مصر بعد الحرب: من "الرابح بالوكالة" إلى صانع التوازن الإقليمي؟
الموقف المصري بشكل عامّ يقف خلف إيران بإجماع منقطع النظير، معتبراً إياها الحاجز الأخير الذي يمنع تمدّد المشروع الصهيوني تجاه البلاد.
-
مصر على مفترق المصير: من التهديد الوجودي إلى فرصة إعادة التموضع.
المفاجأة الكبرى التي ظهرت قبل اندلاع الحرب وبعدها هي الموقف المصري، الذي تدفّقت مشاعره وعواطفه بشكل فاق كلّ التصوّر، وكأنها حمم بركانية تفجّرت بعد طول انتظار.
لم يكن هذا الموقف مجرّد تعاطف عابر، بل كان تعبيراً عن تراكم استراتيجي عميق، تجلّى في انفجار المشاعر والتبنّي الكامل لطرف إيران في حربها مع الولايات المتحدة و"إسرائيل". وكما يصف المحلّل المصري أنور الهواري: "المصري البسيط يقف بقلبه وعقله مع إيران؛ حزين لأيّ انتصار إسرائيلي ويدرك أنّ قوتها تشكّل خطراً على الجميع".
هذا التعاطف ليس بعيداً عن الدولة العميقة المصرية، بل هو نتاج العقل الجمعي الذي تنتجه لدى شعب لا يتخلّى عن فكرة الدولة المركزية مهما كان قائدها، خاصة بعد عقود من الإذلال وتحجيم الدور التاريخي الحضاري لمصر. ذلك أنّ القيادة المصرية، بعد رحيل جمال عبد الناصر، أخطأت الرهان على إمكانية تحقيق الاستقرار والنهوض عبر اتفاقية سلام مع الكيان، متناسية أنّ تهديد الأمن القومي المصري يأتي دائماً من الشمال، منذ دخول الهكسوس إلى مصر عام 1650 قبل الميلاد. وما سدّ النهضة الإثيوبي في الجنوب سوى تهديد آخر، لكنه يبقى امتداداً للمخطط "الإسرائيلي" تخطيطاً ومشروعاً وتنفيذاً.
منذ اغتيال الرئيس السادات عام 1981، أدركت الدولة المصرية العميقة حجم الفخّ الذي وقعت فيه، وبدأت رحلة طويلة من المحاولات لاسترداد دورها، بصعوبة بالغة جداً بحكم القيود الاقتصادية والسياسية والعسكرية التي كبّلت مصر بشكل وثيق لم تستطع التنصّل منه.
ومع ذلك، استطاعت الامتناع عن منح الولايات المتحدة قواعد عسكرية على أراضيها، رغم أنّ "اتفاقية كامب ديفيد" تتيح ذلك نظرياً. كما اضطلعت أجهزة الدولة، وفي مقدّمتها المخابرات العامّة بقيادة عمر سليمان، بأدوار معقّدة شملت تسهيل وصول السلاح إلى المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة في فترات معيّنة.
ورغم هذه المحاولات، بقيت مصر أسيرة عوامل ذاتية مقيّدة بضغوط إقليمية عربية خليجية، وقيود أميركية وإسرائيلية مشدّدة، مع تصاعد التهديدات من حولها: جنوباً في السودان (صراعات حدودية ونفوذ إثيوبي)، وغرباً في ليبيا (فوضى مسلحة وتدخّلات خارجية)، وهي بالأصل مخاطر وتهديدات تنطلق من "الشمال الإسرائيلي" وتمتدّ لتطوّق مصر من كلّ اتجاه.
مصر على مفترق المصير: من التهديد الوجودي إلى فرصة إعادة التموضع
أدرك المصريون منذ ثمانينيات القرن الماضي أنّ المشروع الصهيوني التوسّعي لن يتوقّف، وأنّ مصر - على الرغم من التطبيع المجمَّد شعبياً مع "إسرائيل" - تظلّ مهدّدة بالاختناق والموت المائي، وبالقضم والتفتيت الجغرافي.
وهو ما عبّر عنه مايك هاكابي، السفير الأميركي في "تل أبيب"، صراحةً عندما تحدّث عن أحقيّة التوسّع الجغرافي للكيان "من الفرات إلى النيل"، استناداً إلى سرديات تاريخية تلمودية. هذا الإدراك دفع القاهرة لاستثمار هامش تراجع القوة الأميركية، والتوجّه نحو الصين للبدء في استبدال سلاحها الأميركي بالسلاح الصيني، رغم الرزوح تحت ضغط الديون المتنامية (حيث ارتفعت ديون مصر الخارجية إلى 163.7 مليار دولار بنهاية أيلول/سبتمبر 2025)، وضعف الاقتصاد، وانهيار سعر صرف الجنيه المصري الذي كان في 2015 يساوي 7 جنيهات للدولار، بينما وصل اليوم إلى 52.06 جنيهاً.
