التفاوض بالنار 12 يوماً حاسمة في الشرق الأوسط

لم يكن سعي إيران نحو النووي فعلاً عبثياً أو انفعالياً إنما هو انعكاس لوعي عميق بموقعها في خارطة الخطر الجغرافي، إيران وجدت أنّ امتلاك التقنية النووية ليس ترفاً علمياً لكنّه ضرورة استراتيجية وشرط من شروط البقاء.

  • التفاوض بالنار  12 يوماً حاسمة في الشرق الأوسط
    التفاوض بالنار 12 يوماً حاسمة في الشرق الأوسط

"التفاوض بالنار" كتاب من وحي الحرب بين "إسرائيل" وإيران للدكتورة سوسن الدوري تضيء فيه على المواجهة التي لم تكن عسكرية بل لحظة كاشفة، فحين تفشل السياسة تصبح النار لغة الحوار، علماً أنّ الصراع لم يكن على أرض أو حدود لكن على الشعور بالأمان نفسه، فكلّ طرف يرى الآخر بوصفه تهديداً لوجوده لا مجرّد خصم سياسي يمكن التفاهم معه. إيران تنظر إلى "إسرائيل" كامتداد لمشروع استعماري يسعى لتطويقها، و"إسرائيل" ترى في إيران دولة عقائدية نووية معادية قادرة على محوها، وفي العمق يتحرّك الطرفان من مكان واحد هو الخوف من الآخر لا الرغبة في التفاهم معه؟.

كتاب "التفاوض بالنار 12 يوماً حاسمة في الشرق الأوسط"، المؤلفة د. سوسن الدوري، صادر عن دار الفارابي 2026 بيروت.

رموز الذاكرة الثقيلة

ترسم الدكتورة سوسن الدوري في كتابها "التفاوض بالنار" ملامح الحرب التي جرت خلال 12 يوماً بأنها لم تولد من الحديد والنار وحده، لذا جاءت محمّلة برموز ثقيلة وضاغطة في تاريخ المنطقة وساكنيها منذ قرون؛ منها كورش الكبير حاضر في الذاكرة اليهودية بوصفه محرّراً يمنح مشروعهم معنى تاريخياً، وكربلاء حاضرة في الذاكرة  تُغذّي الوجدان الإيراني بروح الفداء والمقاومة.

هذا الكتاب لا يُحلّل الحرب ولا يلاحق تفاصيلها لكنه يحاول أن يقترب من جذورها الأعمق تلك التي تختبئ في الوعي والخطاب والذاكرة، ويحاول أن يُفكّك جذورها النفسية والعقائدية والتاريخية ويطرح سؤالاً:

هل يمكن للإنسان أن يستعيد قدرته على الرؤية وأن يطفئ بالوعي ما أشعلته (الرموز) حين تتحوّل إلى أسوار بين الشعوب. 

ترى المؤلفة أنّ الدين لا يُمارس كعقيدة شخصية فقط، لكنه يُوظّف كأداة شرعية لبناء الهوية الجماعية وتعبئة الجماهير وتبرير السلوك السياسي والعسكري.

يستعرض كتاب "التفاوض بالنار"، كيف يتمّ استحضار مفاهيم جاهزة لتشكيل صورة العدو والصديق، وتحويل الصراع إلى مواجهة بين "الحقّ والباطل"، ويقدّم رؤية متكاملة تربط بين القريب والبعيد، وعمقاً بنيوياً للصراع بعيداً عن التبسيط أو التحليل التقني. وبالتالي فإنّ هذه المنهجية لا تكتفي بشرح "ما يحدث" وتسعى للإجابة عن "لماذا يحدث" و"كيف يُبرّر" و"ما الرموز التي تُحرّكه" وخلفياته التاريخية. في هذا السياق المشتعل يأتي هذا الكتاب: "التفاوض بالنار – 12 يوماً حاسمة في الشرق الأوسط – من وحي الحرب بين "إسرائيل" وإيران".

