هل تطوي صناديق الاقتراع الصفحة الأخيرة لكل من عباس ونتنياهو؟

الانتخابات الإسرائيلية والفلسطينية تقترب وسط أزمات شرعية وانقسامات عميقة، وقد تنهي مسيرتي نتنياهو وعباس من دون أن تفتح بالضرورة طريقاً لتعافي النظامين أو تخفيف حدة الصراع.

  • هل تطوي صناديق الاقتراع الصفحة الأخيرة لكل من عباس ونتنياهو؟
    هل تطوي صناديق الاقتراع الصفحة الأخيرة لكل من عباس ونتنياهو؟

على مبعدة أسابيع وأشهر قليلة، سيرتسم خط النهاية للمسيرة السياسية لكل من رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس الفلسطيني محمود عباس، ما لم يطرأ، بالطبع، ما ليس في الحسبان، في إقليم اعتاد أن يستيقظ صباح كل يوم على وقع مفاجأة من العيار الثقيل.

في أواخر تشرين الأول/أكتوبر المقبل، ستفتح مراكز الاقتراع أبوابها في "إسرائيل"، في انتخابات تجري، على غير العادة، في موعدها المقرر، وسط تقديرات بأن حظوظ نتنياهو في الفوز مرة أخرى تتراجع باطراد.

ويواجه حزبه، "الليكود"، منافسة شديدة من حزب "يشار"، حديث النشأة، فيما يوسع غريمه غادي آيزنكوت الفجوة لمصلحته في بعض الاستطلاعات، بوصفه الشخصية الأكثر ملاءمة لتشكيل حكومة جديدة.

ومن الراجح أن تُسدل الانتخابات الستار على فصل طويل وممتد في الحياة السياسية الإسرائيلية والإقليمية، تصدّره "ملك إسرائيل"، وترك بصماته الثقيلة عليه، ولا سيما في سنوات الحرب الثلاث الأخيرة، إذ تبدلت قواعد اللعبة، واختلفت قواعد الاشتباك، وطرأت تطورات ستجعل "إسرائيل" والإقليم بعدها غير ما كانا عليه قبلها.

نقول من الراجح، ولا نقول من المؤكد؛ أولاً، لأن الرجل أتقن فنون النجاة والبقاء، وثانياً، لأن التطورات المتسارعة في الإقليم قد تأتي برياح تشتهيها سفنه، سواء على جبهة الحرب المفتوحة بين الولايات المتحدة وإيران، وهي حرب إسرائيلية في المقام الأول، إن لم يكن الأخير، أو على جبهة الحروب المنخفضة الوتيرة في لبنان وغزة وسوريا، والمرشحة دائماً للانفجار على نطاق واسع إن طرأ جديد.

المعارضة الإسرائيلية وهواجس ما قبل الانتخابات

في "إسرائيل"، تترقب المعارضة بفارغ الصبر لحظة الاقتراع، بيد أنها تتحسب، كما تتحسب عواصم القرار الإقليمي والدولي، لاحتمالات أخرى قد تقلب الطاولة على رؤوس اللاعبين والمراقبين. ومن بين هذه الاحتمالات قيام نتنياهو بتوسيع دائرة حروبه وتصعيدها، وهنا تبدو غزة ولبنان في قلب المهداف.

ومنها أيضاً قيام الرجل والدولة العميقة، التي أعاد تشكيلها وصياغتها على صورته وشاكلة اليمين الأكثر تطرفاً، بالتلاعب بنتائج الانتخابات أو تزويرها، كما يقول بعض رموز المعارضة وقادتها بالفم الملآن.

لقد بلغت "الديمقراطية" الإسرائيلية في عهد نتنياهو مستوى من التردي يسمح ببروز مخاوف من هذا النوع، ظلت غائبة عن قاموس السجال الداخلي الإسرائيلي منذ نشأة الكيان. وربما يكون هذا وجهاً جديداً من وجوه التردي التي سمحت لنا، في مقالات سابقة، بأن نقول إن "إسرائيل تتمشرق" تحت زعامة نتنياهو واليمين الديني والقومي الأكثر تطرفاً.

سيغادر نتنياهو المسرح السياسي الإسرائيلي، إما بفعل صناديق الاقتراع، وإما على وقع "مطرقة القضاء"، وربما بفعل الاثنين معاً، ولا سيما أن الرجل أخذ يتحول من ذخر إلى عبء على كثير من حلفائه في الولايات المتحدة وأوروبا.

