أسامة همداني: حياتي كلها موسيقى.. وبها أنتصر لقضيتي
لبنانيّ من أصول إيرانية، قضى شطراً من حياته في مصر. أسباب كافية لتفسير تميّز نتاج أسامة همداني الموسيقي إلى الحدّ الذي جعله واحداً من أهم الملحّنين في لبنان.
خروج أسامة همداني من منزله في النبطية جنوبي لبنان بفعل العدوان الإسرائيلي الأخير، لم يمنعه من الإنتاج الموسيقي بوتيرةٍ عالية وسويةٍ فنية أعلى.
ومن اللافت أن نتاجه في زمن الحرب لم يقتصر على تلحين الأناشيد الحماسية، وهو الرائد في هذا المجال، بل طغت عليه الموسيقى الكلاسيكية، وهي شغفه الأول. فكيف استطاع الفنان النازح أن يحافظ على شغفه في ظلّ حربٍ طاحنة أفقدته عدداً كبيراً من أحبائه؟
في حديث مع "الميادين الثقافية"، يقول همداني إن: "الموسيقى هي كل حياتي، ووجودي مرتبط بما أقدّمه وأنتجه في هذا المجال"، مؤكّداً أنه يتأثر بما يحصل من قتل ودمار، ولكنه لا يسمح لهذا التأثر بالتحوّل إلى سببٍ للإحباط والتثبيط، بل إلى دافعٍ لمزيد من الإنتاج الموسيقي، مضيفاً: "لا أملك الآن سوى الموسيقى، وهذا دوري وواجبي".
من ضاحية بيروت إلى القاهرة
-
أسامة همداني طفلاً
وُلِد أسامة همداني في منطقة حيّ السلم في الضاحية الجنوبية لبيروت، ومع بدء الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975 انتقلت العائلة، الإيرانية الأصل، للإقامة في القاهرة. ورث الميول الفنية من والده عازف العود وجدّه عازف البزق، كما استفاد من وجوده في مصر في زمن التحولات الفنية وتأسيس الفرق التي يذكر منها فرق هاني شنودة وعمّار الشريعي وعزّت أبو عوف. وهو يتوقف بشكلٍ خاصّ، في حديثه معنا، عند حميد الشاعري، الذي تزامن وجود العائلة في مصر مع فترة سطوع نجمه والتحوّل الكبير الذي أحدثه في الموسيقى المصرية وأنماطها.
خروج أسامة همداني من منزله في النبطية جنوبي لبنان بفعل العدوان الإسرائيلي الأخير، لم يمنعه من الإنتاج الموسيقي بوتيرةٍ عالية وسويةٍ فنية أعلى.
كما تزامن هذا كله مع طفرة في عالم الموسيقى الغربية التي كانت تصل إلى أسامة الطفل عن طريق شقيقه الأكبر، من والدته، الذي كان يستمع إلى فرق أجنبية شهيرة مثل "البيتلز". هكذا كان المخزون المتنوّع، إذا ما أضيف إليه عزف الوالد على العود في السهرات المنزلية على ضوء القنديل بعد العودة من القاهرة إلى حيّ السلم، سبباً في صناعة الخلفية الموسيقية للفتى العاشق للنغم.
الأذن قبل العين أحياناً
-
أسامة همداني منشداً
شغف الموسيقى عند أسامة همداني سبقه وزاحمه شغف آخر هو الرسم. فبعد تجلّي موهبته الموسيقية طفلاً، انشغل فجأةً برسم البورتريهات، وشجّعته العائلة من خلال الدعم الدائم وتوفير كل الحاجات والمستلزمات، لينشغل مجدداً عن الرسم بالموسيقى بفضل شقيقه أحمد، ثم يعود إلى الرسم من خلال دراسته الفنون التشكيلية في كلية الفنون لصقل موهبته أكاديمياً. لكن المسار الآخر في حياته كان يتقدّم ببطء حتى استعاد مكانته وسرقه لاحقاً من كل شيء، فكانت له الكلمة الفصل.
دور أحمد همداني، الأخ الأكبر لأسامة والملحّن المعروف حالياً، في مسيرته الفنية، بدأ حين اقتنى "أورغ" صغير الحجم، 3 أوكتاف، وصار يعزف بعض المقطوعات أمام أفراد العائلة "على السمع". وحين يغادر المنزل، كان يضع آلته العزيزة على قلبه في درج مقفل بإحكام، ولأن كل ممنوع مرغوب، كان أسامة يخلع القفل ويباشر العزف، وما إن يرى أحمد عائداً حتى يعيد "الأورغ" إلى مكانه. لكن فشله في إعادة القفل إلى حالته في إحدى المرّات كلّفه "علقة ساخنة" كما يقال بالدارجة المصرية من شقيقه الأكبر.
