التكنولوجيا كلغة استعمار: لماذا يطلب هاكابي من اللبنانيين شكر "إسرائيل"؟
بعد دعوة مايك هاكابي اللبنانيين إلى "شكر إسرائيل" على الهواتف المحمولة والطماطم الكرزية. ماذا يعني أن تطالب دولة استعمارية ضحاياها بشكرها؟ وهل باتت التكنولوجيا أداة امتنان قسري؟
كان ينقص مايك هاكابي، سفير الولايات المتحدة لدى "إسرائيل"، كنبة محلّل نفسي يتمدّد عليها حين أدلى بتصريحه الأخير، حتى يكتمل مشهد الهذيان الإمبراطوري في "العالم الجديد الشجاع": مسخ استعماري يطالب ضحاياه بالامتنان لكيان الاحتلال لأنه، بحسب زعمه، منحهم هواتف ذكية وبطيخاً بلا بذر.
بخفة تبلغ الكوميديا السوداء، ولكن بصلافة جلفة لا ينطق بها سوى عقل استعماري فقد عقاله، دعا هاكابي اللبنانيين إلى إبداء العرفان كلما تناولوا بطيخاً بلا بذر، أو أكلوا طماطم "كرزية"، أو استعملوا هاتفاً خلوياً، أو حتى وصلة "يو.أس.بي"، معتبراً أن هذه المنتجات تمثل ثمار الابتكار الإسرائيلي.
Ambassador Mike Huckabee: Everyone in Lebanon should be thanking Israel for making their lives easier by inventing cherry tomatoes. pic.twitter.com/mkBiENYktA
— Chris Menahan 🇺🇸 (@infolibnews) May 24, 2026
من الفلافل والحمص إلى التاريخ الشامي، ومن الأرض الفلسطينية إلى رموز المنطقة وذاكرتها، لم تتوقف "إسرائيل" يوماً عن ممارسة السرقة بوصفها عقيدة تأسيسية ودافعاً وجودياً. الجديد هذه المرة أن السطو لم يطاول فقط البطيخ الخالي من البذور، وهو فاكهة طُوّرت في اليابان في الأصل، بل طال فكرة أكثر اتساعاً وتعقيداً: احتكار التكنولوجيا بوصفها نتاجاً إنسانياً تراكمياً عابراً للقارات، وجعلها ملكية حضارية لدولة استعمارية.
ما يكشفه خطاب هاكابي، في جوهره، ليس مجرد هذر سياسي بل الاعتقاد بأن التكنولوجيا تنتمي قومياً إلى "إسرائيل"، وكأن هذا الإرث الهائل وُلد داخل مختبرٍ قومي مغلق، وليس ثمرة تراكم إنساني شاركت في صنعه قارات بأكملها.
إذا كان الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، بفجاجته واستبداده ونرجسيته المنفلتة، قد كشف الوجه الحقيقي لأميركا بوصفها حضارة فاقدة لعقالها، فإن مايك هاكابي يمثّل الوجه العقائدي الأكثر عرياً للمشروع الإسرائيلي.
-
هاكابي ونتنياهو وروبيو عند حائط البراق
ذلك الأميركي الإنجيلي الذي اقترح تحويل غزة إلى "ريفييرا" يبدو ابناً مثالياً للسياق الاستعماري نفسه؛ الخيال ذاته الذي تنتمي إليه أصوات إسرائيلية متطرفة صدرت عنها تصريحات تحريضية ضد شعوب المنطقة وأطفالها.
هذه التصريحات، التي تبدو أقرب إلى هذر هستيري، إنما تكشف نموذجاً سياسياً معاصراً يرى العالم مقسوماً بين بشر يحتكرون التاريخ والتكنولوجيا والحياة لأنفسهم، وآخرين يُسرَقون ويُنظر إلى موتهم بوصفه تفصيلاً تقنياً في إدارة القوة. في هذه العائلة الإمبراطورية المريضة، لا يبدو ترامب أباً سياسياً بقدر ما يظهر منفذاً فجّاً لرغبات أبنائه العقائديين.
"احذر أن تزرع إسرائيل في رأسك"
بينما نكتب هذه الكلمات على لوحة المفاتيح، يفترض بنا، بحسب مايك هاكابي، أن نؤدي طقس امتنان لــ "إسرائيل". كان ميشال فوكو، في سبعينيات القرن الماضي، قد شرح كيف لم تعد السلطة الحديثة تُمارس عبر القمع المباشر وحده، بل عبر المراقبة والتأديب وإدارة الحياة، من خلال تسرّبها إلى الأجساد والرغبات والعادات والتفاصيل الدقيقة التي تشكّل وجودنا اليومي.
وكان أستاذه لويس ألتوسير قد ذهب أبعد حين تحدّث عن "النداء" باعتباره آلية تستدعي بها الإيديولوجيا الأفراد إلى داخلها، حتى وهم يظنون أنهم يتصرفون بحرية كاملة. هاكابي، في تبجحه الإمبراطوري، لا يفعل سوى إعادة صياغة هذا النداء بلغة التكنولوجيا: حين تلمس هاتفك، أو تستعمل وصلة "يو.إس.بي"، أو حتى تأكل بطيخاً بلا بذر، عليك أن تتذكر من يملك الحضارة، ومن يفترض بك أن تشكره عليها.
على أن الأخطر في كلام هاكابي ليس دعوته السخيفة إلى "تذكّر" إسرائيل كلما لمسنا هاتفاً محمولاً، وبالتالي الامتنان لها، إنما الفكرة الضمنية التي تختبئ خلف هذا التذكّر: أننا مدينون أخلاقياً وسياسياً لمن يحتكر التكنولوجيا وينسب إلى نفسه نتاجاً إنسانياً تراكمياً شاركت في صنعه شعوب وقارات بأكملها.