وهذا مكسب كبير، سياسي ومعنوي، لا تقلل من شأنه حقيقة أن أياً من خلفائه لن يكون أفضل منه بالضرورة، لكنه لن يتمتع بقوته ومكانته اللتين اكتسبهما طوال أكثر من أربعة عقود في قلب الحياة السياسية الإسرائيلية والدولية.

ويشمل ذلك الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي وصفه نائبه جي دي فانس بأنه الزعيم الوحيد المتعاطف مع "إسرائيل" وحليفها القوي الأخير، في معرض تحذيره مسؤولين إسرائيليين من مهاجمة مواقف الإدارة الأميركية.

انتخابات "التشريعي"

على المقلب الآخر، يضرب الفلسطينيون بدورهم موعداً، في 28 تشرين الثاني/نوفمبر المقبل، مع صناديق الاقتراع، في أول انتخابات تشريعية فلسطينية تُجرى منذ عقدين، وبعد خمسة أعوام من إلغاء آخر موعد لإجرائها بحجج وذرائع بالية، أُريد بها إخفاء الخشية من نتائجها والخوف من انفلات عقد السلطة والحكم من بين أيدي فئة متنفذة بالسلطة والقرار، من دون رقيب أو حسيب.

وكان من المفترض أن تتزامن الانتخابات التشريعية مع انتخابات رئاسية، لكن الرئيس محمود عباس آثر الفصل بينهما بفارق زمني قد يصل إلى نحو نصف عام، لأسباب في نفس يعقوب، ويعقوب هنا هو الرئيس بعينه.

وفي ظني أن من بين هذه الأسباب:

أولاً، خشيته من خسارة الانتخابات، على الرغم من جهوده المضنية لـ"هندستها" وضمان نتائجها قبل انعقادها. فإذا جرت الانتخابات متزامنة، فقد يخسر الموقعين الرئاسي والتنفيذي والتشريعي معاً، أما في حال الفصل بينهما، فقد يخسر الانتخابات التشريعية، ويبقي الرئاسية معلقة على شتى الاحتمالات.

ثانياً، رغبته في إعداد بديل لخوض غمار الاستحقاق الرئاسي، إذ لا يُعقل، وفق الحسابات كلها، أن يعاود ترشيح نفسه، وهو الذي سيكون قد دشّن العقد العاشر من عمره المديد. ويريد لهذا المرشح البديل أن يكون من قماشته السياسية، في حال تعذر أن يكون من صلبه ويحمل جيناته الوراثية.

بين المقاطعة والمشاركة

يقترب الاستحقاق الانتخابي بسرعة، فيما "الرفاق حائرون"، ويتساءلون عما يتعين عليهم فعله. فهناك فريق يدعو إلى المقاطعة، على قاعدة أنها انتخابات تجري في إطار "إعادة هندسة" النظام السياسي الفلسطيني ليتكيف مع مخرجات الحل الإسرائيلي للقضية الفلسطينية.

وهناك فريق يدعو إلى المشاركة ضمن جبهة عريضة وواسعة من القوى والشخصيات والفصائل والحراكات، بهدف استحداث التغيير من داخل النظام. وهناك فريق ثالث لا يزال يراوح بين خياري المقاطعة والمشاركة، ويؤثر الصمت والانتظار.

ولا شيء مؤكداً حتى الآن سوى الاشتراطات الأميركية - الإسرائيلية المتعلقة بالاستحقاق والمحيطة به، والتي تتلخص أساساً في "منع" قوى المقاومة وأنصارها من خوض غماره، عبر تفخيخ قانون الانتخابات بشروط سياسية تسقط عن الانتخابات نزاهتها وشفافيتها وتكافؤ الفرص التي توفرها للمتنافسين.

وينص القانون الانتخابي المعدّل على التزام المرشحين بالقانون الأساسي، والاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلاً شرعياً ووحيداً للشعب الفلسطيني، ودعم برنامجها السياسي والوطني وقرارات "الشرعية الدولية"، وهي شروط أثارت انتقادات بشأن تأثيرها في مشاركة قوى المقاومة.

وسيُشهر سيف الاغتيالات والاعتقالات فوق رؤوس المرشحين من خارج قماشة السلطة، وربما تكون تلك واحدة "من بركات التنسيق الأمني" المضمرة.

