أبناء "المسيح المقاتل": آدم هكميان ومانويل بيبكان على طريق "لاهوت التحرير"؟

هل تكشف تضحية كريكور هكميان ومانويل بيبكان أنّ جوهر الإيمان المسيحي، كما في لاهوت التحرير، هو الانحياز للمقهورين عبر الفعل المقاوم، لا الاكتفاء بالإيمان كحالة فردية أو شعائرية؟

نقرأ في إنجيل يوحنا قصة القديس توما الذي كان واحداً من تلامذة يسوع المسيح، لكنه رفض، في بادئ الأمر، الإيمان بقيامة المسيح في اليوم الثالث لغيابه عن الحدث، فالقديس توما لم يكن حاضراً. 

اشتهر توما بلقب الشكّاك؛ هو توما المشكك لأنه شكّ في حقيقة القيامة، ورفض أن يؤمن إيماناً لا ينبع من تجربةٍ شخصية مباشرة، ممتنعاً عن تصديق قيامة المسيح من دون دليل حسيّ مباشر. 

لكن للحكاية تتمة. يروي لنا إنجيل يوحنا، أنه بعد 8 أيام، ظهر المسيح لتوما وقال له: "هات إِصبعك إلى هنا وأبصر يدي، وهات يدك وضعها في جنبي، ولا تكن غير مؤمن بل مؤمناً"، ثم قال له يسوع: "لأنك رأيتني يا توما آمنت! طوبى للذين آمنوا ولم يروا". 

آمن توما بقيامة المسيح حين رآه. كانت التجربة الحسية شرط إيمانه. كان لا بدّ له أن يرى المسيح بعدما صلب كي يصدّق أنه حيّ، على أنّ إيمان توما كان مقروناً بهذا "التصديق". ما يهمّنا من هذه الحكاية، بعيداً عمّا تنطوي عليه من دلالاتٍ دينية وعبر اللاهوتية، هو أنّ الشكّ إذا خضع للتجربة، أي للاختبار، وجاءت نتيجته مناقضة له، أفضى بصاحبه إلى مغادرته، يخرج عندئذٍ الشكّاك عن شكه، إذ بالشكّ يقود إلى انكشاف الحقيقة. 

المقدّس لم يعد انفصالاً عن العالم، بل انخراطاً جذرياً فيه، والخلاص تجربة تاريخية تتعمّد بمواجهة الطغيان، وبقوة "اللا" التي تنفي كلّ أشكال الجبروت.

بالصدفة طبعاً، لكنها مصادفة تغري بالتأويل، استشهد اللبنانيان مانويل بيبكان وآدم كريكور هكميان، وهما من طائفة المسيحيين الأرمن، دفاعاً عن لبنان، وشعبه وأرضه، في 12 نيسان/أبريل 2026، وهو اليوم الذي يصادف عيد الفصح في التقويم الشرقي؛ العيد الذي يحتفي بقيامة المسيح بعد صلبه. 

من ضمن الدلالات التي تشي بها استشهاد هذين الشابين، هو أننا أمام اختبار دنيوي يوازي، على نحوٍ ما، شكّ القديس توما. ليست المسألة هنا إسقاطاً لاهوتياً على واقعةٍ معاصرة، إنما هي استدعاءٌ للمسار نفسه للمعنى: من الشكّ إلى الاختبار.

هي سرديةٌ راسخة، أو بالأحرى شبهة متداولة، تزعم أنّ المقاومة حكرٌ على جماعةٍ بعينها، وأنّ القتال ضدّ "إسرائيل" يختزل في هوية واحدة، ومزاجٍ طائفي محدّد، أليس كذلك؟ نسَف استشهاد الشابين الأرمنيين هذه الشائعة التي لا نغالي لو وصفناها بذلك. من كان يشكّ ها هو أمام اختبار حيّ، وها هو شكّه يتصدّع، فليفسح مجالاً لإيمانه، من دون أن يخشى من الحصار والعقوبات الأميركية طبعاً.

لاهوت التحرير

  • مانويل بيبكان وكريكور هكميان
    مانويل بيبكان وكريكور هكميان

نكاد لا نعرف شيئاً عن الشهيدين آدم كريكور هكميان ومانويل بيبكان. تعرّفنا إلى وجهيهما بعد أن تدفّقت صورهما على وسائل التواصل الاجتماعي في أعقاب خبر استشهادهما. عدا صورهما القليلة نعرف عنهما القليل، مثل أنهما تركا لنا ليلاً هانئاً ننعم به إذ صدّا، رفقة رفاقهم في المقاومة، العدو ومنعوه من استباحتنا ونحن نيام. وتركا لنا بصمة مكتومة، لم تكن وصية منطوقة أو مكتوبة، بل أثراً يتعيّن علينا أن نتتبّعه، وهذا كافٍ. أحياء أو شهداء، لم يتركا لنا شيئاً سوى الممارسة التي قاما بها، أي المقاومة كاختبار، كحيّز يتقاطع فيه الإيمان مع الحرية، والدنيوي مع الديني. 

