وحدها شركات النفط تراكم أرباحاً كبيرة!

هل يعقل أن تتسبّب إدارة أميركية في زيادة التضخّم داخل الولايات المتحدة، وتفاقم الأعباء المعيشية على مواطنيها، بما يهدّد الاستقرار الداخلي؟

0:00
  • شركات النفط الكبرى والمزيد من الأرباح!
    شركات النفط الكبرى والمزيد من الأرباح!

فيما تجتاح الضغوط التضخّمية الأسواق العالمية، مهدّدةً معيشة ملايين البشر وأمنهم الغذائي، تنهمك شركات النفط الكبرى في مراكمة المزيد من الأرباح من جرّاء استمرار ارتفاع أسعار النفط، التي تخطّت قبل أيام قليلة عتبة 110 دولارات للبرميل، قبل أن تنخفض إلى نحو 108 دولارات في أعقاب إعفاء ترامب روسيا من بعض العقوبات، بما يسمح لها بتصدير الديزل إلى الأسواق الأميركية والعالمية.

ولهذا، بات كثيرون يعتقدون أنّ ارتفاع أسعار النفط عالمياً لا يعود إلى تداعيات الحرب ونقص الإمدادات فحسب، بل تقف وراءه أيضاً تدخّلات سياسية مباشرة وغير مباشرة. وإلا، فلماذا هذا البرود الأميركي حيال المستويات المرتفعة التي بلغتها أسعار النفط، رغم اقتراب موعد انتخابات التجديد النصفي للكونغرس؟ هل هناك صفقات معيّنة أُبرمت مع شركات النفط والغاز الأميركية؟ أم أنّ تعثّر مساعي خفض الأسعار قبيل الانتخابات يدفع الإدارة الأميركية للجوء إلى خيار آخر، يتمثّل في تعويض الخسائر الانتخابية المحتملة بتحقيق مكاسب في مكان آخر، ولا سيما في ظلّ الحديث عن شبكة واسعة من المحاسيب والمصالح المرتبطة بإدارة ترامب وعائلته؟

قد يسأل البعض: هل يعقل أن تتسبّب إدارة أميركية في زيادة التضخّم داخل الولايات المتحدة، وتفاقم الأعباء المعيشية على مواطنيها، بما يهدّد الاستقرار الداخلي؟

عندما قرّرت الإدارة الأميركية شنّ حرب على إيران، لم تكن حسابات المواطن الأميركي وانعكاسات الحرب على حياته ومعيشته ومستقبله هي الاعتبار الوحيد، بل تقدّمت عليها مصالح أخرى، في مقدّمتها مساعدة "إسرائيل" على استكمال مشروعها في المنطقة، وسعي ترامب إلى السيطرة على النفط الإيراني، على غرار ما حدث في فنزويلا وغيرها. وهذا ما يعيد إلى الأذهان ما جرى خلال غزو العراق وتدمير ليبيا والتدخّل في سوريا وغيرها من الملفات.

أرباح متفاوتة

تُظهر التقارير المالية التي نشرتها شركات النفط العالمية عن النصف الأول من العام الحالي تحقيق أرباح كبيرة، نتيجة تداخل مجموعة من العوامل التي تختلف من شركة إلى أخرى، تبعاً لطبيعة أنشطتها ومواقع عملياتها. وهذا يعني أنّ ارتفاع أسعار النفط الخام في الأسواق العالمية لم يكن العامل الوحيد وراء زيادة أرباح الشركات النفطية، إذ أسهمت أنشطة التكرير والتجارة والتوزيع والإنتاج بدورها في تعزيز النتائج المالية، وربما كان أثر بعضها أكبر من أثر ارتفاع أسعار الخام نفسه.

وتشير البيانات المالية إلى تفاوت أداء الشركات الكبرى، سواء من حيث حجم الأرباح المحقّقة أو مصادر نموها. فقد استفادت بعض الشركات من ارتفاع الأسعار، فيما حقّقت شركات أخرى مكاسب إضافية من أنشطة التكرير والتجارة وارتفاع هوامش الربح على المشتقات النفطية.

فشركة "أرامكو" السعودية سجّلت ارتفاعاً في صافي أرباحها خلال الربع الثاني من العام الحالي مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، مدفوعة بارتفاع الإيرادات المرتبطة بمبيعات النفط والمنتجات المكرّرة والكيماويات، رغم تراجع بيع كميات من بعض المنتجات.

أما الشركات الأميركية، فقد سجّلت "إكسون موبيل" ارتفاعاً في أرباحها المعدّلة خلال النصف الأول من العام الحالي، من نحو 14.56 مليار دولار في العام 2025 إلى نحو 23.45 مليار دولار، بزيادة تقارب 8.90 مليارات دولار. كذلك ارتفع صافي أرباح "شيفرون" خلال الفترة نفسها من 6 مليارات دولار إلى 14.3 مليار دولار، أي بزيادة قدرها 8.3 مليارات دولار تقريباً. وأشارت الشركة إلى أنّ تحسّن أرباح أنشطة التكرير أسهم في هذه الزيادة، إلى جانب ارتفاع الأسعار وزيادة حجم المبيعات.

