الحرب على إيران: بين التصعيد المفتوح وسيناريوهات التفاوض

مستقبل النزاع سيبقى مرهوناً بنتائج المفاوضات؛ فإمّا التوصّل إلى اتفاق شامل يضمن إعادة فتح هرمز واستقرار الملاحة الدولية، أو استئناف الخيار العسكري مع مخاطر تصعيد إقليمي ودولي واسعة النطاق.

  • يرى نتنياهو في إيران أكبر خطر وجودي يهدد بقاء الكيان الإسرائيلي.
    الحرب على إيران: بين التصعيد المفتوح وسيناريوهات التفاوض

دخلت الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران مرحلة من انسداد الأفق والعجز عن تحقيق الأهداف، وهو ما دفع ترامب في الـ 21 من هذا الشهر إلى إعلان إنذار نهائي لإيران منحها بموجبه مهلة مدتها 48 ساعة لفتح مضيق هرمز بشكل كامل. 

تضمّن الإنذار تهديداً بـ "تدمير ومحو" محطات الطاقة والبنية التحتية الحيوية للطاقة في إيران، مع التركيز على المنشآت الكبرى كمقدّمات لعمل عسكري أوسع في حال عدم الامتثال.

في الـ 23 من آذار/مارس 2026 أعلن ترامب تأجيل تنفيذ الضربات لمدة خمسة أيام إضافية، مبرّراً ذلك بوجود "محادثات جيدة وبنّاءة" تهدف للتوصّل إلى حلّ شامل للأزمة، وهو ما نفته إيران وبشكل مطلق.

الشروط الأميركية التي عرضها الإعلام الإسرائيلي تطابق في جوهرها تلك التي كانت الولايات المتحدة تطرحها في مفاوضاتها قبل اندلاع الحرب، وقد رفضت إيران غالبية بنودها آنذاك؛ ومن المستبعد أن تقبل بها اليوم.  أما المطالب الإيرانية فتصعب موافقة الجانب الأميركي عليها أيضاً، إذ تشمل الحصول على تعويضات والتمسّك بالصواريخ الباليستية كعنصر من قدراتها الدفاعية، وعدم التخلّي عن دوائر نفوذها الإقليمية أو ما يُعرف بالأذرع الإيرانية في المنطقة.

ترامب يناور بمهل لا معنى لها، ويبدو أنّ الحرب على إيران ستطول، وأنّ المنطقة باتت على فوهة بركان لا أحد يستطيع التنبّؤ بلحظة انفجاره، وقد تشهد المرحلة المقبلة دخول "فواعل دون الدولة" جدد في هذه الحرب.

الحرب على إيران ليست "حرباً تربح بالقوة" كما أراد لها ترامب، والردّ الايراني لم يكن متماثلاً، إغلاق هرمز بالكامل وضرب الطاقة في "إسرائيل" والقواعد والأصول الأميركية في المنطقة، وربما تقطيع الكابلات البحرية مستقبلاً، وهو ما يعني حدوث "انفجار سياسي" لا يطيق العالم تحمّله.

تمتلك إيران أدوات مناورة يمكن تحويلها إلى أصول استراتيجية لتعزيز الضغوط الدولية على الولايات المتحدة و"إسرائيل" لوقف الحرب، وأبرزها الأصول الثابتة (مضيق هرمز الذي قد يدفع دولاً كثيرة إلى التدخّل لوقف النزاع). ويشكّل استغلال المضيق كورقة تفاوض استراتيجية لاحتواء توسّع التحالف المعادي لإيران، وكسب دعم دولي وممارسة ضغوط مباشرة على واشنطن داخلياً وخارجياً.

البعد الجيوسياسي لمهلة ترامب يتمثّل في أنه لا يتحدّث عن ممر مائي وشريان طاقة فقط، بل يتحدّث عن ممر يمر منه 30% من إنترنت العالم وأكثر من 20 كابلاً ضوئياً بحرياً تحمل أكثر من 95% من حركة البيانات العالمية. 

إيران من جهتها حذّرت من أنّ استهداف منشآتها سيقابله ردّ مباشر بضرب "جميع محطات الطاقة والمياه والبنية التحتية المعلوماتية" التابعة للولايات المتحدة و"إسرائيل" وحلفائهما في المنطقة، مما يرفع من احتمال امتداد الصراع وتصدّعه إلى أبعاد إقليمية أوسع.

إغلاق هرمز يعني ارتفاع سعر برميل النفط إلى أكثر من 200 دولار، وشللاً لكامل حركة السفن في المضيق، بمعنى أنّ الاقتصاد العالمي سيدخل في صدمة تتجاوز الصدمات العالمية السابقة (1973-1990- 2008) كلّها مجتمعة.  

