حقيقة الدور التركي خلال العدوان على إيران

تركيا التي فقدت دورها الموعود في المنطقة العربية باستثناء حضور ثانوي في شمال سوريا وغرب ليبيا وفي الصومال، ستسعى لأن يكون لها دور ريادي في آسيا الوسطى.

0:00
  • العثمانية الجديدة جسر عبور تركيا إلى العالم العربي.
    العثمانية الجديدة جسر عبور تركيا إلى العالم العربي.

في الوقت الذي تشهد فيه منطقة الشرق الأوسط والعالم تحولات عميقة لجهة الانتقال من نظام أحادي القطبية إلى نظام متعدد الأقطاب، وفي الوقت الذي تسعى فيه قوى أوراسية ومن ضمنها الصين وروسيا لصياغة أدوار دولية تشكل بديلاً من العلاقات الدولية التي قامت منذ ثلاثة قرون على الهيمنة الغربية، فإن تركيا تقف على مفترق طرق باحثة عن دور لها في هذا العالم المضطرب. 

العثمانية الجديدة جسر عبور تركيا إلى العالم العربي 

عقب الإعلان عن قيام الجمهورية التركية في عام 1924، أدارت النخب التركية ظهرها للموروث الإسلامي ولمنطقة الشرق الأوسط ووسط آسيا موجهة أنظارها للانضمام إلى أوروبا. لكن، بعد عقود من المحاولات، وبنتيجة الرفض الأوروبي لدمج تركيا في منظومتها، باعتبارها دولة ذات هوية مسلمة، كان على النخب التركية إعادة صوغ دورها بالتوجّه مجدداً نحو الشرق الأوسط ووسط آسيا.

 شكل عهد عدنان مندريس وجلال بيار في الخمسينيات من القرن الماضي محاولة أولى للتوجه إلى الشرق الأوسط، إلا أن هذه المحاولة انتهت بالانقلاب على مندريس وإعدامه في عام 1960. خلال الثمانينيات ومطلع التسعينيات من القرن الماضي، شكل عهد تورغوت أوزال كرئيس للوزراء ومن ثم كرئيس للجمهورية (1983 – 1993) بادرة التوجه نحو وسط آسيا بإيعاز أميركي بغية زعزعة استقرار الاتحاد السوفياتي ومد النفوذ الغربي نحو بلدان وسط آسيا. إلا أن هذه المحاولة انتهت بوفاة اوزال في عام 1993. 

خلال التسعينيات من القرن الماضي، كانت الولايات المتحدة قد بدأت تعي خطورة التقارب الصيني- الروسي- الإيراني على مصالحها، ما دفع بها إلى التذرع بهجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001 لاحتلال أفغانستان ومن ثم ضرب العراق لإعادة تشكيل الجغرافيا السياسية للشرق الأوسط.

وبغية منع إيران من التحوّل إلى جسر للصين باتجاه شرق المتوسط، رفعت الدوائر الأميركية ومعها القيادات السياسية العربية المرتبطة بها شعار احتواء التمدد الشيعي الإيراني عبر إقامة تحالف بين ثلاث عواصم سنية هي أنقرة والرياض والقاهرة.

ولتحقيق هذا الهدف،  سعت الولايات المتحدة لاستمالة الإسلام السياسي وتحديداً جماعة الإخوان المسلمين وتسليمهم السلطة في أنقرة تحت مسمى العثمانية الجديدة، على أن يشكل هذا مقدمة لاستلامهم الحكم في مصر ومن ثم في المملكة العربية السعودية وغيرها من الأقطار العربية حتى يكون هنالك حزب واحد هو حزب  الإخوان المسلمين يجمع بين هذه العواصم في خطاب يتجاوز البعد القومي إلى البعد الديني المذهبي.

إلا أن فشل الإخوان المسلمين في استلام السلطة في مصر (2012 – 2013 ) ومن ثم فشلهم في أن يشكّلوا بديلاً من الأسرة السعودية الحاكمة في الرياض وغيرها من العواصم العربية أدى إلى تبخر أحلام تركيا في أن تتحول إلى القطب المهيمن في المنطقة العربية. 

"إسرائيل" تستعيد الدور الريادي بتكليف من واشنطن 

بنتيجة هذا الفشل قررت دوائر القرار الأميركية إعادة الاعتبار إلى الأنظمة العربية القائمة مع إعطاء الأولوية لـ"إسرائيل" في قيادة مشروع إعادة تشكيل الجغرافيا السياسية للمنطقة فحلّ مكان شعار العثمانية الجديدة شعار الهويات الإبراهيمية.

وتطبيقاً لهذا المشروع، شنّت "إسرائيل" حرب إبادة ضد غزة لمدة عامين اتبعتها بتوجيه ضربات للمقاومة الإسلامية في لبنان والإطاحة بالدولة السورية بالتعاون مع تركيا وبريطانيا والولايات المتحدة.