كانت فرصة مصر التي تلقّفتها مع تصاعد التهديدات بالحرب ضدّ إيران - باستخدام ذريعة الملف النووي الإيراني والوصول إلى صناعة القنبلة - هي التحرّك الدبلوماسي الاستباقي. كانت الإشارة الأولى من طهران لدور مصري مقبل كشريك موثوق، عندما اختارت القاهرة مكاناً ووسيطاً للمفاوضات. لم يكن اختيار مصر لهذا الدور وليد الصدفة، بل نتاج تراكم ثقة بنته القاهرة عبر سنوات من الحياد الإيجابي في الملف النووي، وإدراك طهران بضرورة استعادة مصر لدورها الإقليمي الوازن الذي تستحقه، وعلاقاتها المتوازنة مع جميع الأطراف.
أدّت مصر دوراً بارزاً ومتعدّد الأوجه في هذا المسار، خاصة بالتعاون مع مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية رافاييل غروسي ووزير الخارجية الإيراني عباس عراقتشي، في اجتماع أيلول/سبتمبر 2025 التاريخي الذي رعته القاهرة باقتراح من طهران.
ومع اندلاع الحرب، التي استهدفت في جوهرها إسقاط النظام الإيراني وما يترتّب على ذلك من تفكيك للدولة الإيرانية، أدرك المصريون أنّ هذه الحرب لا تستهدف إيران وحدها، بل تمتدّ لتطال كامل دول منطقة غرب آسيا، وخاصة تركيا ومصر والسعودية. يختزل هذا المعنى بدقة اللواء المصري المتقاعد سمير فرج بقوله: "نحن الوحيدون المتبقّون في طريق إسرائيل".
من هنا كان الموقف المصري بشكل عامّ يقف خلف إيران بإجماع منقطع النظير، معتبراً إياها الحاجز الأخير الذي يمنع تمدّد المشروع الصهيوني تجاه مصر.
وهي أقرب إلى حرب وجودية بالنسبة للمصريين، الذين استعادوا في ذاكرتهم الجماعية مشهد سقوط الدولة العباسية على أيدي المغول وقتل الخليفة المستعصم شرّ قتلة على يد هولاكو عام 1258. لم ينفع الخليفة احتفاله ببغداد لثلاث ليال متواصلة بعد قضاء هولاكو على خصومه الخوارزميين، الذين كانوا واقعياً بمثابة السدّ الأخير لبغداد. اليوم، ترى مصر في إيران ذلك السدّ الأخير الذي يحميها من غزو جديد مقبل من الشرق.
ما بعد الحرب
من الواضح حتى الآن أنّ مسارات الحرب لم تذهب نحو ما أراده كلّ من نتنياهو وترامب، بل أخذت اتجاهاً مختلفاً بعد بدء انهيار مشروعهما خلال أربعة أيام فقط من اندلاعها.
وأنّ مصر سيكون أمامها طريق واسع وأساسي للخروج من القمقم الذي وُضعت فيه. فمع تحجيم طموحات ومشاريع "الدولة" الصهيونية، وهزيمة الولايات المتحدة بعجزها عن تحقيق أهدافها التي أعلنت عنها عشية الحرب، فإنّ التهديدات المحيطة بمصر ستتلاشى تدريجياً.
وخاصة أنّ ما تسرّب حتى الآن عن دور مصر وعمان كوسطاء إقليميين - على حساب السعودية وتركيا - في المفاوضات المؤجّلة بين إيران والولايات المتحدة، وبالشراكة مع روسيا والصين وفرنسا، يؤشّر إلى تحوّل جذري في موازين القوى الإقليمية، تعود معه مصر إلى قلب المعادلة من أوسع أبوابها.
الخلاصة: معادلة القاهرة الجديدة
تخرج مصر من هذه الحرب وهي أكثر وعياً بذاتها ودورها مما كانت عليه قبل عقود. لم تعد القاهرة ذلك الطرف المنكفئ تحت عبء "كامب ديفيد"، بل تحوّلت إلى لاعب رئيسي يعيد ترتيب أولوياته الاستراتيجية. الرهان المصري اليوم يقوم على معادلة دقيقة: استثمار انتصار إيران العسكري والمعنوي (بصمودها وأكثر من ذلك) لصالح تعزيز ردع منطقة غرب آسيا في وجه التمدّد الإسرائيلي، مع الإبقاء على علاقات متوازنة مع الغرب لا تصل إلى حدّ التبعيّة.
مصر تدرك أنها لن تستطيع مواجهة "إسرائيل" وحدها، لكنها أيضاً تدرك أنها لم تعد وحدها. المحور الإقليمي الجديد الذي بدأت ملامحه تظهر في الكواليس الدبلوماسية، يعيد توزيع الأدوار ويخلق توازناً جديداً قد يكون أكثر استقراراً من السابق. يبقى السؤال المفتوح: هل تستطيع مصر تحويل هذه المكاسب الاستراتيجية إلى نفوذ دائم، في ظلّ أزمتها الاقتصادية الخانقة وضغوط الديون المتراكمة؟ الأيام المقبلة وحدها كفيلة بالإجابة.