سوريا: من يمنع تمويل الإعمار؟
منع تمويل إعادة الإعمار في سوريا ليس قراراً واحداً، بل هو نتاج تراكمي لعوامل متعدّدة: الحروب في الخليج واليمن التي أضعفت قدرة دول الخليج على التمويل، والعامل الإسرائيليّ الذي يمنع الإحياء السوري.
-
سوريا.. كلّ الأبواب تبدو موصدة!
بعد أن استعرضنا في المقال السابق حجم الكارثة الاقتصادية السورية، وأرقام الفقر المدقع، وكلفة إعادة الإعمار التي تتجاوز 400 مليار دولار، والحلقات الخمس للحروب المترابطة التي حوّلت الاقتصاد إلى مهدّد وجوديّ، نصل اليوم إلى السؤال الأكثر إلحاحاً: من يمنع تمويل إعادة الإعمار في سوريا؟
فالمفارقة أنّ سوريا، بعد التغيير السياسي الكبير في كانون الأول/ديسمبر 2024، كان من المفترض أن تشهد انفراجاً اقتصادياً وتمويلاً دولياً وإقليمياً لإعادة الإعمار. لكنّ ما حدث هو العكس تماماً: كلّ الأبواب تبدو موصدة، وكلّ الوعود تبخّرت، وكلّ الرهانات سقطت. فما هي العوامل التي تمنع تمويل الإعمار؟ ومن يقف خلف هذا المنع؟
أولاً: العامل الخليجي: من المُموّل المنتظر إلى المتضرّر الأكبر
كان من المفترض أن تقوم كلّ من السعودية وقطر والإمارات العربية المتحدة والكويت ببدء التمويل والاستثمار في سوريا. لكنّ الرؤية لدور سوريا بدايةً هي العامل الأساس لعدم القيام بذلك. فكلّ دولة خليجية تريد سوريا وفق رؤيتها الخاصة، ولا تريد أن تموّل مشروعاً قد يستفيد منه خصومها.
والمفارقة أنّ هذه الدول، التي كانت تعتبر "المموّل الطبيعي" لإعادة الإعمار، أصبحت اليوم غير قادرة حتى على تمويل نفسها. فحرب الخليج الثالثة والرابعة تركت آثارها الواسعة على إمكانية قيام هذه الدول بالاستثمار في سوريا. فخسائر الحرب ما زالت تتصاعد في ظلّ تناقص الواردات المالية من جرّاء إغلاق مضيق هرمز، ليتصاعد أكثر من جرّاء انفجار الحرب في اليمن والتضرّر الكبير للبنية النفطية في السعودية وتوقّف الصادرات السعودية بشكل شبه كامل، مع خسائر توقّف المطارات.
ولا نعرف مدى انعكاس انفجار الحرب في القرن الأفريقي، الجانب الآخر من مضيق باب المندب والبحر الأحمر، على الاقتصاد الخليجي وخاصةً الإمارات العربية المتحدة.
على الأرجح أنّ هذه الحروب في الخليج واليمن لن تتوقّف في القريب العاجل، ما يعني مزيداً من الاستنزاف المالي، الذي قد يدفع السعودية بالذات لبيع جزء من سندات الخزينة الأميركية، وهو احتمال قائم مستقبلياً. وحتى في حال توقّف الحرب، فإنّ الأولوية هي لإعادة بناء ما دمّرته الحرب لهذه الدول.
وفي حال العودة إلى مذكّرة التفاهم الأميركية الإيرانية، وهو احتمال قائم بقوة، فإنّ هذه المذكّرة ملزمة بالتعويض لإيران عن مبلغ قدره 300 مليار دولار لن تدفعه الولايات المتحدة، وعلى الأغلب ستلزم به الدول الخليجية، الأمر الذي سيبعد مسألة تمويل الاستثمار وإعادة الإعمار في سوريا إلى أجل غير محدّد.
ثانياً: العامل الإسرائيليّ: المنع المُبطّن للإعمار
وقد يكون من أخطر العوامل. فالقرار الإسرائيليّ لا يتمّ التصريح به بشكل مباشر، لكنّ سياسات "تل أبيب" التوسّعية تشدّد على هذا الأمر. فهي تعمل على مستويين:
المستوى الأول: تأمين حزام أمني كخط أول يحمي "إسرائيل" في المنطقة المحيطة، وهي تسعى لأن يكون بأكبر عمق ممكن.
