من حرب العصابات إلى حصار الدول: التحول الكبير في تكتيكات الإرهاب بالساحل
انتقال الجماعات المسلحة في مالي من قطع طرق الإمداد إلى حصار باماكو وشن هجمات متزامنة عن تطور نوعي في قدراتها، يهدد وظائف الدولة ويفرض على الجزائر ودول الساحل البحث عن تنسيق أمني يتجاوز خلافاتها السياسية.
-
من حرب العصابات إلى حصار الدول: التحول الكبير في تكتيكات الإرهاب بالساحل
يشكل إقليم الساحل، بما يحتضنه من أكبر تمركز للجماعات الإرهابية في العالم، مختبراً استراتيجياً لرصد تحولات الظاهرة الإرهابية المعاصرة. وتوفر متابعة استراتيجيات هذه الجماعات وتكتيكاتها العملياتية مفاتيح تفسيرية لفهم مسارات تطور الإرهاب في المنطقة واستشراف اتجاهاته المستقبلية.
وهنا يبرز التوسع في توظيف تكتيك الحصار بوصفه أحد أهم ملامح هذا التحول، إذ يجسد ارتقاءً في القدرات التنظيمية والعملياتية واللوجستية والتسليحية للجماعات المسلحة، ويعبّر عن انتقالها إلى إدارة حملات ضغط استراتيجية طويلة الأمد، تستهدف استنزاف الدولة وإرباك وظائفها الحيوية على المدى المباشر، وإعادة تشكيل موازين القوة وفرض معادلات ميدانية وسياسية جديدة على المديين المتوسط والبعيد.
الحصار كتكتيك: ما هو؟
يحيل مفهوم الحصار، في أدبيات الفكر العسكري الكلاسيكي، إلى فعل تطويق هدف محصّن بغرض قطع موارد الحياة عنه تمهيداً لإخضاعه، من دون أن يستلزم ذلك بالضرورة اقتحاماً مباشراً يستنزف المهاجم قبل المدافع. غير أن هذا المفهوم، حين ينتقل من سياق الحروب النظامية بين الدول إلى ساحة النزاعات اللانمطية التي تخوضها جماعات مسلحة من غير الدول، يخضع لتحوّر جوهري في وسائله وغاياته معاً.
يقوم الحصار، كما تمارسه "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين" في مالي، على مقاربة غير مباشرة تراهن على خنق الشرايين اللوجستية التي تبقي الدولة قادرة على أداء وظائفها الأساسية، من تزويد الأسواق بالمحروقات إلى ضمان حركة الجيش وصون الثقة الشعبية بقدرة الحكومة على الحكم. وتكمن قوة هذا التكتيك في اقتصاده في التكاليف، إذ لوحظ أنه يحقق تأثيراً يضاهي تأثير معارك كبرى بموارد بشرية ولوجستية محدودة نسبياً، عبر استهداف نقاط عبور محددة على الطرق الرئيسية، بدلاً من خوض مواجهات مفتوحة مع جيش نظامي يحظى بدعم جوي وتقني.
وتندرج هذه المقاربة ضمن "استراتيجيات الحرمان" (Denial Strategies) المذكورة في أدبيات الحروب اللامتماثلة، والتي يسعى الفاعل الأضعف عسكرياً، بمقتضاها، إلى تحييد تفوق خصمه النوعي عبر إعادة تعريف ساحة المعركة، ناقلاً إياها من مجال المواجهة المسلحة المباشرة إلى مجال الاقتصاد السياسي للبقاء.
وهو مجال تمتلك فيه الجماعات المسلحة في الساحل، بحكم معرفتها الدقيقة بالجغرافيا المحلية وتضاريس المناطق الصحراوية، وكذلك تحكّمها في شبكات النقل، أفضلية نسبية على جيش نظامي مثقل بأعباء الدفاع عن خطوط إمداد ممتدة، غالباً ما تكون بعيدة جداً من مناطق تمركز الجماعات المسلحة وسيطرتها، حين يتعلق الأمر بمالي.
من قطع الطرق إلى الحصار الشامل: تطور التكتيك منذ 2012
تعود جذور استخدام منطق السيطرة الإقليمية في شمالي مالي إلى عام 2012، حين تحالفت حركة "أنصار الدين" وفروع تنظيم "القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي" مع "الحركة الوطنية لتحرير أزواد"، عقب السيطرة على مدن استراتيجية، كغاو وتمبكتو وكيدال.
