معركةٌ بلا "التفافٍ حول العلم": لماذا خافت واشنطن من الحرب الطويلة مع إيران؟

المفارقة أن الحرب لم تمنح الإدارة الأميركية ما يُعرف في العلوم السياسية بتأثير "الالتفاف حول العلم"، إذ من المفترض أن ترتفع شعبية الرؤساء عادة أثناء الحروب والأزمات الكبرى.

0:00
  •  لماذا خافت واشنطن من الحرب الطويلة مع إيران؟
    لماذا خافت واشنطن من الحرب الطويلة مع إيران؟

لم يكن العامل الحاسم في وقف التصعيد الأميركي ضد إيران هو حجم القوة العسكرية التي تمتلكها واشنطن، ولا عدد الطائرات والقاذفات التي شاركت في الحرب، بل ثمة عامل أكثر تعقيداً وتأثيراً، وهو الخوف من الحرب الطويلة.

فبعد أكثر من عقدين على هجمات 11 سبتمبر، لم يعد المجتمع الأميركي ينظر إلى الحروب الخارجية بالطريقة نفسها التي نظر بها إليها مطلع القرن الحالي. لقد تغيّر المزاج العام، وتغيّرت معه حسابات السياسيين، ومن ثمّ أصبح الرأي العام عاملاً أساسياً في تحديد مدى قدرة أي رئيس أميركي على الاستمرار في أي مواجهة خارجية.

وهو ما عبّر عنه دونالد ترامب باستياء في إبريل/نيسان الماضي، حين قال: "لسوء الحظ، يرغب الشعب الأميركي في عودتنا إلى الوطن. لكن لو كان الأمر بيدي، لأخذت النفط الإيراني".

من أفغانستان والعراق إلى إيران: ذاكرة أميركية مثقلة بالخسائر

حين شنّت الولايات المتحدة حربي أفغانستان والعراق، كانت تتمتع بغطاء شعبي واسع مدفوع بمشاعر الخوف والغضب والرغبة في إزالة مصادر التهديد بعد هجمات سبتمبر، لكن السنوات اللاحقة تركت آثاراً عميقة في الوعي الأميركي.

فقد قُتل أكثر من 2400 جندي أميركي في أفغانستان وأكثر من 4400 جندي في العراق، بينما قدّر مشروع "تكاليف الحرب" التابع لجامعة براون الكلفة الإجمالية للحربين وما ارتبط بهما بأكثر من 8 تريليونات دولار. هذه الأرقام بالنسبة إلى المواطن الأميركي ليست مجرد إحصاءات، بل تحولت إلى جزء من ذاكرته السياسية التي باتت ترسم معالم موقفه في الوقت الحاضر.

ولهذا، لم يعد المواطن الأميركي يسأل إن كانت بلاده قادرة على تدمير خصومها، بل أصبح يسأل: كم ستكلفنا هذه الحرب؟ وكم سنة ستستمر؟ وكيف سنخرج منها ؟!.

هذه الأسئلة كانت حاضرة بقوة خلال العدوان على إيران خلال عامي 2025 و2026، خصوصاً مع إدراك قطاعات واسعة من الأميركيين أن إيران ليست خصماً يمكن إسقاطه خلال أيام أو أسابيع، وأن أي تصعيد إضافي قد يفتح الباب أمام حرب استنزاف جديدة في الشرق الأوسط، قد تتطوّر إلى حرب عالمية شاملة.

صمود إيران وتحول الحرب إلى عبء سياسي داخلي

المفارقة أن الحرب لم تمنح الإدارة الأميركية ما يُعرف في العلوم السياسية بتأثير "الالتفاف حول العلم"، إذ من المفترض أن ترتفع شعبية الرؤساء عادة أثناء الحروب والأزمات الكبرى.

فبحسب استطلاع أجرته "رويترز" و"إبسوس"، رأى 24% فقط من الأميركيين أن الحرب كانت تستحق تكلفتها، بينما اعتبر 52% أنها لم تكن تستحق، كما أيد 66% إنهاء التدخل العسكري حتى لو لم تحقق واشنطن جميع أهدافها المعلنة.

وأظهرت الاستطلاعات أيضاً أن 55% من الأميركيين رفضوا إرسال قوات برية إلى إيران، بينما قال 63% إن الإدارة لم تنجح في شرح أهداف الحرب بصورة واضحة. أما شعبية الرئيس دونالد ترامب فتراجعت إلى 34%، وهو من أدنى مستويات التأييد خلال ولايته الثانية.

ولا يعكس هذا التوجه للشعب الأميركي تعاطفاً مع إيران بقدر ما يعكس خوفاً من تكرار التجارب العسكرية الفاشلة السابقة. فالأميركيون لا يعارضون بالضرورة الضربات الجوية المحدودة، لكنهم يتحسسون بشدة من أي حرب قد تتحول إلى التزام طويل الأمد يستنزف الأموال والجنود ويؤثر على الاقتصاد.

ومن هنا، يمكن فهم أهمية الصمود الإيراني، فطهران لم تكن بحاجة إلى هزيمة الولايات المتحدة عسكرياً، بالمعنى الضيق للكلمة، بل كان يكفي أن تمنعها من تحقيق "النصر السريع".

فمجرد استمرار الجمهورية الإسلامية الإيرانية في القتال، وبقاء مؤسسات الدولة قائمة، وقدرتها على الرد، كان كافياً لإثارة المخاوف داخل الولايات المتحدة من أن الحرب قد تتحول إلى مستنقع جديد.

الحلفاء أيضاً بدأوا يراجعون حساباتهم

لم تقتصر تداعيات الحرب على الداخل الأميركي، بل امتدت إلى شبكة الحلفاء الإقليميين لواشنطن.