وفي بريطانيا، استفادت شركة "شل" من أنشطة تداول النفط والغاز الطبيعي المسال وارتفاع هوامش التكرير. وبحسب بياناتها المالية، ارتفعت أرباحها المعدّلة خلال النصف الأول من العام الحالي بنحو 6.91 مليارات دولار مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، مستفيدة من تحسّن الأسعار وأداء أنشطة التداول وارتفاع هوامش التكرير والكيماويات.

أما شركة "توتال إنرجيز" الفرنسية، فسجّلت صافي دخل معدّل بلغ نحو 11.4 مليار دولار خلال النصف الأول من العام الحالي، فيما تضاعف صافي الربح المعدّل لشركة "إكوينور" النرويجية تقريباً، من نحو 3.46 مليارات دولار إلى 6.92 مليارات دولار. وعزت الشركة هذه النتائج إلى ارتفاع أسعار السوائل النفطية والغاز الطبيعي في أوروبا، إلى جانب أداء أنشطة التداول والتكرير.

وفي إيطاليا، ارتفع صافي الدخل المعدّل لشركة "إيني" إلى نحو 3.6 مليارات يورو خلال النصف الأول من العام الحالي. وأشارت الشركة في بياناتها المالية إلى دور نمو الإنتاج وتحسّن بيئة الأسعار وأداء بعض أنشطة الطاقة والتكرير في تحقيق هذه النتائج.

وباختصار، يمكن استخلاص ثلاث نتائج أساسية من البيانات المالية المعلنة لشركات النفط والغاز:

-ارتفاع أسعار النفط لا يرفع أرباح جميع الشركات بالقدر نفسه. فحجم الإنتاج وموقعه الجغرافي والقدرة على التصدير وطبيعة الأنشطة التي تمارسها الشركة، كلّها عوامل حاسمة في تحديد حجم المكاسب.

-قد تتجاوز مكاسب التكرير وتجارة المشتقات النفطية مكاسب إنتاج النفط الخام في بعض الفترات. وتشير نتائج شركات مثل "شل" و"بي بي" و"توتال إنرجيز" إلى أهمية هوامش التكرير وأنشطة التداول في تعزيز الأرباح.

-الأرباح الفصلية ليست مقياساً كافياً لتحديد المكاسب الإضافية الناجمة عن الحرب، إذ إنّ قياس هذه المكاسب بدقة يتطلّب مقارنة الأرباح الفعلية بأرباح افتراضية كان يمكن تحقيقها في غياب الحرب، مع مراعاة تكاليف تعطّل الإنتاج والنقل والتأمين، والخسائر الناجمة عن تضرّر المنشآت أو تعذّر التصدير.

وفي الخليج

على الجانب الآخر، واجهت شركات النفط والغاز في عدد من دول الخليج، باستثناء السعودية، ضغوطاً على عملياتها ونتائجها المالية من جرّاء تعطّل صادرات النفط والغاز وتضرّر بعض المنشآت بفعل الحرب على إيران. غير أنّ حجم الأضرار يختلف من دولة إلى أخرى، تبعاً لطبيعة الإنتاج ومواقع المنشآت ومسارات التصدير والقدرة على استخدام البدائل المتاحة. 

فقد تأثّرت عمليات تحميل المنتجات وحركة الملاحة عبر مضيق هرمز، فيما تعرّضت منشآت في بعض دول المنطقة لهجمات مباشرة. وتبرز هنا أهمية التمييز بين الخسائر الناجمة عن تراجع الإنتاج أو تعطّل التصدير، وبين انخفاض الأرباح المحاسبية نتيجة ارتفاع التكاليف أو تغيّر الأسعار. كما أنّ تقييم الأثر المالي للحرب يتطلّب بيانات منفصلة لكلّ شركة ودولة، بدلاً من تعميم النتائج على قطاع النفط الخليجي بأكمله.

وكما تبدي شركات إنتاج السلاح العالمية، ولا سيما الغربية منها، اهتماماً باستمرار الحروب والنزاعات واتساع نطاقها الجغرافي، فإنّ شركات النفط والغاز ليست بمنأى عن الاستفادة من الأزمات. فما دامت تكاليفها التشغيلية لا تستنزف إيراداتها وأرباحها، ولا تهدّد استمرارية أعمالها وخططها، فإنّ ارتفاع الأسعار قد يتحوّل إلى فرصة لزيادة العوائد، حتى عندما تكون أسبابه مرتبطة بالحروب واضطراب الإمدادات.

وقد يبدو استغلال الفرص أمراً مألوفاً في النشاط الاقتصادي، من أصغر المشاريع إلى أكبرها. لكنّ الأمر يختلف عندما تتداخل المصالح التجارية مع قرارات الحكومات والحسابات السياسية والشخصية، وتكون الكلفة على حساب معيشة ملايين البشر. عندها يصبح من الضروري التساؤل عن طبيعة العلاقة بين السلطة والثروة، وعن الجهات التي تتحمّل كلفة الأزمات، وتلك التي تجني ثمارها.