وقد انهار ذلك التحالف سريعاً بفعل تناقضات أيديولوجية حادة بين كيان سياسي انفصالي علماني الطابع وكيان متطرف يدّعي سعيه إلى فرض الشريعة. وانتهى الأمر بسيطرة فصائل تنظيم "القاعدة" على المدن وطرد حلفائها الأزواديين، إلى أن فتح التدخل العسكري الفرنسي عبر عملية "سيرفال"، في كانون الثاني/يناير 2013، فصلاً جديداً في المواجهة، أعاد خلط موازين القوة في شمالي مالي لأكثر من عقد.
أفضى خروج القوات الفرنسية، في آب/أغسطس 2022، وإنهاء مهمة بعثة الأمم المتحدة "مينوسما"، في كانون الأول/ديسمبر 2023، إلى ظهور فراغات أمنية استثمرتها "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين" (JNIM)، التي تأسست عام 2017 بقيادة إياد أغ غالي، لتوسيع نفوذها تدريجياً من هجمات الكر والفر المتفرقة إلى سيطرة فعلية على مساحات ريفية واسعة في وسط البلاد وجنوبها. وقد شكّلت "كتيبة ماسينا"، بقيادة أمادو كوفا، الذراع العملياتية الأكثر فاعلية في هذا التوسع، بعدما راكمت خبرة ميدانية في محاصرة القرى وفرض الإتاوات على خطوط النقل، قبل أن ترتقي بهذه الخبرة إلى مستوى استراتيجية شاملة.
بلغ هذا المسار التصاعدي منعطفاً حاسماً مطلع أيلول/سبتمبر 2025، حين كثفت الجماعة استهداف خطوط إمداد المحروقات الآتية من السنغال وساحل العاج، في عملية وُصفت بـ"الجهاد الاقتصادي"، تحولت بموجبها صهاريج الوقود وشاحنات النقل إلى هدف استراتيجي مركزي للجماعة.
وقد أصابت أزمة الوقود الناجمة عن هذا الحصار العاصمة باماكو بشلل واسع بحلول تشرين الأول/أكتوبر 2025، بعد خروج عدد من محطات الوقود من الخدمة، لتضطر السلطات إلى تعليق الدراسة في المدارس والجامعات بسبب شح الإمدادات.
وعلى وقع هذا الحصار الخانق، أطلق قائد المجلس العسكري الحاكم، أسيمي غويتا، العملية العسكرية "فوغا كيني"، أي "التطهير" بلغة البامبارا، بقيادة الجنرال فاموكي كامارا، طمعاً في فك الخناق عن الممرات الحيوية مع السنغال وساحل العاج.
وإن كانت القوات الحكومية قد تمكنت من تأمين بعض القوافل إلى باماكو، بعد توصل السلطة السياسية إلى هدنة تكتيكية قصيرة الأجل مع الجماعة أواخر تشرين الأول/أكتوبر 2025، سمحت بمرور محدود للوقود، فإن هذه الهدنة سرعان ما انهارت، لتستأنف "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين" استهداف ناقلات المحروقات، ويعاود الضغط الاقتصادي فعله في العاصمة باماكو.
من الحصار الاقتصادي إلى الطوق الجغرافي المزدوج
إن العنصر الجديد الحقيقي في المسار السابق، عند التدقيق فيه، يكمن في انتقال الحصار من صيغته الاقتصادية الموزعة، القائمة على استنزاف خطوط الإمداد على مدى أشهر، إلى صيغة جغرافية مركزة تسعى إلى العزل المباشر للعاصمة.
وهذا ما تثبته هجمات يومي الـ 25 والـ 26 من نيسان/أبريل 2026، التي استهدفت، في وقت متزامن، معسكر كاتي، على بعد 15 كيلومتراً من باماكو، ومحيط مطار موديبو كيتا الدولي، ومدن كيدال وغاو وموبتي وسيفاري، وأسفرت عن سقوط قتلى وجرحى واغتيال وزير الدفاع المالي ساديو كامارا. كما أُغلقت لاحقاً ثلاثاً من الطرق الرئيسية الست المؤدية إلى العاصمة.
كما يتجلّى العنصر المستجدّ الثاني في التحالف التكتيكي بين "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين" و"جبهة تحرير أزواد"، وهو تحالف يستعيد، بصيغة مختلفة، شراكة عام 2012 بين طرفين متناقضين أيديولوجياً، لكنه قام هذه المرة على تنسيق عملياتي علني يتجاوز حدود المصلحة الآنية.
ففي حين سيطرت "جبهة تحرير أزواد" على مدينة كيدال، التي كانت تمثل رمزاً سياسياً لسيطرة المجلس العسكري منذ استعادتها في تشرين الثاني/نوفمبر 2023، واصل الطرفان معاً هجماتهما المتزامنة، واستهدفا لاحقاً مواقع عسكرية في أجلهوك وأنيفيس وغاو وسيفاري، في تكرار متعمد لنمط الهجوم المشترك. وقد تجدد هذا التنسيق في الهجمات التي استهدفت قافلة عسكرية مالية في منطقة غاو في تموز/يوليو 2026.