تعيد لنا تجربة هذين الشهيدين اللذين قاتلا العدو تقليداً مسيحياً رأى الإيمان عقيدة "محايثة" لا "متعالية"، أي دعوة إلى العمل؛ إلى عمل ينفي الظلم والقهر والاستعباد عن العالم، وليس سجوداً ساكناً مذعناً لسيرورة القدر. 

ذلك أنّ الاقتراب من الله مقرون بتطبيق وصايا الله، وهذا لا يتحقّق بالصلاة والخشوع بمعزل عن الممارسة، إنما بالانخراط في الواقع وترجمة الدعاء عملياً، عبر مقارعة الفريسيين الجدد والمشعوذين وتجار الهيكل وأبناء اللعنة، تماماً كما فعل يسوع المسيح. 

في "المحايثة" تجاوزٌ للدنيوي الشائن، للفاسد المشوب بالقبح، والبغيض السقيم، والقميء الماكر، بغية تجاوزه من خلال الممارسة للاقتراب من السامي.   

هي سرديةٌ راسخة، أو بالأحرى شبهة متداولة، تزعم أنّ المقاومة حكرٌ على جماعةٍ بعينها، وأنّ القتال ضدّ "إسرائيل" يختزل في هوية واحدة، ومزاج طائفي محدّد. نسف استشهاد الشابين الأرمنيين هذه الشائعة، فصار الشكّ أمام اختبار حيّ، وبدأ يتصدّع، فاتحاً المجال لإيمانٍ جديد.

هي رؤية دينية تدعو إلى الانحياز الفعلي للقضايا الأخلاقية - والأخلاق هي السياسة - في مواجهة الهيمنة والظلم. الإيمان هنا هو انخراط في التاريخ لا انسحاب منه، هذا هو "لاهوت التحرير" الذي نشأ وساد في أميركا اللاتينية في منتصف القرن الماضي، وأعاد تعريف العلاقة بين الروحي والسياسي جامعاً بينهما، بحيث يغدو الدفاع عن المقهورين والمستعمرين جزءاً من الإيمان المسيحي ذاته. 

 
 
 
 
 
View this post on Instagram
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 

A post shared by mohammad hussein (@mhd_mh)

هكذا، يُفهم الفعل المقاوم الذي مارسه الشهيدان الأرمنيان كامتدادٍ لتعاليم مسيحية تقرأ الإيمان كقوة اعتراض على البنى التي تُنتج القهر، ومناكفة لسلطات الهيمنة. على هذا النحو، فإنّ يسوع المسيح مخلص ليس لأنه صُلب، بل لأنه وضع دليل مقاومة، هو الذي واجه شياطين عصره الساعين إلى تحويل العالم جحيماً، فقاموا بتعليقه على الخشبة نتيجة لهذا الاصطدام، فيما بقيت تعاليمه إرشادات الخلاص.

الثورة صنو الإيمان 

  • الكاهن الكولومبي كاميلو توريس ريستريبو
    الكاهن الكولومبي كاميلو توريس ريستريبو

والحال أنّ ثمة من قرأ هذه الإرشادات واتخذها بوصلةً له. نستحضر هنا كاميلو توريس ريستريبو، الكاهن الكولومبي، الذي قال مرة: "لو أنّ المسيح بيننا اليوم لكان مقاوماً بين الثوّار". 

لم يكن توريس مجرّد كاهن كاثوليكي في كولومبيا، بل كان أيضاً عالم اجتماع ومثقفاً نقدياً قرأ البنى الاجتماعية بوصفها إنتاجاً منظّماً للظلم وليس مجرّد اختلالاتٍ أو عوارض طارئة. لم يرَ في الفقر واللامساواة قدراً اجتماعياً، بل نتيجةً مباشرةً لعلاقات قوة ينبغي تفكيكها ومواجهتها.

من هنا، بدأ تحوّله يتبلور: لم يعد الدين، في نظره، ممارسةً محصورة داخل العظة بل طاقةً أخلاقية قادرة على الدفع نحو الفعل التاريخي. غادر المؤسسة الكنسية لأنه اعتبرها متواطئة مع السلطات، وانخرط في صفوف المقاومة في مسارٍ لم يُقدّمه كقطيعة مع الإيمان المسيحي، إنما كإعادة تأويلٍ جذرية له. 

غيّر الأب كاميلو السؤال المركزي المطروح في الكنيسة الكاثوليكية. لم يعد السؤال كيف يُخلَص الفرد، وكيف يجد خلاصه، إنما كيف يُواجَه الظلم داخل التاريخ؟ وبذلك أعاد تعريف مفهوم الخلاص، حيث لم يعد حدثاً أخروياً مؤجَّلاً، بل ممارسةً تتجسّد في الحاضر، عبر مقاومة علاقات القوة وبنى الاستبداد. الإيمان، كما أعاد صياغته، لا يُقاس بمدى الالتزام الشعائري بل بالقدرة والإرادة على مواجهة البنى التي تُنتج الظلم.

