من جرف النصر إلى جرف السيادة.. العراق يواجه الاستنزاف والطائفية

هشاشة العراق السياسية والاقتصادية والأمنية في ظل تصاعد الضغوط الخارجية وتداخل المصالح الإقليمية، بما يهدّد سيادته واستقراره ويحمّل المواطن كلفة الأزمات المتراكمة.

  • من جرف النصر إلى جرف السيادة.. العراق يواجه الاستنزاف والطائفية
    من جرف النصر إلى جرف السيادة.. العراق يواجه الاستنزاف والطائفية

وآ أسفآه على الحال التي وصل إليها العراق الذي على ما يبدو لم يعد له ناصر ولا معين غير اللطف الإلهي؛ إذ إنّه أمسى لا يملك حتى حرية الاختيار بين الاستقرار والفوضى، ولا سيما أنّ ما يجري حالياً هو توريط مُحكم الصنع لدولة يُراد استضعافُها في معركة انتزاع "سيادة" مشروطة بشروط لا يكتبها العراقيون.

 ولأنّ مفاعيل الملّف الحسّاس والشائك تتمحور حول الانسحاب الأميركي المزعوم نهاية أيلول/ سبتمبر المقبل من هذا العام، وكذلك حصر السلاح بيد الدولة؛ فإنّ وقودها يحتاج إلى نفض الغبار عن ملفّات استُدعيت من الذاكرة المريرة التي عاشها العراق في مرحلة الانفلات الأمني والحرب الطائفية والصراع السياسي، والغياب شبه الكامل للخدمات وسُبل العيش الكريم المستقرّ، ومن هذه الملفّات التي أُغرقت فيها صفحات التواصل الاجتماعي وأحاديث العامّة:

 - الأصوات "البعثية" لأيتام مشروع (العودة) الذي يأمل منه أؤلئك الجلّادون صبّ زيت البديل المجرّب على نار العدو الجار، وهذا محض شمّاعة لا وجود واقعياً لها.

- جرف النصر: الذي تُشحذ به سكاكين الحرب الطائفية.

- الفشل السياسي: وهو ما بات يلمسه المراقب لمشهدية الساحة العراقية قبل وأثناء وعقب كلّ حكومة مع فارق دلالات التوقيت وانعكاسات نتائج صنّاع (الديمقراطية الناشئة). 

- التعثّر الأمني والخدمي: فهو ملفّ ملغوم وحسّاس يُخفي العمود الفقري للأزمة العراقية في مرحلة ما بعد 2003، إذ إنّ رحابة المخارج المنطقية والواقعية؛ عَقُمت عن إيجاد حلول جذرية لها، تُبعدها عن مداخل الضعف والوهن الذي سبّبته عقلية التفرّد السياسي بالقرار والتخطيط وإبعاد الكفاية والمهنية لتوفير بيئة فاسدة تستثمر مشاريع التأهيل والتطوير لملء خزائن وجيوب الاقتصاديات الحزبية والفئوية، فضلاً عن مكافأة داعميهم الخارجيين بمنجزات وهمية تُعمّق أزمة الأمن والخدمات، وتُتخم بطون التجّار والمُستثمرين.

- تفعيل فزّاعة التظاهرات: إنّ تزامن صعود حجم التظاهرات الاحتجاجية في بغداد والمحافظات مع دخول العدّ التنازلي لأيلول في دوامة الصراع؛ لا يخلو من (استثمار مدروس) ولا سيما؛ إنها واقعية المطالب ومشروعة التنفيذ، وهي بوابة مثاليّة لتحويلها إلى ورقة ضغط خطيرة تهدّد بقاء النظام السياسي، ولهم في أحداث تشرين 2019 عظة وعبرة من الاستفزاز الشعبي ومحرّكات استثماره خارجية من خلال التدويل والدعم.

وبذا؛ فإنّ الصورة تُصبح واضحة بأنّ توقيت الانسحاب الأميركي، يمثّل إعادة لترتيب الأوراق العراقية داخلياً وخارجياً بالضرب على وتر (التجويع والطائفية)، ويظلّ مترقّباً لوصول الإجابة والحلّ من واشنطن أو إحدى دول الإقليم.