هكذا تتحول التقنية من إنجاز بشري تراكمي ومشترك إلى سلطة يفرضها المستعمِر القوي كأداة إخضاع وابتزاز معاً؛ ابتزاز عرف العالم صورته الأكثر رعباً مع القنبلة الذرية، إلا أنه يعود اليوم متخففاً من هيبته الكارثية، ومتسللاً إلى أكثر الأشياء يومية وعادية.
الأخطر في كلام هاكابي ليس دعوته السخيفة إلى "تذكر" إسرائيل كلما لمسنا هاتفاً محمولاً، إنّما الفكرة الضمنية التي تختبئ خلف هذا التذكر: أننا مدينون أخلاقياً وسياسياً لمن يحتكر التكنولوجيا وينسب إلى نفسه نتاجاً إنسانياً تراكمياً شاركت في صنعه شعوبٌ وقارات بأكملها.
غدت التكنولوجيا، في العقل الاستعماري، وثيقة خضوع صامتة، وكأن لسان حال المستعمِر يقول: بما أننا نملك التكنولوجيا، فيفترض بكم أن تقبلوا هيمنتنا، وأن تنظروا إلى قوتنا بوصفها قدراً طبيعياً، وأن تعتبروا تفوقنا التقني دليلاً على أحقيتنا بالسيادة. وإن رفضتم هذا القدر، أو حاولتم مقاومته، فلن نتردد في استخدام التكنولوجيا نفسها لمعاقبتكم وقتلكم بها. أليست هذه هي الرسالة ذاتها التي كشفت عنها "إسرائيل"، بكل تباهٍ، في "إنجازها" الأمني والتقني المتمثل بتفجيرات أجهزة "البيجر" في لبنان؟
مأزق الحداثة
-
مجزرة اسرائيلية في جنوب لبنان
الحداثة الغربية، التي وعدت الإنسان بتحريره عبر التقنية وانتشاله من ظلمات الخرافة، تعود اليوم لتستخدم التقنية نفسها أداة للإخضاع، بل للاستعباد. ما يكشفه خطاب هاكابي، في جوهره، ليس مجرد هذر سياسي، بل اعتقاد بأن التكنولوجيا تنتمي قومياً إلى "إسرائيل"، وكأن هذا الإرث الهائل وُلد داخل مختبر قومي مغلق، لا بوصفه ثمرة تراكم إنساني شاركت في صنعه قارات بأكملها، من مناجم الكونغو ومصانع آسيا، مروراً بالعقول المهاجرة، وصولاً إلى الموارد المنهوبة مما يسمى الجنوب العالمي.
غير أن الكيان الذي وُلد على الاستيلاء ومحو الذاكرة لا يستطيع النظر إلى التاريخ إلا بوصفه غنيمة؛ وها هو اليوم يحاول تقديم التكنولوجيا نفسها كدليل تفوق حضاري يخصّه وحده.
هذا كله يدفعنا إلى استحضار أطروحة الاقتصادي والمفكر السياسي اليوناني، يانيس فاروفاكيس، حول "الإقطاع التكنولوجي". فإذا كان فاروفاكيس قد شرح كيف حوّلت المنصات الرقمية العالم إلى إقطاعية جديدة تحتكر البيانات والانتباه والبنية التحتية للحياة المعاصرة، فإن خطاب هاكابي يكشف الوجه الاستعماري الفجّ لهذا الإقطاع.
الجديد في تصريحات هاكابي أن السطو لم يطاول فقط البطيخ الخالي من البذور، وهو فاكهة طُوّرت في اليابان في الأصل، بل طال فكرة أكثر اتساعاً وتعقيداً: احتكار التكنولوجيا بوصفها نتاجاً إنسانياً تراكمياً عابراً للقارات، وجعلها ملكية حضارية لدولة استعمارية.
لم يعد الاستعمار، الذي ينظر إلى الدول المستعمَرة وشعوبها بعين الإقطاعي إلى رعاياه، يُمارس عبر الدبابة وحدها، بل عبر السيطرة على التكنولوجيا نفسها، وتحويلها إلى سند للسيادة والتوسع والهيمنة.
عندئذ لا يعود الهاتف الذكي مجرد أداة اتصال، حيث يغدو تذكيراً دائماً بمن يعتقد أنه يملك العالم، ويطالب الآخرين بالامتنان لأنهم يعيشون داخله.
يرسم خطاب هاكابي لنا وجهة الحرب مع "إسرائيل"، إذ تقوم هذه الحرب، في أحد أعمق وجوهها، على معركتين متلازمتين: حرب على الذاكرة، مع من يريد لنا أن نتذكر "إسرائيل" و"تقنيتها" كلما لمسنا هاتفنا أو تذوقنا حلاوة البطيخ بلا بذر؛ وحرب على المعرفة.
في الأولى، لا يكمن الخلاص في النسيان، إنما في استعادة التذكّر الصحيح: تذكّر أن هذا الكيان سارق، وأنه يحاول سرقة ذاكرتنا ووعينا، وأنه مهما بدا متفوقاً ومحصناً، يبقى مشروعاً استعمارياً، وأن الاستعمار، بحكم التاريخ، ليس قدراً أبدياً.
أما الحرب على المعرفة فهي أكثر تعقيداً وخطورة، لأنها تتعلق بموقعنا داخل العالم الذي تحتكره الإمبراطوريات تقنياً ومعرفياً. وهنا لا تكفي البلاغة ولا الشعارات، بل يصبح إنتاج المعرفة وبناء البنية العلمية والتقنية جزءاً من معنى التحرر نفسه.