وستُفرض قيود على حرية الحركة والدعاية والحملات الانتخابية، وقد يُمنع سكان القدس من التصويت في مدينتهم المحتلة، كما قد تتأثر مناطق أخرى بإجراءات إسرائيلية انتقائية. ولا نعرف حتى الآن كيف ستُنشر صناديق الاقتراع في قطاع غزة، ووفق أي ظروف وملابسات.

هاجس التدخل في النتائج

يمثل سيناريو التدخل في الانتخابات واللعب بنتائجها هاجساً يجتاح الفلسطينيين، فصائل وشخصيات وحراكات ومبادرات، بمن فيهم "المتمردون" من داخل حركة "فتح" ذاتها، والذين شرع بعضهم في إعداد قوائمه الانتخابية.

ويتعاظم هذا الهاجس مع استسهال إصدار المراسيم الرئاسية، التي يأتي أحدها معارضاً لما سبقه، من دون شرح كافٍ أو تبيان لـ"الأسباب الموجبة". فمن انتخاب مجلس وطني إلى انتخاب مجلس تشريعي، مروراً بتحديد أعداد أعضاء المجلس وتوزيعهم الجغرافي بين الداخل والخارج، تجري القرارات من دون تشاور واسع، ومن قبل حفنة قليلة ممسكة بتلابيب "المقاطعة".

وفي ظني أن الأطراف الدولية "الراعية تقليدياً" لنزاهة الانتخابات وشفافيتها ستضرب صفحاً، هذه المرة، عن أي تجاوزات وانتهاكات، ما دامت تمثل ممراً إجبارياً للحيلولة دون وصول شخصيات وقوى وفصائل غير مرغوب فيها إلى مقاعد المجلس التشريعي.

وستقدم دول عربية عديدة، لا تعرف الانتخابات النزيهة أصلاً، دعمها لإجراءات السلطة، وتثمن "إجراءاتها الإصلاحية". وفي الأنباء، أو بالأحرى التسريبات التي يجري تداولها، أن مرسوماً رئاسياً جديداً قد يصدر قريباً، يحمل هذه المرة جديداً احترازياً أكثر تحوطاً.

إذ تقول المصادر إن الرئاسة تنوي خفض عدد النواب المنتخبين من 200 عضو يمثلون الضفة والقطاع والقدس إلى 132 عضواً، في عودة إلى العدد المنصوص عليه في القانون الأصلي، على أن يُختار 68 عضواً تكميلياً بالتعيين. ويُضاف هؤلاء، بحسب التسريبات، إلى 150 عضواً يمثلون الخارج والشتات، فيصبح عدد الأعضاء المعينين في المجلس الوطني المقبل 218 عضواً من أصل 350 عضواً، أي أكثر من 62%.

غير أن هذه التسريبات تتعارض، حتى الآن، مع القرار بقانون النافذ، الذي حدد عدد أعضاء المجلس التشريعي بـ200 عضو، ومع النظام الانتخابي للمجلس الوطني، الذي ينص على تمثيل الأراضي الفلسطينية بـ200 عضو، يكون أعضاء المجلس التشريعي المنتخبون من بينهم.

ولن تجد السلطة والرئاسة صعوبة في تبرير وتسويغ مرسومها الجديد، في حال صدوره، من قبيل القول إن هناك فئات قد تُظلم في تمثيلها، ويتعين استحداث التوازن عبر التعيين. وهناك ذريعة أخرى يمكن استخدامها مشجباً، هي "إعلان المبادئ - أوسلو"، الذي أعطى "إسرائيل" حق التدخل في عدد أعضاء "مجلس الحكم الذاتي الانتقالي" وهيكليته، وهو المجلس الذي أعطاه الفلسطينيون اسم "المجلس التشريعي الفلسطيني".

إذن، هو الإفراط في الاحتراز والتحوط، الذي يشي باستجابة لضغوط خارجية لإجراء "إصلاحات تجميلية" في بنية النظام السياسي الفلسطيني الشائخ، الذي تعتصره أعراض "موت سريري". وهو تماماً مثلما يفعل أشقاؤنا المسيحيون حين يُقدمون على تزيين موتاهم، وإلباسهم أفضل ما لديهم من ثياب، قبل إلقاء نظرة الوداع الأخيرة عليهم ومواراتهم الثرى.