الإيمان هو انخراط في التاريخ لا انسحاب منه، هذا هو "لاهوت التحرير" الذي أعاد تعريف العلاقة بين الروحي والسياسي، بحيث يغدو الدفاع عن المقهورين والمستعمرين جزءاً من الإيمان المسيحي ذاته.

استعاد الأب كاميلو إذاً، سيرة يسوع المسيح بوصفه نموذجاً ثورياً، معتبراً أنّ الرسالة المسيحية تنحاز إلى المقهورين والمعذّبين في الأرض. وهو رأى أنّ المحبة المسيحية لا يمكن أن تبقى شعوراً أخلاقياً مجرّداً، بل يجب أن تتحوّل إلى فعل يغيّر شروط الحياة المادية للناس. لذلك كان انخراطه في الصراع السياسي امتداداً مباشراً للإيمان، فالإيمان الذي لا يواجه الظلم يفقد مضمونه الأخلاقي.

وهكذا، كان تحوّله إعادة بناءٍ لمفهوم الإيمان من جذوره، في أنّ العمل الثوريّ هو امتداد للإيمان، ونتيجته الطبيعية. فالإنجيل في قراءة الأب كاميلو، ينحاز إلى الأشخاص كذوات فاعلة، وإلى التاريخ لا إلى ما وراءه. ولعل الأهم في قراءة الأب كاميلو للنص الديني أنه اعتبر الحياد أمام الفقر والقهر والاستعمار اصطفافاً ضمنياً مع قوى الهيمنة، حتى وإن تلبّس لغة الصمت أو الحياد الأخلاقي.

المسيح المقاتل

  • "المسيح الثائر" لألفريدو روستغارد

يقوّض خبر استشهاد الشابين المسيحيين، آدم كريكور هكميان ومانويل بيبكان، في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي، الصورة النمطية التي طاولت المقاومة وحصرتها في طابعها الإسلامي، ويوسّع، بالتالي، الرؤية. إذ يزوّدنا بصورة رمزية عن المسيحي الذي أخذ من تعاليم يسوع المسيح درب خلاصه.

في هذا السياق، تكتسب الاستعارة البصرية التي ابتدعها الفنان الكوبي، ألفريدو روستغارد، في ملصق فني سياسي بعنوان "المسيح الثائر" أو "المسيح المقاتل" كثافتها الدلالية، إذ يستدعى المسيح كصورة مفتوحة على احتمالات التماهي مع أجساد تواجه الاستكبار والهيمنة ولو أفضى خيارها الإيماني هذا إلى الموت.

ويشكّل الملصق الذي أنجز في ستينيات القرن الماضي تفكيكاً جذرياً للأيقونة المسيحية المترسّخة في المخيال الغربي. المسيح هنا ليس منزّهاً عن الصراع، بل تحوّل إلى علامة سياسية مكثّفة، أخرجها روسغارد من فضائها اللاهوتي الجامد وزجّها داخل أفق ثوري حديث.

لا يكتفي روستغارد بتسييس الصورة الدينية، بل يعيد توزيع دلالاتها. المقدّس لم يعد انفصالاً عن العالم، بل أضحى انخراطاً جذرياً فيه، والخلاص لهو تجربة تاريخية تتعمّد بمواجهة الطغيان، وبقوة "اللا" التي تنفي كلّ أشكال الجبروت والطغيان.

الاقتراب من الله مقرون بتطبيق وصايا الله، وهذا لا يتحقّق بالصلاة والخشوع بمعزل عن الممارسة، إنما بالانخراط في الواقع وترجمة الدعاء عملياً، عبر مقارعة الفريسيين الجدد وتجّار الهيكل، تماماً كما فعل يسوع المسيح.

في هذا التحوّل البصري، يغدو المسيح رمزاً مناضلاً مشتبكاً مع العالم، ثائراً منحازاً للفقراء والمستعمرين أكثر منه رمزاً للخلاص الآخروي.

في عمل روستغارد شيء من التوتر المنتج بين المقدّس والثوري: يراهن الملصق "اللوحة" على سلطة المسيح المقدّسة، أي على حمولته الروحية، فالهالة المقدّسة لا تزال فوق رأسه والأحمر القاني في الخلفية يرمز إلى دمائه الفادية، بيد أنه يوظّفه داخل خطاب مضادّ لهيمنة القوة والإمبريالية. المسيح هنا رمز فاعل داخل التاريخ لا خارجه، يحمل بندقية وينظر إلى اليسار غاضباً.

وجها آدم كريكور هكميان ومانويل بيبكان، كما يظهران في الصور، زاهيين هادئين صافيين، وكأنّ هذا ما أرادا أن يهباه للآخرين، استشهدا على نحو يشبه بالفداء، ليمنحا هذا الصفاء والهدوء لكلّ من ينظر في وجهيهما، حتى المشكّكين منهم.  

اخترنا لك