لكن سيأتي يوم يسلّم فيه زكريا قصير، باسم فرقة "الإسراء"، أورغاً جديداً وكبيراً لأحمد، الشاب الصاعد الذي آمنت الفرقة بموهبته، لعلّه يساعده في صناعة ألحان مميزة، وسيكون هذا كافياً كي يقدّم أحمد "الأورغ" الصغير خاصته لشقيقه الأصغر في نوبة فرح عارم.
يرى همداني أن الموسيقى تعيش طويلاً وتتجاوز عمر الشباب بوصفه ذروة العطاء، وأن ما سيبقى له ويُشعره بأهميته ووجوده وكينونته حين يتقدّم به العمر ويتقاعد ويستقل أبناؤه عنه، هو الموسيقى.
كانت الألحان كلها في ما عُرِف ب"الحالة الإسلامية" يومذاك تعتمد على مقام الحجاز، حتى جاء الشيخ طارق إدريس، وكان عالم دين غير معمّم وشاعراً له أذن موسيقية وذائقة فنية رفيعة، ليعرّف أسامة إلى ريتشارد كلايدرمان، وراوول دي بلاسيو، وجون تيش، وياني، من خلال أشرطة كاسيت قدّمها له، فكانت طريقه إلى أنماط موسيقية جديدة ومختلفة. وطلب الشيخ من أسامة أن يعزف على الطنبور، فصقل ذلك الحسّ الإيقاعي عنده، ليبدأ رحلته مع الفرق الموسيقية عازفاً على "الدرامز"، لا على "الأورغ".
كانت "فرقة الإسراء" هي الأبرز في ذلك الزمن، وكان أسامة عضواً في فرقة "الولاء". وكان إنجازه الأول، بعمر 13 سنة، أن يخصّه أعضاء فرقة "الإسراء" بزيارة في منزله كي يطلبوا منه الالتحاق بفرقتهم، بعد لحنٍ أنجزه ولقي أصداء إيجابية لنشيدٍ حماسيّ حمل عنوان "اخفق بإباء يا علمُ". وكان أول ألحانه مع "الإسراء" نشيد "إني جنوبيٌّ"، ليصبح بعدها "جوكر" الفرقة.
"الأخوان همداني"
-
الأخوان أسامة وأحمد همداني
لا ينكر أسامة فضل شقيقه أحمد، الذي فتح له الباب إلى عالم الموسيقى الجميل، وتسبّب باكتشافه لموهبته، مؤكّداً أن نوعاً من المنافسة الشريفة نشأ بينهما لاحقاً، وإن كان لأحمد، مبكراً، نمطه الخاصّ الأكاديمي في الوقت الذي كان فيه أسامة لا يزال يعزف "على السمع".
ويشير إلى أنه تعلّم من شقيقه كيف يعالج اللحن، وكيف يفهم القصيدة، وكيف تتكوّن عنده فلسفته الخاصة للعمل، وتتشكّل لديه هوية خاصة بكل عمل، انطلاقاً من قناعة معيّنة أو رسالة معيّنة، مشدّداً على سعيه إلى صناعة بصمته الخاصة والحفاظ على مسافة تضمن ألّا يتحوّل هذا التأثر إلى استنساخ وتقليد.
يرى أسامة أنه ساهم مع شقيقه، من خلال توظيف المخزون السمعي المتنوّع الذي انطلقا منه، في صنع نقلة نوعية في عالم الأنشودة اللبنانية، وصياغة هوية جديدة لها، وتطويرها وإدخال أنماط جديدة إليها، أبرزها الإنشاد الوجداني والإنشاد الفَرِح، وإغناء النمط الثوري فيها بعد أن كان يقتصر على المارشات العسكرية.
يرى أسامة أنه ساهم مع شقيقه، من خلال توظيف المخزون السمعي المتنوّع الذي انطلقا منه، في صنع نقلة نوعية في عالم الأنشودة اللبنانية، وصياغة هوية جديدة لها، وتطويرها وإدخال أنماط جديدة إليها، أبرزها الإنشاد الوجداني والإنشاد الفَرِح، وإغناء النمط الثوري فيها بعد أن كان يقتصر على المارشات العسكرية. ويرى أن تأثير هذه المدرسة اللبنانية الحديثة تجاوز لبنان إلى دول خليجية وغير خليجية.
ويرى أسامة أن الأخوين همداني كسرا معاً تابوهات كثيرة في عالم الإنشاد "الملتزم"، كانت تستند إلى أسس عرفية لا دينية، وكانا كمن يمشي في حقل ألغام كي يمهّد الطريق لمن يأتي بعده.
هذا أنا..
يلفت صاحب ألبوم "منال المقام" إلى أن أفضل الشعراء الذين تعامل معهم، ثلاثة نشأت بينه وبينهم ثنائيات قائمة على الفهم المتبادل، هم أنور نجم وعباس بدوي وفاطمة أيوب، مشيداً بكتابتهم الجميلة وأذنهم الموسيقية، ومشيراً إلى أنه يقرّر إنشاد النص بنفسه حين تلمسه كلماته ويشعر أن أحداً لن يعطيه حقه أكثر منه.