المستوى الثاني: على عمق أوسع بأن يكون مفكّكاً مضطرباً، لا يستطيع الحياة ولا يموت، ويمنحه مسوّغات التدخّل في محيطه بالعنوان الأمني ومكافحة الإرهاب.
المستوى الثاني بالعمل على التوسّع نحو تحقيق حدود مشروع "إسرائيل الكبرى"، فهو بإنهاكه لمحيطه بالمستوى الأول عبر مدة زمنية قد تتجاوز العقد من الزمان وربما العقدين، وفقاََ للعقيدة الأمنية الجديدة، حتى تصبح المنطقة ناضجة ومستعدّة للقطاف.
وتعتمد "تل أبيب" على قدراتها الضاغطة داخل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، وقدرتها المتضخّمة بالتأثير على محيطها العربي والإسلامي من خلال العلاقات المباشرة أو الخفية، لمنع الإحياء السوري.
ويضاف إلى ذلك الدور الإسرائيليّ في منع وصول التمويل الخليجي إلى سوريا، عبر ضغوطها على واشنطن، التي تخشى أن يؤدّي أيّ تمويل غير منضبط إلى تعزيز قوى معادية لها في المنطقة. وهكذا تتحوّل سوريا إلى رهينة للصراع الإسرائيلي ـــــ الإيراني، بلا قدرة على تحديد مصيرها الاقتصادي.
ثالثاً: العامل التركي: العاجز عن التمويل
على الرغم من حجم الناتج القومي التركي الكبير الذي وصل عام 2025 إلى 1.2 تريليون دولار، لكنّ الوضع الاقتصادي الداخلي أصبح صعباً جداً. فالمشكلة في تركيا ليست في حجم الناتج المحلي الإجمالي، بل في توزيع هذا الناتج والسياسات الاقتصادية التي أدّت إلى تضخّم مزمن، وانهيار قيمة العملة، واعتماد كبير على الديون الخارجية قصيرة الأجل التي وصلت إلى إجمالي 539 مليار دولار.
هذه العوامل مجتمعة تجعل الحياة اليومية للمواطن التركي العادي صعبة للغاية، على الرغم من الأرقام الكلية التي قد تبدو إيجابية.
تتعاطى تركيا مع سوريا من الناحية الاقتصادية كفرصة لتحسين الوضع الاقتصادي التركي من دون النظر إلى الأسباب الداخلية الحقيقية. فهي تتعامل مع الواقع السوري المباشر كسوق مفتوح للبضائع التركية المتفوّقة، وتنتظر بشكل غير مباشر البدء بالإعمار لأجل حصول الشركات التركية على معظم المشاريع العمرانية بتمويل خارجي. وبمعنى آخر، فإنّ تركيا تستطيع تنفيذ مشروع إعادة الإعمار ولكن لا تستطيع تمويله، وتنتظر أن يأتي من الآخرين.
رابعاً: العامل الأميركيّ: المتردّد
تنظر واشنطن إلى الواقع بثلاث عيون:
العين الأولى: هي العين الإسرائيلية بما يؤمّن المصالح الأمنية لها والدور المهيمن على كامل منطقة غرب آسيا بالقضاء على خصومها وأعدائها.
العين الثانية: هي في السياق الاستراتيجي للصراع على النظام الدولي ومواجهة كلّ من الصين وروسيا، والسيطرة عليها كممرات برية ـــــ بحرية، إضافة إلى الإمساك بالثروات النفطية والغازية المتنبّأ بها.
العين الثالثة: هي العين التركية التي تعتبرها ذات أهمية جيوسياسية هائلة في ترجيح موازين القوى الدولية بين الشرق والغرب.
وهي لا تضخ أية استثمارات في دول العالم إلا بما يمكّنها من الاستحواذ على قرارها وثرواتها. وسوريا، المنهكة، ليست أولوية لواشنطن، التي تركّز على إدارة الانسحاب من المنطقة، ومواجهة الصين في المحيطين الهادئ والهندي، وليس على بناء دولة في قلب الشرق الأوسط.