بعد ذلك، بدأت "إسرائيل" تجاهر بعزمها إقامة "إسرائيل الكبرى" عبر تقسيم سوريا إلى كيانات طائفية مع حديث في الكواليس عن عزمها على احتلال جنوب لبنان حتى الليطاني، وضم بعض أقضية البقاع والشمال إلى الدولة السورية وإقامة كانتون مسيحي في شمال جبل لبنان.

في المقابل، كانت حصة تركيا هي جزء من الشمال السوري بما يعكس تحول الدور التركي من دور ريادي إلى دور ثانوي في المنطقة. ولقد شكل إسقاط سوريا مقدمة لتوجيه ضربات في العمق الروسي وهو ما حدث في ربيع عام 2025، عدا عن أن إسقاط سوريا هو الذي مهد لتوجيه ضربة لإيران في عام 2025 بغية إسقاط النظام فيها وتقسيمها عبر دعم الحركات الانفصالية فيها.

بعد فشل الضربة هذه في حزيران 2025 حاولت الولايات المتحدة و "إسرائيل" مجدداً قبل شهرين إلا أنهم فشلتا.

خلال العدوان الإسرائيلي- الأميركي على إيران، لوحظ غموض الدور التركي بالتوازي مع قيام حليفتها أذربيجان بتقديم تسهيلات للقوات الأميركية والإسرائيلية لتقديم دعم لوجيستي لجماعات انفصالية في شمال غرب إيران، وتحديداً في مناطق أذربيجان الشرقية والغربية ومهاباد وكرمانشاه.

هذا أشار إلى دور تركي في المشاركة ضمناً في العدوان على إيران، على الرغم من الجهود الإيرانية لاحتواء تركيا خلال النزاع. لكن يبدو أن الدوائر الأميركية قررت تعويض تركيا عن خسارتها لدورها الموعود في المنطقة العربية لجهة تأهيلها لدور مهيمن في آسيا الوسطى.

في هذا الإطار، يجب ملاحظة ما جرى خلال الأعوام الماضية لجهة إحداث انقلاب في أرمينيا وضع يريفان تحت الهيمنة الأميركية خلافاً لما درجت عليه يريفان طوال تاريخها الحديث لجهة علاقاتها الوثيقة مع موسكو. وخلال العامين الماضيين، تنازلت يريفان عن إقليم ارتساخ لأذربيجان كمقدمة لتوقيع اتفاقية معها لفتح معبر زنغزور برعاية أميركية ليصبح جسر عبور لتركيا عبر جنوب القوقاز باتجاه جمهورية تركمانستان، وذلك كمقدمة لزعزعة الاستقرار في منطقة آسيا الوسطى بما يهدد الأمن القومي الروسي والصيني ويضرب أحد فروع مبادرة "حزام وطريق" الرئيسية. 

آفاق المستقبل

بناء على ذلك، فإن تركيا تبدو مستفيدة من ضرب إيران، على الرغم من الخطاب العدائي القائم علناً بين أنقرة و "تل أبيب". فتركيا التي فقدت دورها الموعود في المنطقة العربية باستثناء حضور ثانوي في شمال سوريا وغرب ليبيا وفي الصومال، ستسعى لأن يكون لها دور ريادي في آسيا الوسطى بما يصب في مصلحة الولايات المتحدة للتمدد إلى تلك المنطقة وضرب روسيا والصين في خاصرتهما الرخوة. 

قد يكون من مستلزمات تحضير تركيا لمشروع كهذا هو تغيير في السلطة في تركيا. "فالإسلامي" رجب طيب إردوغان الذي كان خطابه ينفع في مد جسر مع العالم العربي عبر الموروث الإسلامي المشترك، قد لا يكون مناسباً لحمل خطاب قومي يشكل جسر عبور تركيا باتجاه جمهوريات آسيا الوسطى ذات الأصول التركية المشتركة. وما يزيد من احتمال تغيير في السلطة في أنقرة بمباركة أميركية هو كبر سن إردوغان من جهة والصراع القائم داخل حلقته الضيقة بين صهره بيرقدار ووزير خارجيته حقان فيدان وابنه نجم الدين بلال على من يخلفه في السلطة.

من هنا، فإن إعادة تأهيل المعارضة التركية ذات الخطاب القومي قد يكون أكثر ملاءمة مع المشاريع الأميركية المرسومة لتركيا في المرحلة المقبلة لجهة لعب دور مهيمن في آسيا الوسطى. 

الجمهورية الإسلامية في إيران تعلن في الأول من آذار/مارس 2026 استشهاد القائد الأمة السيد علي خامنئي في مقر عمله في "بيت القيادة"، إثر العدوان الأميركي الإسرائيلي على البلاد.