هل ينجح نتنياهو في إفشال المفاوضات الأميركية- الإيرانية؟

هدف نتنياهو الحقيقي هو تحقيق "النصر المطلق"، ما يعني أنه لن يقبل مطلقاً بأقل من نزع سلاح حماس والجهاد وحزب الله والتخلص نهائياً من النظام الحالي في إيران، قبل الشروع في أي تسويات سياسية.

  • يرجح أن يسعى نتنياهو إلى الحيلولة دون توقيع الولايات المتحدة على مذكرة التفاهم.
    يرجح أن يسعى نتنياهو إلى الحيلولة دون توقيع الولايات المتحدة على مذكرة التفاهم.

يرى بعض المتابعين لمسار المفاوضات الأميركية- الإيرانية الرامية إلى إنهاء الحرب المشتعلة في منطقة الشرق الأوسط منذ ما يقرب من عامين ونصف، أن نتنياهو سوف يرضخ في نهاية المطاف للأمر الواقع، وبالتالي سيقبل التعايش مع كل ما تسفر عنه هذه المفاوضات من نتائج، غير أنني أعتقد أن هذا وهم كبير، ومن ثم يتعين الحذر منه والتحسب لعواقبه المحتملة.

فالأرجح عندي أن نتنياهو سيحاول أولاً منع ترامب من التوقيع على مذكرة التفاهم التي أكدت وسائل الإعلام أنها أصبحت شبه مكتملة، وإذا فشل فلن يتردد في استخدام الوسائل المتاحة كافة لتخريب أي مفاوضات لاحقة تستهدف وضع ما جاء في هذه المذكرة موضع التطبيق.

ربما يكون من المفيد هنا إعادة التذكير بأن هدف نتنياهو الحقيقي هو تحقيق "النصر المطلق"، ما يعني أنه لن يقبل مطلقاً بأقل من نزع سلاح حماس والجهاد وحزب الله والتخلص نهائياً من النظام الحالي في إيران، قبل الشروع في أي تسويات سياسية.

صحيح أنه يدرك جيداً أنه لن يستطيع أن يحقق بالوسائل السياسية ما عجز عن تحقيقه بالوسائل العسكرية، لكنه يعتقد في الوقت نفسه أن الحرب لم تنته بعد، وأن ما لم يتحقق منها بقوة السلاح يمكن أن يتحقق بالمزيد من القوة.

ولأنه نجح من قبل في استدراج ترامب للمشاركة معه في حربين سابقتين على إيران، يعتقد أنه ما زال قادراً على استدراجه مرة أخرى للمشاركة معه في حرب ثالثة فاصلة، يعتقد أنها ستنتهي حتماً بالتخلص نهائياً من النظام الإيراني الحالي.

 من الواضح أن ترامب لا يرى الأمور على هذا النحو. فهو يعتقد أن الحربين السابقتين أضعفتا النظام الحاكم في إيران رغم عدم تمكنهما من إسقاطه. غير أنه بدأ يدرك في الوقت نفسه أنه يواجه ضغوطاً داخلية كبيرة، بسبب اقتناع أغلبية الأميركيين بأن الحرب على إيران لم تكن ضرورية وتخدم مصالح نتنياهو الشخصية أكثر مما تخدم المصالح الأميركية، أو حتى المصالح الوطنية الإسرائيلية، وضغوطاً خارجية أكبر، بسبب ما أدى إليه إغلاق مضيق هرمز من خلل في سلاسل الإمدادات ومن ارتباك في أداء الاقتصاد العالمي ككل، وهي ضغوط تحتم عليه توجيه اهتمامه نحو البحث عن حلول وسط، وليس استئناف الحرب على إيران، كما يريد نتنياهو، خصوصاً أن نتائج العودة للقتال غير مضمونة، بل وقد تفضي إلى كارثة كبرى، ليس لدول الخليج العربية فحسب، ومعظمها حليف للولايات المتحدة، ولكن للنظام الاقتصادي العالمي ككل. ومن الطبيعي، في سياق كهذا، أن يصبح ترامب أكثر استعداداً للتجاوب مع جهود الوسيط الباكستاني، المدعوم عربياً وإسلامياً، ما يفسر الإعلان عن توصل الطرفين الأميركي والإيراني إلى مسودة شبه نهائية لمذكرة تفاهم قد يتم التوقيع عليها قريباً.

