإيرانية، ولا هي هجومية في جوهرها، فلا المملكة في هذا الوارد، مع أن منسوب مشاركتها الصامتة في هذه الحرب إلى ارتفاع، ولا الباكستان في هذا الوارد كذلك، والخطوة كما تبدو في مضمونها، احترازية لسيناريو تنفجر فيه المواجهات على البر السعودي، حال الانزلاق إلى السيناريو الأسوأ، ولا سيما إن قررت الرياض مغادرة مربع "الصبر التكتيكي" على الاستهدافات الإيرانية للقواعد الأميركية ومواقع إنتاج وتوزيع الطاقة على أرضها.

في الكوابح والتداعيات

حتى الآن، لا يبدو أن "إسرائيل" في وارد تركيز مواردها القتالية للرد على الضربات اليمنية المحدودة والمتدرجة، لكنها بلا شك، تعدّ العدة لسيناريو تنفتح فيه جبهة جديدة عليها، وربما على نطاق واسع.

في الحسابات الإسرائيلية، ثمة أطراف أخرى، يجب أن تقلق أكثر، حال انفتحت المسارات الثلاثة لتدخل الحوثيين في هذه الحرب... الولايات المتحدة ستكون أقل تساهلاً هذه المرة، فهي الساعية لفتح مضيق هرمز حتى بمغامرة عسكرية، لن تكون بوارد التسامح مع إغلاق مضيق آخر: باب المندب، وستجد دعماً أوروبياً عربياً ودولياً في مسعاها هذا، فأزمة الطاقة العالمية، باتت تُقرأ اليوم بمفردات الأمن القومي، لا بأرقام السوق والبورصات وأسعار المعادن فقط.

وبدل أن يتجه "مجتمع الراغبين في فتح مضيق هرمز" والمكون من ثلاثين دولة حتى الآن، صوب الخليج العربي، سيوسع دائرة "تفويضه" إلى "الأحمر" و"المضيق"، وسيكون بمقدوره توسيع نادي عضويته، بضم أعضاء جدد من نادي المتضررين من المسّ بحرية الملاحة في البحر الأحمر.

لكن "إسرائيل"، في مطلق الأحوال، ستنظر لتدخّل الحوثيين في الحرب، بوصفه حساباً جديداً يضاف إلى حسابٍ لم يغلق بعد، والمؤكد أنها حدّثت بنك أهدافها ووسعته، بعد أن اقتربت عسكرياً، وبالأخص استخبارياً من اليمن، إثر حضورها المتعاظم على أرض الصومال وفي القرن الأفريقي، وسنرى إن تداعت الأمور، حرباً بين اليمن و"إسرائيل" لا تقل ضراوة عن تلك التي تتوالى فصولها على الجبهة اللبنانية.

ولن تجد الرياض مشكلة جدية كذلك، إن هي قررت استعادة "التحالف العربي-الإسلامي" من جديد، أو في تفعيل اتفاقاتها الدفاعية مع دول عدة (كما حصل مع الباكستان)، وستبدي أطراف عربية وإسلامية، استعداداً أعلى من قبل، للانخراط إلى جانب المملكة، بما فيها تلك الأطراف التي لم ترَ في حرب 2015 حربها الخاصة، وانضمت إلى التحالف بخطى متثاقلة، أو رمزية، وبعضها سرعان ما خرج منه بمثل ما دخل إليه.

وستجد المملكة أطرافاً ومكونات يمنية متحفّزة لحسم الصراع مع خصمها الداخلي اللدود في صنعاء، ولا سيما بعد أن أحكمت الرياض قبضتها على الوضع المتفلّت في جنوب البلاد، بعد سنوات من "حرب الوكالة" التي خاضها حلفاء الأمس وقطبا التحالف، انتهت بتهميش نفوذ الإمارات لصالح المملكة وحلفائها... بعض هؤلاء، لا يخفي اقتناعه بأن اليمن سيكون أمام فرصة تاريخية نادرة، للتخلص من أنصار الله، نهائياً أو بإعادتهم إلى صعدة وعمران، تماماً مثلما يحدث في لبنان والعراق، حيث تنبري قوى محلية لاغتنام ما تعتقده "سانحة" من دون أن تحسب حساباً كافياً لاحتمال تحولها إلى "كارثة".