ففي حرب الخليج عام 1991، على سبيل المثال، كان الوجود العسكري الأميركي يُنظر إليه باعتباره ضمانة للاستقرار والأمن، من وجهة نظر "حلفاء واشنطن". أما خلال حرب 2026 فقد ظهر وجه آخر للمعادلة، فالقواعد الأميركية المنتشرة في المنطقة، ومنشآت الطاقة، والموانئ، وخطوط الملاحة، تحوّلت كلها إلى أهداف سهلة للرد الإيراني.

وهنا بدأ سؤال جديد يفرض نفسه على حلفاء واشنطن: هل يوفّر التحالف مع الولايات المتحدة مزيداً من الحماية، أم أنه يجعل أراضيهم جزءاً من ساحة المواجهة ؟!.

صحيح أن دول الخليج حافظت على شراكاتها الأمنية مع الولايات المتحدة، إلا أن أولويتها خلال الحرب لم تكن توسيع المواجهة، بل منع انفلاتها. فقد أدركت هذه الدول أن أي حرب طويلة لن تقتصر آثارها على إيران أو الولايات المتحدة، بل ستنعكس مباشرة على اقتصادات المنطقة واستقرارها وأمنها الداخلي.

في الوقت نفسه، فضّلت دول محورية مثل مصر وتركيا التمسك بمواقف أقرب إلى الوساطة والتهدئة ومنع التصعيد، ورفضت الانخراط في أي مشروع يخدم أهداف الإدارة الأميركية. وهو ما يعكس تحوّلاً مهماً في البيئة الإقليمية؛ فالكثير من الدول باتت تعتبر أن الاستقرار الاقتصادي وتجنّب الحروب الواسعة هو الهدف الوحيد الذي يجب التركيز عليه.

تأثير رفع كلفة الحرب كعامل حاسم في تحقيق النصر

يتجلّى الاختلاف الجوهري بين عقيدتي الردع الأميركية والإيرانية في كيفية إدارة الصراعات وصياغة مفهوم النصر؛ فبينما يرتكز الردع الأميركي تقليدياً على مبدأ "القوة الساحقة" وإلحاق أكبر قدر ممكن من الدمار العسكري بالخصم لحسم المواجهة سريعاً، يتبنى المنظور الإيراني استراتيجية مغايرة تماماً تقوم على معادلة "استنزاف الخصم ورفع كلفة الحرب".

​وفقاً لهذه الرؤية الإيرانية، لا يشترط تحقيق انتصار عسكري حاسم ومباشر، بل يكمن الهدف الأساسي في إلحاق خسائر متتالية ومستمرة بالأطراف المقابلة، وبالتالي تتحوّل الحرب إلى ساحة لاستنزاف طويل الأمد يهدف إلى إيصال الخصم إلى قناعة راسخة بأن ثمن الاستمرار في القتال بات باهظاً جداً، ويفوق بكثير أي مكاسب سياسية أو استراتيجية يمكن جنيها.

​وقد نجحت طهران في فرض هذا الواقع داخل دوائر صنع القرار في الولايات المتحدة وعند حلفائها الإقليميين. وتحول السؤال من "كيف ننتصر؟" إلى "هل نستطيع تحمل كلفة الاستمرار؟"، وهو ما أجبر القوى الغربية، في نهاية المطاف، على إعادة حساباتها وتجنّب الدخول في مواجهات مفتوحة غير مضمونة النتائج.

الحروب لا تختبر الجيوش فقط بل المجتمعات أيضاً

كشفت الحرب الأخيرة عن عامل غالباً ما يتم نسيانه، وهو قدرة المجتمعات نفسها على تحمل كلفة الصراع. فالحروب الطويلة لا تُحسم فقط بعدد الأسلحة ومدى كفاءتها، بل بمدى استعداد الشعوب ذاتها لتحمل الخسائر الاقتصادية والنفسية والبشرية المترتبة عليها.

وخلال المواجهة برز تباين واضح بين المجتمعين الأميركي والإيراني، فالولايات المتحدة مجتمع يقوم إلى حد كبير على الفردانية والرفاه الاقتصادي، ويُبدي حساسية مرتفعة تجاه الخسائر البشرية وتراجع مستويات المعيشة، وهو ما ظهر في سرعة تصاعد الاعتراضات على استمرار الحرب وتأثيرها على الاقتصاد وأسعار الطاقة.

في المقابل، أظهر المجتمع الإيراني قدرة أكبر على التكيف مع الضغوط الممتدة. فعلى الرغم من سنوات العقوبات والأزمات الاقتصادية، ظل الخطاب الديني والوطني والقومي يشكّل رصيداً معنوياً مهماً للدولة الإيرانية في أوقات الأزمات. وقد انعكس ذلك في التفاف شرائح واسعة من الإيرانيين حول مؤسسات الدولة خلال الحرب، نتيجة شعور عام بأن البلاد تواجه تهديداً خارجياً مباشراً.

وهنا تظهر حقيقة كثيراً ما تؤكدها تجارب التاريخ، وهي أن القوة ليست فقط في حجم الاقتصاد أو عدد الأسلحة، بل هي أيضاً في قدرة المجتمع على الصمود عندما ترتفع كلفة المواجهة. فالدول التي تنجح في بناء شعور جماعي بالانتماء والغاية المشتركة تمتلك عادة قدرة أكبر على تحمل الأزمات الطويلة من المجتمعات التي اعتادت الاستهلاك والعيش في جزر منفصلة لعقود متصلة.

الجمهورية الإسلامية في إيران تعلن في الأول من آذار/مارس 2026 استشهاد القائد الأمة السيد علي خامنئي في مقر عمله في "بيت القيادة"، إثر العدوان الأميركي الإسرائيلي على البلاد.