ماذا عن الانتخابات الرئاسية؟

لا نعرف عنها حتى الآن سوى أنها ستُجرى في الربع الأول من العام المقبل. لكن تحديد موعدها النهائي قد ينتظر نتائج انتخابات المجلس التشريعي، ودائماً من باب التحوط والاحتراز. ولا أكاد أتخيل سيناريو يتقدم فيه الرئيس عباس للترشح من جديد، كما لا أكاد أتخيل أن الانتخابات ستُجرى من دونه، وأنه سيسلّم العهدة من بابها إلى محرابها لمن سيأتي من بعده، حتى إن كان من أقرب الناس إليه، وربما باستثناء نجله.

وفوق هذا وذاك، لا أكاد أستبعد تأجيل الانتخابات حتى إشعار آخر، والاكتفاء بتجديد شرعية نصف المؤسسات، وإبقاء النصف الآخر على قدمه. إنها الشق الأصعب من انتخابات "تجديد الشرعيات"، كما توصف تجاوزاً، لكن لا بد مما ليس منه بد.

فالانتخابات التشريعية معضلة لسلطة لا شعبية لها، وقد تأتيها المفاجآت من حيث لا تحتسب، ومن خارج قوائم منافسيها ومجادليها التقليديين من الفصائل والحركات السياسية والمقاومة.

وقد تأتي من داخل حركة "فتح" والمتمردين عليها، أو من العائلات والعشائر وأصحاب رؤوس الأموال. لكن حين يتعلق الأمر بالانتخابات الرئاسية، تكون المجازفة أصعب وأخطر، ولا سيما في ظل نظام رئاسي شبه مطلق، تكرّس منذ قيام السلطة قبل أكثر من ثلاثة عقود.

مروان البرغوثي في صدارة الحسابات

لا تعطي استطلاعات الرأي العام السلطة ورموزها سوى نسبة محدودة من أصوات الفلسطينيين، وتضع القائد الأسير مروان البرغوثي في صدارة المرشحين الأوفر حظاً.

لكن يمكن مرشحين مستقلين يحظون بدرجة أقل من الشعبية أن يخوضوا غمار المنافسة، وأن تتوافر لهم فرص مرتفعة للنجاح، ولا سيما إن تلقوا دعماً مباشراً أو غير مباشر من فصائل وقوى فلسطينية ستحاذر تقديم مرشحين من داخلها.

وفي هذا السياق، تُقرأ إجراءات العزل المشددة المفروضة على الأسير مروان البرغوثي، وما أعلنته عائلته عن إطلاق أحد حراس السجن رصاصة مطاطية عليه داخل زنزانته، في ظل معلومات عن نيته الترشح من داخل السجن لخوض غمار الاستحقاق الرئاسي. وقد نفت مصلحة سجون الاحتلال رواية إطلاق النار عليه.

وفي هذا السياق أيضاً، تُقرأ حملات الشيطنة التي تعرض لها القيادي الفلسطيني مصطفى البرغوثي، الذي سبق أن خاض غمار المنافسة الرئاسية، ويتمتع بقدر من الدعم الشعبي قد لا تحظى به معظم رموز السلطة. وقد تبرز في ساحة المنافسة شخصيات وأسماء من خارج هذه الأطر، ولا سيما حين يصبح الاستحقاق داهماً.

محطة الرئاسة الأخيرة

في مطلق الأحوال، فإن السيناريو الأكثر ترجيحاً هو وصول قطار الرئاسة الفلسطينية إلى محطته الأخيرة في غضون الأشهر القليلة المقبلة. فبقاء الحال من المحال، ومن الأفضل للرئيس شخصياً وللشعب الفلسطيني إعادة العهدة إلى أصحابها، وترك النتيجة النهائية لصناديق الاقتراع، بدلاً من انتظار "العناية الإلهية".

والخلاصة أنها انتخابات لا تأتي في سياق استنهاض المنظومة السياسية والحركة الوطنية الفلسطينيتين، ولا تنهض شاهداً على تعافيهما، بل تعبيراً عن المأزق، وقد تكون سبباً في تعميقه.

وقد يصح أن يقال شيء مماثل عن الانتخابات الإسرائيلية، مع اختلاف السياق والشروط. لكن التاريخ قد يكتب ذات يوم أن عباس ونتنياهو غادرا المسرح السياسي في توقيت متقارب، بعد سنوات حكم مديدة، وخلّفا وراءهما تركات ثقيلة، فيما واقع الصراع مقيم، بل يزداد ضراوة و"صفرية".