تنطلق د. سوسن الدوري برحلتها من جذور – الماضي الذي جمع الفرس واليهود في تحالفات متقلّبة – من كورش الكبير الذي حرّر اليهود وبنى معهم جسور التسامح إلى تحالفات الشاه مع "إسرائيل" وصولاً إلى انفجار الكراهية في عصر الثورة الإسلامية. تكشف المؤلفة كيف ظلت رواسب التاريخ تتخمّر في الذاكرة وكيف انتقلت من السرديات الدينية إلى صراع وجودي تُغذّيه الجغرافيا والمصالح والهاجس النووي، ثم تدخل في تفاصيل الأيام الاثني عشر التي هزّت الشرق الأوسط.

التفاوض بالنار

هذا الكتاب يطرح أسئلة صعبة ولا يقدّم نبوءات كما تعرّفه د. سوسن الدوري:

ما معنى القوة في زمن محيّر؟

ما مصير منطقة تدير مفاوضاتها بالصواريخ؟

كيف يمكن إيقاف الحريق قبل أن يلتهم ما تبقّى من أمل؟

كتاب "التفاوض بالنار – 12 يوماً حاسمة في الشرق الأوسط – من وحي الحرب بين "إسرائيل" وإيران" هو دعوة لفهم مفاعيل الحريق لا الاستسلام، ونداء لوعي يتجاوز الخوف وإيمان بأنّ السلام لا يولد من قصف الطائرات بل من قرار الإنسان – أيّ إنسان أن يوقف الدمار في عقله قبل أن يُطفئه في أرضه. لم يكن سعي إيران نحو النووي فعلاً عبثياً أو انفعالياً إنما هو انعكاس لوعي عميق بموقعها في خارطة الخطر الجغرافي، إيران وجدت أنّ امتلاك التقنية النووية ليس ترفاً علمياً لكنّه ضرورة استراتيجية وشرط من شروط البقاء.

أما "إسرائيل" التي ترى في إيران خصماً عقائدياً واستراتيجياً فإنّ موقعها ينبع من مزيج من الرعب والتفرّد، فهي القوة الوحيدة التي تمتلك السلاح النووي في المنطقة، وتراه جزءاً من تفوّقها الوجودي ولا يمكن أن تسمح بتكرار هذا النموذج في يد عدو يرفض الاعتراف بها ويشكّك في شرعية كيانها، والمعادلة بالنسبة لها ليست فقط أمنية لكنها وجودية بكلّ معنى الكلمة.

الخطاب الثوري للإمام الخميني

يلاحظ كتاب "التفاوض بالنار – 12 يوماً حاسمة في الشرق الأوسط – من وحي الحرب بين "إسرائيل" وإيران" أنّ المؤسسة الدينية الشيعية وبشكل خاصّ الخطاب الثوري الذي أطلقه الإمام الخميني أدّى دوراً حاسماً ومحورياً في صياغة العداء وتأصيله في الوعي الجمعي للثورة والدولة الإيرانية الجديدة، لقد دفعت الحرب إيران إلى تسريع عملية عسكرة المجتمع وتطوير قدراتها الذاتية بشكل غير مسبوق، ففي ظلّ الحصار الدولي والحاجة الملحّة للبقاء، أُجبرت إيران على بناء صناعة عسكرية محلية قوية ومتطوّرة بكلّ أنواعها، هذه القدرات التي تمّت تنميتها في أتون الحرب وتحت ضغط الحاجة القصوى أصبحت لاحقاً الأساس لقوة إيران الإقليمية وقدرتها على تحدّي القوى الكبرى، خاصة أنّ امتلاك إيران لقنبلة نووية يُمثّل تهديداً وجودياً ومباشراً لا يمكن احتماله بأيّ شكل من الأشكال. 

و"إسرائيل" التي تعيش في محيط إقليمي معادٍ وتُطبّق عقيدة أمنية تقوم على مبدأ الردع والتفوّق النوعي، لم تقف مكتوفة الأيدي أمام ما تعتبره تهديداً نووياً وشيكاً يمسّ أمنها القومي بشكل مباشر، لذا اعتمدت استراتيجية متعدّدة الأوجه لعرقلة البرنامج النووي الإيراني تُعرف غالباً بحرب الظلّ أو الحرب الباردة بين البلدين والتي لم تكن لتُعلنها "إسرائيل" رسمياً، هذه الاستراتيجية شملت مجموعة واسعة من العمليات السرية والتكتيكات التخريبية والضغط الدبلوماسي المكثّف بهدف إبطاء أو تعطيل التقدّم الإيراني حتى الاغتيالات المستهدفة لأبرز العقول العلمية في البرنامج النووي الإيراني.

