أن تتحدّث بأكثر من لسان بوهم العالمية!
تعتني معظم دور النشر الأوروبية بكتابات المهاجرين، أولئك الذين أتوا إلى الكتابة من "بريد القرّاء" في صحف بلادهم تحت بند المظلومية السياسية والاضطهاد الهوياتي.
ما قيمة تعدّد الألسن للكتاب العربي، نقصد حال الترجمة من لغة الضاد إلى اللغات الأخرى بوهم العالمية، فنحن نقرأ كل يوم تقريباً العبارة الآتية "ترجمة روايتي إلى اللغة الإنكليزية أو الألمانية أو الفرنسية"، لكن ما يحدث فعلياً، أنّ الكتاب العربي المترجم، الروايات على نحو خاصّ لا تترك أثراً واضحاً في سياق الروايات العالمية، ذلك أنها أتت كمحصّلة لولادة قيصرية عسيرة أو نتيجة لشبكة علاقات عامّة، وإذا بهذه الرواية أو تلك يغطيها الغبار فوق رفوف المكتبات، وفي أحسن الأحوال يهتمّ بها دارسو الأدب العربي في الجامعات بوصفها درساً في السوسيولوجيا لا الأدب، ذلك أنّ المترجم لا تعنيه تقنيات السرد بقدر ما يعتني بكيفية تفكير الشخصيات وطقوس العيش في مجتمعات مغلقة.
لوثة العالمية
هكذا تتراكم العناوين، لكنّ المتون تبقى مجهولة تقريباً، إلا أنّ أصحاب هذه الروايات يتصرّفون على أنهم عالميون، في حين بالكاد يعرفهم أحد في بلدانهم.
هذه اللوثة تزداد اتساعاً تبعاً لخرائط السمسرة والمنح الأدبية، والقدرة على تفصيل نصوص على مقاس ما يغوي الآخر من ثيمات سردية مثل المثليّة، وشخصية اليهودي، وتصدير الغسيل الوسخ خارجاً، وكل ما يتكفّل به "المخبرون المحليون". أولئك الذين تبرّعوا في إهداء الأجنبي ما يرغب من أوهام عن الشرق، أو نخبة ما بعد الاستعمار أو "المثقف الكمبرادور".
في هذا السياق اشتغل المفكّر الإيراني، حميد دباشي، على فضح هذه النماذج في أطروحة صريحة قائلاً: "إنّ المثقفين الكمبرادوريين هم مخبرون محليّون لدى الإمبريالية، لكنهم ليسوا في أوطانهم، إنّهم هناك، حيث القرار، وحيث التخطيط الاستراتيجي بشأن (العالم الثالث)، عالمهم الذي أتوا منه، إنهم كارهون للذات؛ ذاتهم، وماضيهم، ويعتقدون أنّ التنوير والعقلانية والاستنارة تكمن في هيمنة الغرب على بلدانهم، ومن ثم؛ فهم يتكلّمون من داخل أفق حقوق الإنسان وحقوق المرأة في العالم الإسلامي والعربي، على النحو الذي حاولت أن توصله آذار نفيسي، في كتابها ذائع الصّيت (أن تقرأ لوليتا في طهران)".
مجهولو النسب
قال مرّة زكريا تامر بعد ترجمة أحد كتبه إلى الإيطالية: "لم أفهم من هذه النسخة سوى اسمي: زكريانو تاميرانا". وكأنّ المهم بالنسبة لمن أصابتهم حمّى الترجمة إضافة عبارة "تُرجمت أعماله إلى...." لوضعها في السيرة الذاتية للكاتب بصرف النظر عن قيمة المحصول في التلقّي.
المفارقة أنّ الطبعة العربية المحدودة سترقد فوق البيض سنوات حتى تفقّس لدى حفنة من القرّاء، والحال، كيف تكون عالمياً، وأنت مجهول النسب في الحيّ الذي تقطنه؟
يجيب أمين الزاوي على مثل هذه الاضطرابات في سلّم النشر إلى اللغات الأخرى "بعض الروائيين يعيشون على وهم "حمل كاذب" أو شهرة فارغة، شهرة نجوم "الدشرة" أو "نجوم العزبة" أو "نجوم القبيلة"، هذه الشهرة الزائفة تمتحنها مباشرة الكيفية التي تستقبل بها ترجمة نصوصهم إلى لغات أجنبية، فحين تُترجم رواياتهم وتُنشر في البلدان الأوروبية تكتشف المستوى البئيس أو في أحسن الظروف المستوى العادي لهذه النصوص التي لا تثير أي فضول لدى القارئ في اللغات الأجنبية، ويستغرب القارئ الأجنبي كيف لقارئ سوي أن يحبّ مثل هذه النصوص ويصنّفها ضمن كتابات النجوم؟".
إرضاء نزوات الآخر
على المقلب الآخر، ربما علينا أن نفحص نظرة الآخر إلى اللغة العربية ذاتها بوصفها لغة مقدّسة، وتالياً، لن تنتج أدباً رفيعاً، طالما أنها مقيّدة بثنائية الحلال والحرام، لذلك يلجأ المترجمون إلى ترجمة النصوص المارقة، تلك التي تنبذ هويتها الأصلية بقصد إرضاء نزوات الآخر الاكزوتيكية، أكثر منها جرعة إضافية للأدب العالمي.
الآن، تعتني معظم دور النشر الأوروبية بكتابات المهاجرين، أولئك الذين أتوا إلى الكتابة من "بريد القرّاء" في صحف بلادهم تحت بند المظلومية السياسية والاضطهاد الهوياتي.
يشير المترجم عز الدين بركة إلى هذه الظاهرة بقوله: "في الأوساط الثقافية الغربية، وأتحدّثُ هنا عمّا له صلة بالثقافة العربية، في مجالات الأدب والفكر والفنّ، التي أعرف طقوسها وأتابع مناخاتها، توجد في كلّ بلد غربيّ تقريباً طائفة من المستشارين تمثّل مرجعية لدى دور النشر، والمؤسسات الثقافية، والأوساط الإعلامية. وهي من تتولّى انتقاء الأعمال وتزكية الأفراد الذين يجوز وضعهم في دائرة الضوء، إعلامياً وإبداعياً، وترشيحهم إن لزم الأمر إلى نيْلِ الجوائز وحيازة التكريمات. وغالباً ما تكون الاعتبارات المحيطة بهذا الاحتفاء، ذات الطابع السياسي والأيديولوجي، حاضرة بقوة في هذا التقييم ومقدَّمة على القيمة الجمالية للإبداع، ولا تمتّ بصلة للعمل بمعزل عن صاحبه".
كما لو أنك من سلالة شكسبير!
نتحدّث هنا عن فوضى الترجمة، ووهم الكتّاب العرب بالصعود إلى قطار العالمية، لكنه باستثناءات نادرة، قطار يعمل على الفحم الحجري لا أكثر!
ربما، ستحصل قفزة في الفراغ قريباً، بإلغاء دور المترجم لمصلحة برامج الذكاء الاصطناعي، إذ سيلجأ الكاتب العربي إلى ترجمة نصوصه بنفسه، كما لو أنه سليل شكسبير أو موليير أو غوته أو دستويفسكي، فالساحة مفتوحة أمام الجميع من دون حواجز، وتالياً، لن نستهجن أن يصبح السمكري كاتباً، بعد أن أدركته حرفة الأدب!