كشف موقع "أكسيوس" الإخباري الأميركي، يوم السبت الماضي، أن الملامح الرئيسية لمضمون هذه المسودة يدور حول ثلاثة محاور:

المحور الأول: يتعلق بإنهاء الحرب في المنطقة. فقد تم الاتفاق على تمديد وقف إطلاق النار الساري حالياً لمدة 60 يوماً، قابلة للتجديد، وأن يشمل جبهات القتال كافة، خصوصاً الجبهة اللبنانية، على أن يتم الإعلان عن وقف الحرب نهائياً فور التوصل إلى اتفاق بين الطرفين حول تفاصيل القضايا المعلقة أو المؤجلة.

المحور الثاني: يتعلق بالقضايا التي تم التوافق على إنجازها خلال فترة وقف إطلاق النار، وهي:

1- بدء إزالة الألغام من مضيق هرمز، الذي تم الاتفاق على فتحه بالكامل للملاحة الدولية، وضمان حرية وسلامة مرور السفن وناقلات النفط فيه من دون فرض رسوم عبور.

2- رفع الحصار البحري والاقتصادي المفروض على الموانئ الإيرانية.

3- تمكين إيران من الحصول على جزء يتم الاتفاق عليه لاحقاً من أموالها المحتجزة في الخارج، والسماح لها بالعودة إلى سوق الطاقة وبيع نفطها بحرية كاملة من دون قيود.

4- إجراء مفاوضات مشتركة لبحث سبل وآليات الرفع التدريجي للعقوبات الاقتصادية والإفراج عن باقي الأموال الإيرانية المجمدة في البنوك العالمية. 

المحور الثالث: يتعلق بالبرنامج النووي الإيراني. فقد تم الاتفاق على إرجاء التفاوض حول تفاصيله إلى مرحلة لاحقة، والاكتفاء في المرحلة الحالية بإعلان إيران التزامها التام بعدم امتلاك سلاح نووي، وبعدم الاحتفاظ داخل أراضيها بأي كمية من اليورانيوم المخصب بنسبة 60%. 

لم تتوقف الاتصالات مع نتنياهو منذ قرار ترامب تجميد عملية "المطرقة الثقيلة" والدخول في مفاوضات غير مباشرة مع إيران.

ففي مكالمة بين الرجلين، استمرت أكثر من ساعة ووصفتها وسائل الإعلام بأنها كانت "حادة"، أشار موقع "أكسيوس" إلى أن نتنياهو "مارس خلالها ضغوطاً هائلة على ترامب لحمله على استئناف العمل العسكري الشامل والفوري، وأبدى إحباطاً شديداً من هذا التراجع الأميركي المفاجئ، معتبراً إذعان واشنطن للمسار الدبلوماسي خطأ استراتيجياً فادحاً يتعين تصحيحه".

وحين تسرب مضمون مذكرة التفاهم، المشار إليها آنفاً، إلى وسائل الإعلام كشف نتنياهو عن مضمون مكالمة أجراها مع ترامب يوم 23/5/2026، قائلاً: "تحدثت مع الرئيس ترامب بشأن مذكرة التفاهم لإعادة فتح مضيق هرمز، والمفاوضات المقبلة للتوصل إلى اتفاق نهائي بشأن البرنامج النووي الإيراني، وأكد أنهما اتفقا على أن أي اتفاق نهائي يجب أن يؤدي إلى القضاء على الخطر النووي، بما في ذلك تفكيك مواقع تخصيب اليورانيوم وإزالة المواد النووية المخصبة من الأراضي الإيرانية" 

بالتوازي مع هذه الاتصالات، صدر بيان من البيت الأبيض يفيد بأن الرئيس ترامب أجرى يوم 24/5/2026 مكالمة جماعية مع كل من: محمد بن سلمان، ولي عهد السعودية، محمد بن زايد، رئيس دولة الإمارات، تميم بن حمد آل ثان، أمير قطر، الفريق أول عاصم منير، رئيس الجيش الباكستاني، رجب طيب إردوغان، رئيس الجمهورية التركية، عبد الفتاح السيسي رئيس جمهورية مصر العربية، عبد الله الثاني، ملك الأردن، حمد بن خليفة، ملك البحرين.