ترامب من جهته انتقد حلفاء الولايات المتحدة في حلف شمال الأطلسي (الناتو) ووصفهم بـ"الجبناء" لامتناعهم عن المشاركة في مهمة عسكرية تهدف إلى فتح المضيق. في المقابل، تعمل بريطانيا ودول أخرى على مبادرات مستقلة خارج إطار الناتو لإعادة فتح الممر الملاحي، مما يعكس انقساماً في الاستجابة والتحالفات الدولية إزاء الأزمة.

أزمة مضيق هرمز انعكست على العالم كلّه، وأظهرت عجز الولايات المتحدة عن تأمين طرق التجارة الدولية، وأثّرت على موقف الناخب الأميركي من سياسات ترامب ومغامراته غير المحسوبة، وتراجعه عن فكرة "أميركا أولاً"، لتكون "إسرائيل" أولاً وآخراً.

المساس بأمن الطاقة الإيراني سيقابله قطع الكابلات الضوئية، ما يعني تعطّل الإنترنت في العالم وتجميد الأرصدة المصرفية وتوقّف العملات الرقمية بالكامل والخدمات السحابية. وانهيار كبرى الشركات العالمية مثل أمازون وغوغل ومايكروسوفت وغيرها من الشركات التي تعتمد على هذه الكابلات.

يظلّ المضيق مغلقاً فعلياً بسبب ارتفاع تكاليف التأمين ووجود تهديدات عسكرية مباشرة، ما أدّى إلى تعطّل حركة مئات ناقلات النفط وتسبّب في تقلّبات ملموسة في أسعار الطاقة العالمية. تؤثّر هذه الوقائع مباشرة على أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية وتستدعي قيماً احترازية لحماية المصالح الاقتصادية. 

مستقبل النزاع سيبقى مرهوناً بنتائج المفاوضات خلال فترة التمديد الحالية؛ فإمّا التوصّل إلى "اتفاق سلام" شامل يضمن إعادة فتح المضيق واستقرار الملاحة الدولية، أو استئناف الخيار العسكري مع مخاطر تصعيد إقليمي ودولي واسعة النطاق. 

كلّ القراءت تشير إلى أنّ إسقاط النظام في إيران أخطر ألف مرة على المنطقة من بقائه، لكن من الواضح أنّ نتنياهو لن يقبل بأقلّ من ذلك، إذا لم يجد حزماً من قبل ترامب. 

أيّ نزاع مسلّح في أيّ بقعة من العالم هو خطوة نحو حرب عالمية ولو بمقدار، وبالتالي فإنّ العالم كلّه في خطر في ظلّ وجود مجرمين مثل نتنياهو وترامب. 

الشرق الأوسط على مفترق طرق تؤدّي كلّها إلى الجحيم، وعدم انخراط دول الخليج في الحرب ضدّ إيران هو عين الحكمة حالياً. أما موقف الحكومة اللبنانية بطرد السفير الإيراني في بيروت فهو أمر مستهجن، خاصة وأنّ دول الخليج لم تقدم على مثل هذه الخطوة. 

ما قاله ترامب عن مشاركة نائبه فانس في المفاوضات وما تحدّثت عنه وسائل إعلامية من أنه من سيقود المفاوضات المقبلة حال حدوثها وليس كوشنر وويتكوف يمكن أن يكون دليلاً علي انصياع ترامب لرغبة إيرانية في عدم  اعتماد شخصين  معروف عنهما انحيازهما التامّ لـ "إسرائيل"، وكانا من أسباب فشل المفاوضات السابقة وكانا من الداعمين للحرب على إيران، في أيّ مفاوضات مستقبلية على عكس فانس المعروف أنه كان من المعارضين للحرب.

من المتوقّع أن يبدأ كلّ طرف التفاوض بمطالب مبالغ بها يُحتمل التراجع عن بعضها خلال المسار التفاوضي، ومعروف أنّ المفاوض الإيراني يتسم بالمهارة والصبر والصلابة. ويبقى التساؤل: إلى أيّ مدى يمكن أن يتنازل ترامب ثم يعلن للعالم نجاحه وانتصاره كما اعتاد.

الإدارة الأميركية غير موثوق بتعهّداتها وهي متناقضة في سلوكيّاتها، وكلّ ما يهمّها هو صفقة تحقّق لها الأمن الإسرائيلي، ومحاصرة الصين ومنعها من التقدّم نحو الشرق الأوسط.