أما الميزة الثالثة، فهي الانتقال من الهجمات المتفرقة التي اعتاد المجلس العسكري التعامل معها إلى الاستهداف المتزامن متعدد المحاور، شمالاً ووسطاً وجنوباً، في وقت واحد، وهو نمط فاجأ الحكومة المالية، على الرغم من إصرارها على أن الهجمات صُدّت وأن الوضع تحت السيطرة. وتكشف هذه القراءة أن التهدئة النسبية التي أعقبت هجمات نيسان/أبريل لم تكن سوى استراحة محارب ضمن مسار تصعيدي متواصل.
كما تؤكد التقارير الدولية استمرار تمركز الثقل الأكبر للإرهاب العالمي في إقليم الساحل، الذي بات يستأثر بنحو نصف الوفيات الناجمة عن الإرهاب عالمياً، ضمن ديناميكية تدحرج تجعله البؤرة الأولى لهذا النمط المتطور من الحروب اللانظامية. ويفضي هذا التحول، في محصلته، إلى إعادة تعريف مفهوم السيادة نفسه في الدول الهشة الخارجة من انقلابات عسكرية متتالية.
والمقصود هنا أن التهديد الوجودي الذي تشكله هذه الجماعات صار وليد قدرتها على شل وظائف الدولة الحيوية وتفريغ شرعيتها من مضمونها تدريجياً، عبر مزيج من الحصار الاقتصادي طويل النفس والضربات الجغرافية المباغتة قصيرة الأمد. وهو نموذج هجين يستحق مزيداً من الانشغال التحليلي به من جميع المعنيين بمتابعة تطور الحرب الهجينة وأمن الدول الهشة على حد سواء.
الجزائر ودول الساحل: بين إدارة الخطر وضيق الخيارات
تتقاطع تحولات الحصار في مالي مع مسار إقليمي منفصل، وإن كان وثيق الصلة بها، يتمثل في العلاقة بين الجزائر وتحالف دول الساحل، التي شهدت قطيعة دبلوماسية مؤقتة إثر حادثة إسقاط طائرة مسيّرة قرب الحدود المشتركة في نيسان/أبريل 2025. وتلت الحادثة إجراءات تصعيدية متبادلة، شملت سحب السفراء بين دول التحالف والجزائر، فضلاً عن إغلاق المجال الجوي بين الجزائر ومالي.
طوت الجزائر هذه الصفحة تدريجياً، عبر إعادة سفيريها إلى كل من النيجر وبوركينا فاسو، ثم استعادة العلاقات الدبلوماسية مع مالي وإعادة فتح المجال الجوي بين البلدين في تموز/يوليو 2026. ويكتسب توقيت هذا التقارب دلالة خاصة حين يُقرأ في ضوء الحصار المتصاعد وتصدّع الوضع الأمني في مالي، إذ تدفع حاجة باماكو الملحّة إلى وساطة أمنية موثوقة، الجزائر إلى موقع أكثر محورية مما كانت عليه خلال سنوات القطيعة.
وفي هذا السياق، تكشف عودة الجزائر إلى التواصل مع أطراف الأزمة المالية عن نمط سلوك متكرر، تحرص عبره على ترسيخ دورها بوصفها قناة تفاوضية مع الجماعات الأزوادية المتمردة، لا مع الجماعات الإرهابية، مستفيدة من عمقها الحدودي وخبرتها التراكمية في ملفات أزواد والحركات المسلحة في الساحل والصحراء منذ بداية الألفية.
ومع ذلك، يظل هذا التقارب مشروطاً بمآلات لا تخضع بالكامل لإرادة الجزائر. ذلك أن انسحاب دول تحالف الساحل الثلاث من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، بعدما أودعت طلبات انسحابها رسمياً لدى الأمم المتحدة في حزيران/يونيو 2026، قد يكون مؤشراً على منحى متزايد من التقوقع الاستراتيجي لهذه الدول، وتفضيل الترتيبات الأمنية الذاتية على الانخراط في أطر تعددية تقليدية.
وهو توجه قد يحد من هامش الجزائر في تحويل عودة العلاقات الدبلوماسية إلى نفوذ سياسي فعلي في قرارات باماكو الأمنية. وبذلك، تبقى المعادلة أقرب إلى تفاهم عملي تحكمه ضرورات إدارة الأزمة المشتركة، منه إلى تحالف استراتيجي مستقر، إذ يتوقف عمقه المستقبلي على قدرة الطرفين على ترجمة هذا المناخ الجديد إلى تنسيق أمني ملموس في مواجهة تهديد يتمدد على طول الحدود المشتركة بين البلدين.