ويضاف إلى ذلك أنّ واشنطن لا تريد أن تستثمر في سوريا إلا بشروط سياسية قاسية (مصالحة مع "إسرائيل"، إخراجها من الدور المقاوم، ضمانات أمنية)، وهي شروط لا تستطيع دمشق تلبيتها.
خامساً: العامل الصيني: المترقّب
تأتي أهمية سوريا بالنسبة للصين من اعتبارها ذات موقع جيوسياسي مهم في مبادرة الحزام والطريق، ولكن ليس بأهمية إيران وتركيا، ويمكنها الاستغناء عنها. فالمبادرة بالأساس كممر بري عندما تمّ الكشف عنها 2013 لم تكن تشمل سوريا بالأساس، وقد يكون الأمر لغياب الاستقرار السياسي والأمني والاجتماعي. وبكلّ الأحوال، فإنّ الشروط الصينية للعمل في سوريا ما زالت هي نفسها كما من قبل، رغم أنها الوحيدة التي يمكنها التمويل والتنفيذ معاً.
لكنّ الصين، التي تتحرّك بمنطق المصالح والاستقرار طويل الأمد، لا يمكنها المخاطرة بالاستثمار في بلد لا يزال في حالة عدم استقرار. وهي تنتظر أن تتضح ملامح النظام السياسي السوري، وأن تقدّم ضمانات حقيقية لحماية الاستثمارات، قبل أن تتحرّك. وحتى في هذه الحالة، فإنّ أولويات الصين في المنطقة هي إيران وتركيا والخليج، وليس سوريا.
سادساً: العامل الروسي: المنتظر
روسيا تخوض حرباً مصيرية منذ شهر شباط/فبراير 2022 في خاصرتها الرخوة الأوكرانية، وهي قد امتدّت زمنياََ أكثر مما توقّعتها. فالحرب في حقيقتها هي مع حلف الناتو حتى آخر أوكراني، عدا عن مصاعبها الاقتصادية وقدراتها الاقتصادية المنحصرة في مجال الطاقة والسلاح والأخشاب والقمح بشكل أساسي. وهي تنتظر نهاية الحروب المترابطة في أوكرانيا وإيران واليمن للخروج من التهديد الوجودي المفكّك لها.
وروسيا، التي تمتلك قواعد عسكرية في سوريا (حميميم وطرطوس)، لا تزال طرفاً أساسياً في أيّ معادلة سورية. لكنها، في ظلّ انشغالها بحرب أوكرانيا، ليست في وضع يسمح لها بتمويل إعادة الإعمار. وهي تكتفي بالحفاظ على وجودها العسكري، وانتظار ما ستسفر عنه التحوّلات الكبرى.
ويضاف إلى ذلك أنّ روسيا، التي كانت حليفاً للنظام السابق، فقدت الكثير من نفوذها في سوريا الجديدة. وهي تريد أن تحافظ على قواعدها العسكرية كأولوية، لكنها لا تريد أن تتحمّل عبء تمويل إعادة الإعمار في بلد لم يعد لها فيه نفوذ سياسي كبير.
سوريا بين مطرقة الحروب وسندان المصالح
ما سبق يظهر أن منع تمويل إعادة الإعمار في سوريا ليس قراراً واحداً، بل هو نتاج تراكمي لعوامل متعدّدة: الحروب في الخليج واليمن التي أضعفت قدرة دول الخليج على التمويل، والعامل الإسرائيليّ الذي يمنع الإحياء السوري، والعامل التركي العاجز عن التمويل، والعامل الأميركي المتردّد، والعامل الصيني المترقّب، والعامل الروسي المنتظر.
وهذا يعني أنّ سوريا، في المرحلة الراهنة، لا يمكنها الاعتماد على أيّ طرف خارجي لتمويل إعادة الإعمار. فكلّ الأطراف إما غير قادرة، أو غير راغبة، أو تنتظر. وهذا يضع سوريا أمام خيار واحد: الاعتماد على الذات، وتعبئة مواردها الداخلية، والبحث عن نماذج تمويل مبتكرة (مثل الشراكة مع الشتات السوري، أو الاستثمار في القطاعات المنتجة، أو التمويل الأصغر).
وفي الجزء الثالث، سنتناول العوامل الداخلية المعزّزة للكارثة، ودور الشتات السوري، والقطاع غير الرسمي، والسيناريوهات المحتملة، والخلاصة.