من الاتزان إلى الفوضى المُدارة (2 من 2) حين تتحول القوة إلى جغرافيا
حين تتحول القوة إلى لغة النظام، لا تبقى آثارها محصورة في الخطاب أو المؤسسات، بل تُعاد ترجمتها فورًا إلى خرائط. هنا لا تعود الجغرافيا مجرد مسرح للصراع، بل تصبح هي ذاتها أداة من أدواته.
-
العالم اليوم.. تُدار المأساة بدل أن تُنهى!
فككنا التحوّل الذي أصاب معنى الدولة والسلطة والسياسة: كيف انزلقت السياسة من فعل اختيار إلى تقنية إدارة؟ وكيف تحوّلت الدولة من علاقة جامعة إلى جهاز ضبط؟ وكيف استُبدلت الشرعية بالتوازن، والمعنى بالاستقرار؟ لكن هذا التحوّل لا يبقى حبيس اللغة والنصوص، بل يخرج سريعًا إلى الخرائط والوقائع.
هنا بالضبط يبدأ سؤال هذه الحلقة: ماذا يحدث حين يُترجم هذا المنطق إلى جغرافيا؟ وحين تُدار الأزمات بدل أن تُحل، وتُضبط المجتمعات بدل أن تُشارك، وتُترك الخرائط لقوى الردع وحدها؟
من إدارة الأزمات إلى هندسة الفوضى
إذا نظرنا إلى ما يجري حولنا، لا نرى عالمًا ينهار بقدر ما نرى عالمًا يُعاد تنظيمه على نحو أكثر قسوة. الأزمات لا تُترك لتنفجر، بل تُدار بحيث تبقى دون أن تُحل. الصراعات لا تُغلق، بل تُعاد هندستها بحيث تستمر دون أن تتجاوز سقفًا معينًا.
من هنا يمكن فهم الفوضى التي نشهدها اليوم، لا بوصفها فوضى انهيار، بل بوصفها فوضى مُدارة. ليست نتيجة غياب النظام، بل نتيجة حضوره بوصفه جهاز ضبط بلا سياسة. هي فوضى تُنتَج وتُستَخدم وتُعاد تدويرها: لتفكيك الخصوم، وإعادة تشكيل المجتمعات، وضبط الحركات، وتسييل الحدود بين الحرب والسلم، وبين الداخل والخارج، وبين الأمن والسياسة.
هنا لا نكون أمام عالم خرج عن السيطرة، بل أمام عالم تُمارَس فيه السيطرة عبر تفكيك السيطرة ذاتها.
حين تتحول القوة إلى لغة النظام
وإذا كانت هذه الفوضى ليست نتيجة غياب النظام، بل نتيجة حضوره بوصفه جهاز ضبط بلا سياسة، فإن السؤال التالي يصبح منطقيًا: ما هي اللغة التي يتحدث بها هذا النظام؟ ليست هي لغة التمثيل، ولا لغة الحلول، بل لغة القوة.
في هذا السياق، لا تعود القوة وسيلة استثنائية تُستدعى عند الضرورة، بل تتحول إلى لغة الحكم اليومية. هي لا تُستعمل لحل المشكلات، بل لإبقائها تحت السيطرة؛ لا تُستخدم لإقناع المجتمعات، بل لإخضاعها؛ ولا تُوظَّف للبناء، بل لإعادة توزيع الخراب.
وهكذا تتحول القوة من أداة استثنائية إلى لغة يومية للحكم، ومن وسيلة إلى بنية، ومن ردع إلى نظام.
في هذا العالم، لا تُقاس الشرعية بمدى التمثيل، بل بمدى القدرة على الضبط؛ ولا يُقاس النجاح السياسي بمدى حلّ المشكلات، بل بمدى احتوائها ومنعها من الانفجار.