وبينما أشارت تقارير إعلامية إلى أن جميع هذه القيادات شجعت ترامب على التوقيع على مذكرة التفاهم من دون تأخير، ما يوحي بأن موضوع المكالمة انصب على التشاور حول مضمون هذه المذكرة، أشارت تقارير إعلامية أخرى إلى أن ترامب حرص خلال المكالمة على حثّ من لم يوقّع من هذه الدول على "الاتفاقات الإبراهيمية" على القيام بذلك من دون تأخير، ما يوحي بأن موضوع المكالمة عكس اهتمام ترامب البالغ بتوسيع نطاق الاتفاقيات الإبراهيمية وربط بين توقيع الولايات المتحدة على مذكرة التفاهم مع إيران وموافقة الدول العربية والإسلامية على تطبيع العلاقة مع "إسرائيل".

ليس من المستبعد على الإطلاق أن تكون الضغوط التي مارسها نتنياهو هي التي تسببت في تراجع ترامب عن ما تم الاتفاق عليه، ما يفسر تصريحات الأخير بأنه أصدر تعليمات بعدم التسرع في التوقيع على مذكرة التفاهم التي لم يتم الاتفاق على صيغتها النهائية بعد.

فرغم كل ما قدمه ترامب لنتنياهو، وما زال على استعداد لتقديم المزيد منه، إلا أن شهية الأخير ما تزال مفتوحة على آخرها لالتهام كل ما تستطيع ابتلاعه، حتى ولو كانت معدته لا تستطيع هضمه، ولذا فليس من المتوقع أن يتطوع من نفسه بتقديم ما قد يساعد ترامب على الخروج من مأزقه، خصوصاً أنه يشعر بأن مأزقه هو يبدو أشد من مأزق ترامب نفسه، لأنه معرض مثله لخسارة الانتخابات التشريعية التي ستجري في "إسرائيل" في منتصف أيلول/سبتمبر القادم.

فهو على قناعة تامة بأن مذكرة التفاهم المقترحة، في حال ثبوت صحة التسريبات الصحفية حول مضمونها، ستصب لصالح النظام الإيراني أولاً وقبل كل شيء، وذلك لأسباب عدة أهمها:

1- أنها ستتيح للنظام الإيراني الحصول فوراً على كمية هائلة من الأموال، سواء من حصيلة بيع النفط في السوق العالمي من دون قيود أو من الإفراج عن أرصدته المالية المجمدة لدى البنوك العالمية، وأن هذه الأموال ستستخدم على الفور في ترميم الأضرار التي لحقت بالبرنامج الصاروخي أو مد يد المساعدة من جديد لحلفائه في المنطقة.

2- أن الموضوعات المتعلقة ببرنامج إيران الصاروخي وبنفوذها الإقليمي لم تعد مدرجة على جدول أعمال المفاوضات الأميركية- الإيرانية، لا الآن ولا في المستقبل المنظور، وهي أكثر الموضوعات خطورة على أمن "إسرائيل" من منظور نتنياهو.

3- أن التفاصيل المتعلقة ببرنامج إيران النووي لن تناقش إلا في مرحلة لاحقة، وبعد أن تكون شوكة النظام الإيراني قد قويت، ما سيؤدي إلى التعنت وربما الإصرار على الاحتفاظ بأكبر عدد ممكن من أجهزة تخصيب اليورانيوم، حتى في حالة الالتزام بنسبة تخصيب منخفضة. 

لكل هذه الأسباب، يرجح أن يسعى نتنياهو في مرحلة أولى، كما سبقت الإشارة، إلى الحيلولة دون توقيع الولايات المتحدة على مذكرة التفاهم بمضمونها الحالي، أما إذا فشل فسيسعى، في مرحلة ثانية، لتخريب أي مفاوضات تستهدف وضع بنودها موضع التنفيذ، والأرجح أن يعتمد في تحقيق تلك الأهداف على التصعيد العسكري في لبنان، من ناحية، والعمل على تفجير حرب أهلية هناك، من ناحية أخرى. فهل ينجح نتنياهو في تنفيذ هذا المخطط الشرير؟ الأيام والأسابيع القليلة القادمة ستتكفل بالإجابة عن هذا السؤال.

الجمهورية الإسلامية في إيران تعلن في الأول من آذار/مارس 2026 استشهاد القائد الأمة السيد علي خامنئي في مقر عمله في "بيت القيادة"، إثر العدوان الأميركي الإسرائيلي على البلاد.