تراكم هذه الأحداث وتصاعد حرب الظلّ إلى مستويات غير مسبوقة هو ما جعل اندلاع الحرب الشاملة في عام 2025 أمراً حتمياً وليس مجرّد احتمال بعيد، وكانت هناك عدة علامات رئيسية تُشير إلى أنّ المنظقة كانت تتجه نحو نقطة اللاعودة.

أولاً: بلغ تصاعد التخصيب الإيراني لليورانيوم مستويات عالية جداً وغير مسبوقة مما قرّبها كثيراً مما تُسمّى نقطة الاحتراق (Breakout Point )، وهي القدرة على إنتاج ما يكفي من المواد الانشطارية لصنع سلاح نووي في فترة زمنية قصيرة جداً.

 ثانياً: شهدت الأشهر والسنوات التي سبقت عام 2025 زيادة غير مسبوقة في وتيرة الضربات المتبادلة بين الطرفين، إذ كثّفت "إسرائيل" غاراتها الجوية في سوريا والعراق ضدّ الأهداف الإيرانية كذلك للحلفاء، ووسّعت نطاق هذه الضربات لتشمل أهدافاً لم تكن تُستهدف من قبل في المقابل ردّت إيران بطرق متعدّدة.

المواجهة المباشرة

إنّ ما جرى في فجر الثاني والعشرين من حزيران/ يونيو لم يكن مجرّد ضربة عسكرية، إنه إعلان صريح بأنّ مرحلة جديدة من العلاقات الدولية قد بدأت، وأنّ قواعد اللعبة في الشرق الأوسط تتغيّر بشكل سريع تحت وقع القنابل والطائرات الشبحية والمصالح المتداخلة والتوازنات المتقلّبة، وستظلّ هذه الضربة نقطة مرجعية في تاريخ الصراع بين إيران و"إسرائيل" والولايات المتحدة وبين منطق القوة ومنطق الردع في عالم لا مكان فيه للفراغات ولا للضعف في مناطق الحسم الجيوسياسي الكبرى. 

إنّ الاثني عشر يوماً التي اشتعلت خلالها الأحداث في الشرق الأوسط، وتحديداً ما بين الضربة الأميركية في الثاني والعشرين من حزيران/ يونيو والإعلان المفاجئ عن نهاية الحرب، شكّلت مشهداً جيوسياسياً بالغ التعقيد والدلالة، وإنّ هذه الحرب القصيرة التي اندلعت فجأة وانتهت على نحو غير متوقّع لم تكن مجرّد سلسلة من الضربات والانفعالات العسكرية المتبادلة بل بدت وكأنها عملية محسوبة بدقة أُديرت بعناية فائقة لتحقيق أهداف استراتيجية تتجاوز ما يظهر على السطح من أحداث.

كتاب "التفاوض بالنار – 12 يوماً حاسمة في الشرق الأوسط – من وحي الحرب بين "إسرائيل" وإيران" لا يبرّر المواجهة ولا يمجّدها كما تكشف د. سوسن الدوري، لكنه يقدّم قراءة معمّقة للحرب بوصفها ظاهرة سياسية وإنسانية تتجاوز ساحات القتال، ويعمل على تفكيك منطقها ويكشف الندوب التي تخلّفها في الوعي الجمعي ومستقبل الشعوب في منطقة حبلى بالموروثات والأديان والعقد التاريخية، وذلك من خلال تقاطع التحليل الجيوستراتيجي مع علم الاجتماع السياسي وقضايا الطاقة والأمن مع رؤية ترى الإنسان أولاً، لأنّ ما حدث بين إيران و"إسرائيل" وأميركا كما يقرأه الكتاب لم يكن مواجهة عسكرية محدودة بل كانت لحظة كاشفة حين تفشل السياسة وتصبح النار لغة التفاهم، في حوار التحدّي الذي شهدنا منه الفصل الأول حتى الآن.

اخترنا لك