مقامرة أم مجازفة محسوبة

خلف جدار سميك من الشعارات الدينية والعقائدية، حول "نصرة الإسلام والمسلمين" و"الموت لأميركا وإسرائيل"، و"مناصرة المظلومين والمستضعفين في الأرض"، ثمة حسابات سياسية واستراتيجية، تقبع خلف قرار أنصار الله الانخراط في إسناد جديد، ولقد لخص أحد قادة أنصار الله الوضعية الراهنة للجماعة بالقول إنه "انتقال من وضع اليد على الزناد إلى الضغط عليه".

تبدأ هذه الحسابات بأن ليس لليمن ما يخسره إن هو دخل الحرب، فلا إعادة إعمار تحققت، ولا أفق سياسياً انفتح، ولا حصار رفع... لكنه لن يدخل الحرب دفعة واحدة، وعلى مسارات التدخل الثلاثة التي أشرنا إليها كما حصل بالفعل... وأن تفعيل مسارات التدخل سيتم بالتعاقب لا بالتزامن والتوازي، وستخضع مراحل تدخله لمراجعات وتقييمات، ودائماً بالتشاور والتنسيق مع الحلفاء، قبل أن يخطو خطوته التصعيدية التالية.

من بين مختلف الأطراف المهتمة في اليمن وأنصار الله الحوثيين، تبدو "إسرائيل" الأكثر قناعة بأن الجماعة، وإن كانت تربطها بطهران "عروة وثقى"، إلا أنها "الأكثر استقلالية" عنها، قياساً بمختلف أطراف ما يُعرف بـ"محور المقاومة"، ولديها من الموارد ما يدعم هذه الاستقلالية ويمكّنها... يعني ذلك من ضمن ما يعني أن الجماعة تدخل الحرب ذوداً عن مصالح ومكاسب تعزز دورها وحضورها الذي تطور من كونه "محلياً" محصوراً في اليمن، إلى دور "لاعب إقليمي" ما إن دخلت على خط إسناد غزة.

حسابات أنصار الله تتفق وتفترق مع حسابات حزب الله على سبيل المثال... كلا الفريقين ينظر لإيران بوصفها زعيمة المحور وراعيته، وإن هُزمت في هذه الحرب أو استسلمت، سترتد هذه النتيجة بأوخم العواقب على مختلف مكونات المحور، وإن هي صمدت وقاومت، سيكون لهذه المكونات، شأن أكبر محلياً وعلى مستوى الإقليم.

لكن بخلاف الحزب، فإن "الأنصار" لا يرونها معركة وجودية، فـ "إسرائيل" ليست بجوارهم ولا تحتل شبراً من أرضهم، وقدرتهم على تهديدها أعلى من قدرتها على تهديدهم، ولديهم من الأوراق والموارد والإمكانات، ما يجعلهم قادرين على البقاء، والانخراط في عملية سياسية يمنية، حتى وإن من موقع أضعف... بالنسبة لهم، فإن نتيجة الحرب قد ترفع من مكانتهم وقد تخفضها، بيد أنها في مطلق الأحوال، ليست حرب وجود.

يدرك الحوثيون أن دخولهم في الحرب لن يكون نزهة قصيرة، بيد أنهم يعتقدون أن الجغرافيا والديموغرافيا والطوبوغرافيا والجيوبوليتيك، تقاتل إلى جانبهم، وأن لديهم ما يكفي لإدارة "مقاومة طويلة الأمد"، وأنهم آخر من سيطلق صرخة ألم من جراء أي مواجهات محتملة... بالنسبة لهم، دخول الحرب ليس مقامرة، بل قد يكون أقرب إلى "المجازفة المحسوبة" كما يقول مؤيدوهم، أما معارضوهم فيرون أنه قد يَصح عليهم القول بأن "حساب الحقل لم يطابق حساب البيدر" هذه المرة.

ليس لهذه الحرب متعددة الجبهات، نتائج محسومة أو مضمونة سلفاً لأي من أطرافها، وهي كلما اقتربت من كونها حرب وجود لإيران وحلفائها، وحرب "منع انهيار الإمبراطورية" من منظور واشنطن، كلما ازدادت حساباتها تعقيداً، وكلما تداعت عندها السقوف وتساقطت الخطوط الحمر، وكلما تعاظم استعداد الأطراف استتباعاً، لتقديم المزيد من الأثمان.

الجمهورية الإسلامية في إيران تعلن في الأول من آذار/مارس 2026 استشهاد القائد الأمة السيد علي خامنئي في مقر عمله في "بيت القيادة"، إثر العدوان الأميركي الإسرائيلي على البلاد.