يتوقف همداني، في حديثه مع "الميادين الثقافية"، عند حصوله على الجائزة الفضية في "مهرجان القاهرة الدولي" عن ألبوم "عرس النصر"، الذي أنجز نصف أناشيده، ومنها "مبروك وطن الحرية" و"حمداً لله أتى الظفر".
ويستذكر من أعماله أناشيد "يا شعب فلسطين نصرك بيدك" و"غرّدي فالمجد يهوى" في مجال الإنشاد الثوري، و"أنت ربّ الناس" و"طهّر فؤادك" في الوجدانيات، و"ليه زعلان يا بابا" و"الجرثومة" في مجال الإنشاد للأطفال، قبل أن يلفت إلى أنه لا يفضّل عملاً أنجزه على آخر، ويؤمن أن تعداد بعض أعماله بوصفها الأبرز يجعله كمن يلغي ما عداها، مذكّراً بأنه باشر تلحين أناشيد للأطفال قبل موجة قنوات الأطفال المتخصّصة، من خلال الألبومين التربويين "صاح الديك" و"أزرق أزرق" مع الشاعر مصطفى عبده والطفلة نعمت حيدر أحمد.
أسامة همداني: "الموسيقى هي كل حياتي، ووجودي مرتبط بما أقدّمه وأنتجه في هذا المجال".
"كل موسيقي سمعت نتاجه تأثرت به بشكلٍ ما"، يقول همداني، متوقفاً بشكل خاصّ عند من تركوا بصمة متفرّدة، من أمثال الموسيقار المصري، عمّار الشريعي، وروائعه في الموسيقى التصويرية لمسلسل "رأفت الهجان"، وعمر خيرت الذي يعدّه أكثر من عبّر عن "هوية مصر"، وكذلك المصري ياسر عبد الرحمن، وفي لبنان زياد الرحباني وزكي ناصيف.
وعلى صعيد التوزيع الموسيقي، يؤكّد تأثره بحميد الشاعري ورياض الهمشري وبهاء ضياء الدين، وهو ما برز في أناشيده الوجدانية، وبإلياس الرحباني في ما خصّ الموسيقى الكلاسيكية، خصوصاً في بداية مشواره مع التأليف. وبالحديث عن الأعمال التي تركت أثراً في قلبه أكثر من سواها، يتوقف عند "أناديكم" في لبنان، و"الله أكبر فوق كيد المعتدي" في مصر.
على أجنحة النغم
-
لا ينكر أسامة همداني فضل شقيقه أحمد الذي فتح له الباب إلى عالم الموسيقى
الشهرة لا تعني شيئاً بذاتها لهمداني، لكنه يرى في طلب الناس التقاط الصور معه حين يكون خارج لبنان مؤشراً إلى قدرة الموسيقى على السفر بعيداً، حاملةً صاحبها على أجنحتها.
ويرى أن الموسيقى تعيش طويلاً وتتجاوز عمر الشباب بوصفه ذروة العطاء، وأن ما سيبقى له ويُشعره بأهميته ووجوده وكينونته حين يتقدّم به العمر ويتقاعد ويستقل أبناؤه عنه، هو الموسيقى.
ويختم حديثه مع "الميادين الثقافية" بالقول إن: "حياتي كلها موسيقى، ولن أتوقف عن متابعتها ومتابعة تطورها عالمياً كي أستطيع تقديم الأفضل لخدمة الفنّ والمستمعين والأفكار النبيلة التي أؤمن بها".
كلمات للنبطية والجنوب والمقاومة
-
جانب من الدمار الهائل في النبطية في العدوان الإسرائيلي الأخير
أنا لبنانيّ من الضاحية الجنوبية لبيروت ومن أصول إيرانية أفتخر بها. أما إقامتي في النبطية منذ 8 سنوات، فلها علاقة بارتباطي عاطفياً بالجنوب وأهله، وهو رمز التضحية والصمود ورفض الاحتلال الذي نكتب وننشد ونلحّن لمقاومته.
أهل النبطية كرماء وأصحاب نخوة، وعندي لهم من أسباب المحبّة والاحترام ما لا يُحصى. الدمار الذي طال البيوت والشوارع والأحياء، ولم يستثنِ حتى المدافن في النبطية، يؤثر بي طبعاً، ولكنه لا يتحول أبداً إلى عامل إحباط وتثبيط، بل يدفعني إلى المزيد من الإنتاج الموسيقي. لا أملك الآن سوى الموسيقى، وهذا واجبي ودوري في الحياة. ويكفيني أن تكون لمقطوعاتي حصّة في رثاء شهيد، أو أثر صغير في تحفيز مقاوِم.