 ولأنّنا ندور في فلك الفواعل، لا بدّ من قراءة المؤثّرات المحيطة بها، ولعلّ الموقف الأخير لكتـائـب حــزب الـله الأخير على لسان المسؤول الأمني فيها أبي مجاهد العساف؛ يؤكّد وجهة نظر المقاومة العراقية، بأنّ الاتفاق على نزع السلاح سيترك العراق أعزلَ، بلا حامٍ من الداخل، وأمام جوع اقتصادي متسارع وحرب طائفية لا تتوقّف.

 والمُلفت حقاً ليس في لهجة البيان وتوقيته؛ بل في الصمت الذي يُخيّم على الجهات السياسية والأحزاب التي تدّعي "الوطنية"، لماذا لا تُصارح الشعب بحقيقة ما يجري؟، ولماذا هذه الصورة من التخلّي التي لا أجد أبلغ وصف لها سوى ما قاله قوم موسى (عليه السلام) لنبيّهم عندما رفضوا دخول الأرض المقدّسة ومواجهة الجبابرة "إذهب أنت وربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون"، فهل يستحقّ الشعب العراقي هذا التخلّي غير الصريح؟، وترك الربّان الذي قلّدوه زمام القيادة يُبحر به نحو شُطآن تستبدل العزّة والكرامة بالذلة والاقتتال الداخلي والخضوع للإرادة الغربية. 

الحقيقة؛ إنّ هذا الصمت لا يعكس عجزاً، بل توافقاً ضمنياً على "ترك الأمور تأخذ مسارها". وكأنّ هناك اتفاق موسّع - حتى لو لم يكن مُعلناً- على أنّ الدولة ستضعف، والفصائل ستفقد سلاحها، والشارع سيبقى منقسماً على أساس طائفي. لماذا؟ لأنّ هذا الواقع يخدم ويضرّ في الوقت نفسه: 

- أميركا تخرج من دائرة المسؤولية وتدع أذرعها الإقليمية والخليجية تُدير الأمور، وهي تكون في غرفة التحكّم ولا تنزل إلى الساحة، إلا بشروطها وهذا هو (مربط الفَرس الأول)، وبعدها تتحوّل إلى تنفيذ الصفحة الثانية من المشروع، وهو جعل العراق ساحة التزوّد لوقود معركة الحسم ضدّ الجمهورية الإسلامية الإيرانية وهو (المربط الثاني للفَرس) لأنها ستكون الخاصرة الأشدّ خطورة على الأمن القومي الإيراني.  

- الأحزاب تحتفظ بنفوذها السياسي (حتى وإنْ ضعفت دولتها)، والفصائل تبقى "معارضة" شرعية، والجميع سيَخسر العراق، لكنْ لا أحد يريد أن يكون الذي قال "لا".

- وعّاظ السلاطين والفاسدون من تجّار الأزمات الذين سيقودون جانباً ليس بالقليل من الماكنة الإعلامية، التي شَرعت بمهمات متعدّدة التخويف والتجهيل لتوفّر بذلك الأرضية المناسبة لترجمة تلك الفواعل. 

هذا السيناريو ليس نتاج تآمر مركزي، بل نتاج تقاطع مصالح وظروف فرضت حالها على العراق، إذ إنّ أميركا تريد إضعافاً تدريجياً للعراق، وإيران مشغولة بحربها مع أميركا و"إسرائيل" فضلاً عن ضغوطها الاقتصادية، ودول خليجية تريد فرصة لإضعاف المحور الشيعي (حتى لو بطريقة غير مباشرة)، وتركيا تراقب الساحة لالتقاط ما يسقط من هذه الفوضى "الدائرة"؛ ليبقى العراق دولةً وشعباً الخاسر الذي أفقدوه جرأة السياسية والفراسة الاستراتيجية لقول "لا" للضغط الخارجي. وهذا بالضبط ما تحتاج إليه واشنطن في أيّة دولة (نظام "شرعي" وتنفيذ "أوامر") من دون جدل.