قبيل انتهاء المهلة، تراجع ترامب عن تهديداته باستهداف منشآت الطاقة والكهرباء، وبدأ بالحديث عن وجود "انفراجة" ومحادثات جارية مع الجانب الإيراني، وهو ما نفته طهران.

ستنتهي الحرب، لكنّ الأهمّ ليس مجرّد نهايتها بل تحديد طبيعة المرحلة التي ستعقِبها والآثار المتصلة بها. فالمعركة الحقيقية اليوم لم تعد تُخاض فقط على خطوط النار، بل تُدار أيضاً خلف الكواليس وفي غرف التفاوض، حيث يُرسَم شكل المرحلة المقبلة وتُعاد موازين القوى الإقليمية والدولية على أساس الوقائع الميدانية والسياسات الدبلوماسية.

أكثر ما يربك حسابات واشنطن هو امتداد الحرب وتحوّلها إلى حرب استنزاف، وهذا سيدفع لضرورة إنهائها في فترة لا تتجاوز الأسابيع، ولكنّ السؤال يبقى حول ماهية شكل المنطقة وحتى إيران بعد إنهاء الحرب ضمن إعادة الهندسة الشاملة للمنطقة.

صمود إيران وقدرتها على الاستمرار في الحرب أربك ترامب، واحتفاظ إيران بترسانة صاروخية يتجاوز عددها الألف صاروخ (وفقاً لصحيفة ديلي ميل البريطانية)، يجعلها قادرة على التفاوض من موقع القوة. 

الحشود العسكرية الأميركية المتجهة إلى المنطقة هدفها الضغط على إيران، ودفعها إلى التفاوض تحت الضغط، وصولاً إلى انتزاع اتفاق نووي وسياسي جديد مع طهران.

الحراك السياسي الذي تقوده كلّ من تركيا ومصر والسعودية وباكستان هدفه وضع نهاية سريعة للحرب، خاصة وأنّ جميع هذه الدول مستهدفة بشكل أو بآخر، وستكون متضرّرة من هزيمة إيران.

حديث الإعلام الإسرائيلي عن إردوعان وأنه سيكون "التالي" بعد إيران، يؤكّد أنّ هدف الحرب هو سيطرة "إسرائيل" على منطقة الشرق الأوسط، وليس إسقاط النظام في إيران فقط.

معضلة القواعد الأميركية في المنطقة ستكون من أولويات دول الخليج بعد نهاية الحرب على إيران، وسيكون مطلبها صياغة اتفاقيات جديدة مع الولايات المتحدة تضمن الحماية للدول المستضيفة للقواعد، وضرورة التنسيق معها حين الرغبة باستخدام تلك القواعد.

لقد تحوّل الوجود العسكري الأميركي في دول الخليج من "مظلّة حماية" إلى شبكة قواعد تُعامَل كأهداف ثابتة، ما يجعل الدول المضيفة عرضةً لكلفٍ أمنية وسياسية واقتصادية مرتفعة من دون ضمانات حماية حقيقية، الأمر الذي يدفع العواصم الخليجية إلى انتهاج سياسات تحوّط استراتيجي تقوم على تنويع الشراكات الدولية، وهو ما لا تطيقه واشنطن.

لقد كشفت الحرب على إيران أن أمن المنطقة مسؤولية الجميع، وأنه لا يمكن تجزئته بحال من الأحوال، فما تتعرّض له دولة ستنتقل مفاعيله إلى باقي دول المنطقة. 

الحرب قد تعطّل المسار الزمني للبرنامج  النووي الإيراني، لكنها تحوّله من برنامج "خاضع للرقابة ومتفاوض عليه" إلى برنامج "أكثر سرية وخطورة"، مما يضع الأمن الإقليمي والدولي أمام تحدّيات غير مسبوقة.

حديث ترامب عن التفاوض مع إيران مثير للدهشة، فعلى ماذا يتفاوض معها وهو الذي كان قد تحدّث عن أنّ إيران باتت بلا قيادة ولا برنامج نووي، وبلا مخزُون صواريخ، وبلا خُطُوط إنتاج للسـلاح، وأنّ قوتها البحرية باتت مُدمّرة، وأنها دولة تمّ محوُها مِن الخريطة!!

المشهد يتجه نحو تصعيد متعدّد الجبهات، من هرمز إلى باب المندب، مع تحرّك دبلوماسي موازٍ، لكنّ خطر توسّع الحرب إقليمياً أصبح أعلى من أيّ وقت مضى.

الجمهورية الإسلامية في إيران تعلن في الأول من آذار/مارس 2026 استشهاد القائد الأمة السيد علي خامنئي في مقر عمله في "بيت القيادة"، إثر العدوان الأميركي الإسرائيلي على البلاد.