هل تنجح طهران في فرض المعادلة؟

تدرك إيران أن الحرب الأخيرة في غزة وامتدادها إلى لبنان لم تعد مجرد مواجهة موضعية فقط، بل لحظة مفصلية في إعادة تشكيل توازنات المنطقة.

0:00
  •  طهران تصر على الربط بين الجبهات.
    طهران تصر على الربط بين الجبهات.

لم يعد مفهوم وحدة الساحات مجرد شعار سياسي تتبناه قوى محور المقاومة في المنطقة سواء في لبنان أم في غزة أم اليمن، أو إطارًا ميدانيًا لتنسيق الضغوط العسكرية بين الجبهات المختلفة، بل يبدو أنه يتحول اليوم إلى عنوان استراتيجي تحاول إيران فرضه على قلب طاولة التفاهمات الدولية الكبرى، بوصفه قاعدة جديدة لإدارة الصراع في المنطقة.

التسريبات التي تحدثت عنها صحيفة يديعوت أحرونوت بشأن إصرار طهران على تضمين أي اتفاق يجري بلورته مع الإدارة الأميركية بندًا واضحًا ينص على وقف الحرب في جميع الجبهات، والتي أشارت الصحيفة وفق ما هو معروف إلى أن الولايات المتحدة وافقت على ذلك رغم أن هذا البند سيكون أقل ملاءمة لـ"إسرائيل"، تكشف أن إيران لا تخوض مفاوضات تكتيكية مرتبطة بوقف حرب مؤقتة فحسب، بل تتحرك بعقلية سياسية استراتيجية بعيدة المدى، تهدف إلى تثبيت معادلات إقليمية جديدة تخدم مصالحها الاستراتيجية، وتمنح حلفاءها مظلة سياسية وأمنية أوسع في المرحلة المقبلة.

تدرك إيران أن الحرب الأخيرة في غزة وامتدادها إلى لبنان لم تعد مجرد مواجهة موضعية فقط، بل لحظة مفصلية في إعادة تشكيل توازنات المنطقة، كشفت حجم الترابط بين الساحات المختلفة من فلسطين ولبنان إلى البحر الأحمر والعراق وسوريا.

من هنا تسعى طهران إلى استثمار هذه اللحظة لتحويل وحدة الساحات من مفهوم ميداني فرضته الوقائع العسكرية إلى معادلة سياسية ذات طابع دولي، يصبح تجاوزها مستقبلاً أكثر صعوبة.

هذا التحول يحمل أبعادًا عميقة تتجاوز البعد العسكري المباشر، فالمقصود هنا ليس فقط وقف إطلاق النار المتزامن بين عدة جبهات، بل تكريس فكرة أن أي استهداف لطرف من أطراف المحور قد يؤدي تلقائيًا إلى اشتعال ساحات متعددة في آن واحد، بما يجعل الأمن الإقليمي ملفًا واحداً مترابطًا لا يمكن فصله أو التعامل معه بمنطق الجبهات المنعزلة أو تجزئة الجبهات كما تريد "إسرائيل".

على مدار سنوات طويلة، قامت الاستراتيجية الإسرائيلية على مبدأ تفكيك الساحات وإدارة كل جبهة بصورة منفصلة، بما يسمح باحتواء أي تصعيد ضمن نطاق جغرافي محدد ومنع تحوله إلى مواجهة إقليمية واسعة، لكن هذه الحرب أظهرت هشاشة هذه النظرية بعدما تحولت غزة إلى مركز اشتباك امتدت تداعياته إلى لبنان والبحر الأحمر والعراق، وحتى الحسابات الدولية المتعلقة بقضية الطاقة والملاحة والأمن البحري في المنطقة.

من هنا تبدو صلابة الموقف الإيراني في المفاوضات الجارية مرتبطة بقناعة واضحة داخل طهران بأن هذه اللحظة تمثل فرصة تاريخية لها لإعادة صياغة قواعد الاشتباك في المنطقة من جديد.

من الواضح أن طهران لا تريد اتفاقًا مؤقتًا ينهي الحرب الحالية فقط، بل تسعى إلى تفاهم طويل الأمد ذو بعد استراتيجي، يعيد تعريف شكل الردع الإقليمي، ويمنح حلفاءها اعترافًا غير مباشر بدورهم وتأثيرهم ضمن المعادلة الأمنية الجديدة في الشرق الأوسط.

إن القراءة الواقعية لمثل هذه التسريبات تعني أن طهران تصر على الربط بين الجبهات، لأنها تدرك أن أخطر ما يمكن أن يحدث بعد انتهاء الحرب هو العودة مجددًا إلى مرحلة عزل الساحات، حيث تستطيع "إسرائيل" استهداف كل طرف منفردًا من دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة، أما تثبيت مبدأ الترابط بين الجبهات فيعني عمليًا خلق شبكة ردع إقليمية تجعل أي حرب مستقبلية أكثر تعقيدًا وكلفة على "إسرائيل" وأميركا.