وبخاصة مع غياب الحدّ الفاصل بين الحرب التي تُشنّ على إيران، وتلك التي تُشن على العراق. فأميركا بعدما خسرت معركتها الكاملة مع الجمهورية الإسلامية - الإرهاب الاقتصادي لم يُحقّق إسقاط النظام، والعسكري لم يتمكّن من تحقيق نصر حاسم- اتجهت نحو سياسة "الحصار من الأطراف"، ولأنّ العراق "الضعيف" الذي يشاركه الحدود والإرث الثقافي والديني بات الأداة المثالية إذاً؛ فإنّه سيكون قطعة شطرنج في لعبة الضغط على إيران، وبهذا فإنّ طهران ستجد نفسها مُطوّقة من جديد.

وهذا التوجّه يُعزّز استمالة شركاء واشنطن الطائفيين في إيقاد جمر الصراع السُني- الشيعي، يُضاف إليه الخطاب البعثي الذي يُعاد إحياؤه ليس تذكيراً بماضي المقارنة؛ بل استدعاءً للأشباح لتُرعب الحاضر، ولعلّ قميص عثمان المتمثّل بـ(جرف النصر) - هذا الملفّ القديم والمؤلم- هو أحد الأسلحة لتأجيج هذه الحرب، فهذا يعني أنّه طالما أنّ هناك "جرف نصر" معلّقاً وغير محسوم، فإنّ هناك ذريعة دائمة للصراع.

الانهيار الاقتصادي كسلاح في الحرب

ولأنّ التجويع والتقشّف جيشا أميركا البديل عن العسكري؛ فإني أضع أمام القارئ صورة العبوة الناسفة التي فجّرها مخطّطو هذا المشروع أمام مستقبلنا، والمُتمثّلة في التلويح بـ (الانهيار الاقتصادي والتجويع وقطع الرواتب)، وهذا واقع لا مفرّ منه لدولة تعتمد كلياً على عائدات النفط، عاجزة حتى عن دفع رواتب الموظفين، لديها تدهور في الدينار أمام الدولار، وشارعها يصرخ من الغلاء المعيشي، فضلاً عن أنّ الحلول التي تُقدّم من البنك الدولي وصندوق النقد الدولي هي الحلول القديمة نفسها التي تعتمد على تقليص الإنفاق (بمعنى: قطع الرواتب)، فتح الأسواق (بمعنى: السماح للسلع الأجنبية بقتل الصناعة الوطنية)، إصلاحات "ليبرالية" (بمعنى: تحويل الدولة إلى وسيط لرأس المال الأجنبي). 

لذا فإنّ النتيجة الحتمية لهذا التزامن والتخندق والتخادم على حساب المصلحة العليا للبلد؛ لن يكون العراق دولة مستقرة، بل ساحة صراع يُديرها الآخرون، من خلال وهم النقاش الوطني الغائب، بينما الحقيقة؛ أنّ القرارات تُتخذ في واشنطن وعواصم حلفائها الإقليميين والداخل يتفرّج!، والأخطر من هذا كلّه أنّ جيلاً جديداً سيَشبّ على هذا الواقع ولن يعرف معنى أن يكون العراق دولة مستقلة، وسيتصفّح السيادة (كلمةً) في القاموس، لا واقعاً في الشارع، وبخاصة في هذا التوقيت الحرج الذي يختلف عمّا سبق، لأنّ الخيارات تتجه بالنسبة لبعض المُتصدّين لمواقع القرار نحو الانزلاق بدلاً من المقاومة، الاستسلام بدلاً من الكفاح، والقبول بالدور الثانوي بدلاً من استعادة الدور الريادي.

وفي النهاية أقول؛ إنّ كلّ اختيار له ثمن، وعندما ينسى الحاكم في أيّ منصب كان؛ أنّ الشعب المصدر الأصيل للسلطة وهو مجرّد وكيل عنه، فإنّ المجتمع لا يُعاني أزمة سياسية؛ بل أزمة حضارية لا علاج لها إلا بإعادة البناء من الجذور، وهذا ما يروم العدو تفصيله على مقاسات مصالحه والله المستعان.