الجغرافيا بوصفها ملفًا
وحين تتحول القوة إلى لغة النظام، لا تبقى آثارها محصورة في الخطاب أو المؤسسات، بل تُعاد ترجمتها فورًا إلى خرائط. هنا لا تعود الجغرافيا مجرد مسرح للصراع، بل تصبح هي ذاتها أداة من أدواته.
لم تعد الجغرافيا تعني أرضًا أو شعبًا أو تاريخًا، بل ملفًا: ملف نفوذ هنا، ملف أمن هناك، ملف طاقة في مكان ثالث، ملف هجرة على الحدود، وملف تهديد في كل موضع يخرج عن السيطرة.
في هذا المنطق، لا تُرى غزة بوصفها شعبًا تحت الاحتلال، بل خطرًا يجب تحييده؛ ولا تُقرأ سوريا كدولة مدمَّرة تحتاج إعادة بناء، بل كتوازن نفوذ يجب الحفاظ عليه؛ ولا يُنظر إلى السودان كدولة تنهار، بل كخطر تفكك يجب احتواؤه؛ ولا تُعامل أوكرانيا كدولة ذات سيادة، بل كساحة استنزاف تُدار. هكذا تُمحى السياسة، ويُدار الصراع، وتُختزل المأساة إلى ملف.
حين تُدار المأساة بدل أن تُنهى
وحين تتحول البلدان إلى ملفات، تتحول المآسي التي تعيشها إلى عناصر داخل هذه الملفات، لا إلى قضايا تستدعي الحل.
في هذا الإطار، لا تُنهي الحروب، بل تُنظّم؛ ولا تُرفع المظالم، بل يُعاد توزيع آثارها؛ ولا تُحلّ الأزمات، بل تُصمَّم بحيث تبقى دون أن تنفجر. تصبح المعاناة جزءًا من إدارة العالم، لا خللًا فيه.
وهكذا تتحول المعاناة من صرخة إلى ضجيج، ومن قضية إلى ملف، ومن مأساة إلى سياق.
الفوضى المُدارة كنمط حكم
ومع تراكم هذه التحولات - من السياسة إلى القوة، ومن القوة إلى الخرائط، ومن الخرائط إلى الملفات - تتبدّى المفارقة الكبرى:
ما يبدو فوضى هو في الحقيقة نمط حكم يسمح باستمرار السيطرة دون تحمّل كلفة الحل، وباستمرار النفوذ دون تحمّل مسؤولية البناء، وباستمرار القوة دون الدخول في مغامرة السياسة.
إنه نظام بلا مشروع، وسلطة بلا أفق، واستقرار بلا عدالة.
في ظل هذا المسار، حيث تُستبدل الحلول بالإدارة، والسياسة بالأمن، والدولة بالجهاز، يصبح السؤال مشروعًا، بل لا مفرّ منه:
هل انتهت السياسة؟
ربما لا، لكننا أمام لحظة تُقصى فيها السياسة من موقعها المركزي، وتُستبدل بإدارة المخاطر، وبحسابات الردع، وبمنطق الطوارئ الدائم، وهذا أخطر من غياب السياسة، لأن السياسة حين تُغيب قسرًا لا تختفي، بل تعود في صورة عنف، أو فوضى، أو انفجار.
حين يصبح الاستمرار هو الكارثة
هكذا لا تكون المأساة في انهيار النظام الدولي، بل في استمراره بوصفه نظامًا للفوضى المُدارة؛ ولا تكون الكارثة في ضعف الدولة، بل في قوّتها بوصفها جهازًا وضعفها بوصفها علاقة؛ ولا تكون الخطورة في الصراع ذاته، بل في غياب السياسة التي تنظمه وتحوله إلى مسار.
في هذا العالم، لا تصبح المهمة هي منع الانهيار فقط، بل استعادة المعنى قبل أن تبتلعه الإدارة، واستعادة السياسة قبل أن تبتلعها القوة، واستعادة الدولة قبل أن تتحول نهائيًا إلى جهاز بلا روح.
ذلك هو التحدي الحقيقي في عالم يتقن إدارة الأزمات… ويعجز عن حلّها.