تكمن مسألة مهمة في هذه التسريبات التي كشفت عنها يديعوت أحرونوت صباح هذا اليوم، وهي أن الحديث عن قبول أميركي بهذا الطرح ولو بصورة غير معلنة يعكس إدراك واشنطن نفسها لتحولات الواقع الإقليمي الجديدة، فالولايات المتحدة التي لطالما سعت إلى إدارة الأزمات بشكل منفصل تجد نفسها اليوم أمام شرق أوسط مختلف تماماً، تتداخل فيه الجغرافيا العسكرية مع المصالح الاقتصادية والتحالفات الأمنية، بصورة تجعل احتواء أي جبهة بمعزل عن الأخرى أمرًا بالغ الصعوبة.

أما "إسرائيل"، فإن مثل هذه التسريبات تمثل بالنسبة لها تحديًا استراتيجيًا حقيقيًا، لأنها تقوّض إحدى أهم ركائز عقيدتها الأمنية القائمة على منع توحيد الجبهات، والتي لطالما وصفتها بأنها الطوق الذي يلتف حول رقبتها، وبالتالي فإن نجاح إيران في فرض معادلة وحدة الساحات وتكريسها ضمن التفاهمات الدولية يعني عمليًا الاعتراف بأن أي مواجهة مستقبلية لن تبقى محصورة داخل حدود جغرافية ضيقة، بل ستكون مرشحة للتحول تلقائيًا إلى حرب إقليمية متعددة الجبهات، وهو ما يقيد هامش الحركة الإسرائيلية سياسيًا وعسكريًا.

رغم ذلك، تدرك طهران أن تثبيت هذه المعادلة لن يكون سهلًا أو مباشرًا، فواشنطن تقولها بصراحة إنها لا تريد منح انتصار سياسي واضح لإيران، كما أن "إسرائيل" ستقاوم أي صيغة تمنح شرعية غير مباشرة لمحور المقاومة، لذلك قد تتجه الأمور نحو صيغة مقاربة تتعامل معها ضمن ترتيبات وقف إطلاق النار والتفاهمات الأمنية المقبلة.

في جميع الأحوال، ما يجري اليوم من جهود يتجاوز مجرد مفاوضات لإنهاء حرب، بل يتعلق بمحاولة إعادة رسم النظام السياسي والأمني في المنطقة، ومن الواضح أن طهران تبدو مصممة على استثمار نتائج المواجهة الحالية للانتقال من مرحلة الدفاع عن النفوذ إلى مرحلة تثبيت النفوذ والحلفاء ضمن تفاهمات طويلة الأمد، بما يضمن حماية مصالحها الاستراتيجية ويمنح حلفاءها دورًا أكثر رسوخًا في معادلات القوة الإقليمية.

لذلك، فإن أي اتفاق مرتقب لن يحدد فقط شكل نهاية الحرب، بل سيكشف أيضًا ما إذا كانت المنطقة تتجه نحو مرحلة جديدة يصبح فيها مفهوم وحدة الساحات جزءًا لا يتجزأ من التوازنات الإقليمية المعترف بها، أم أن الصراع سيعود مجددًا إلى سياسة الجبهات المنفصلة ومحاولات الاحتواء التقليدية، لكن الأهم في المعادلة أن الشرق الأوسط بعد هذه الحرب لن يكون كما قبلها، وستميل الكفة لصالح موقع إيران وحلفائها في المنطقة، إذ إن عبارة تثبيت معادلة وحدة الساحات دوليًا ستحمل من الآن فصاعدًا وزنًا سياسيًا واضحًا بالانتقال من مفهوم تنسيقي إلى مستوى اعتراف وتكيف دولي مع هذا المصطلح.

وفي ضوء مسار المفاوضات والتسريبات المتداولة، يبدو أن المنطقة تتجه نحو مرحلة إعادة تشكيل هادئة لكنها عميقة استراتيجياً.

قد لا يُعلن رسميًا عن وحدة الساحات، لكن مفاعيلها قد تُدمج ضمن ترتيبات أمنية غير مباشرة، أما "إسرائيل" من الآن فصاعدًا ستواجه معادلة ردع أكثر تعقيداً تقلّص هامش تحركها المنفرد في أي ساحة، لكن ما هو ثابت في المعادلة أنه على كل الأحوال سيتكرس واقع إقليمي جديد تُدار فيه الحروب بتوازنات مترابطة لا بجبهات منفصلة.