محمد فرج: حين تُحاكَم الكلمة… ويُستدعى الصمت كشاهد ملك
قد يكون محمد اليوم خلف باب مغلق، لكن الباب الذي أُغلق في وجهه هو نفسه الباب الذي إن أُغلق في وجه الكلمة، تُفتح بعده أبواب أوسع للفوضى، لا للاستقرار.
-
محمد فرج ليس "ناشطًا"، ولا "محرضًا"، ولا صاحب اندفاعات خطابية.
ليست القصة أن إعلاميًا أردنيًا يُوقَف في مطار بلاده، ولا أن عائلة تُترك في العتمة، ولا أن محاميًا يُمنع من الوصول إلى موكله. هذه وقائع - فادحة - لكنها ليست جوهر الحكاية.
الجوهر هو أن الكلمة نفسها تُستدعى إلى التحقيق، وأن السؤال يُعامل كقرينة، وأن التحليل يُعاد تعريفه بوصفه شبهة.
كان جمال حمدان يقول إن "قوة الدولة لا تُقاس فقط بما تملكه من أدوات، بل بقدرتها على تحويل المجتمع إلى عمقٍ لها لا إلى عبء عليها". الدولة القوية ليست تلك التي تُسكت مجتمعها، بل التي تجعله شريكًا في المعنى، في الوعي، وفي تعريف الخطر قبل أن يتحوّل إلى كارثة. حين تنكسر هذه الشراكة، لا يضعف المجتمع فقط - بل تضعف الدولة نفسها من حيث لا تدري.
قبل أشهر، تواصل معي محمد فرج. لم يكن الحديث عن برنامج، ولا عن مقال، بل عن كيفية بناء حملة للإفراج عن المخرج الوثائقي أحمد الرمحي، الذي كان آنذاك في المعتقل بسبب نشاطه الثقافي والسياسي وتضامنه العلني مع غزة ومناهضته الصريحة للمشروع الصهيوني–الإمبريالي. كان محمد، كعادته، في موقع من يشتغل على المعنى قبل أن يشتغل على العنوان.
بعدها خرج الرمحي من محبسه. وكتب على صفحته - لا من موقع الضحية، بل من موقع الشاهد - نصًا بليغًا يطالب فيه بالإفراج عن محمد نفسه. ليست هذه مفارقة أدبية، بل بنية قمعية مكتملة: من يطالب بالحرية اليوم، يصبح غدًا موضوعها، ثم متهمًا بها.
كتب أحمد الرمحي:
"محمد ليس اسمًا عابرًا في خبر توقيف، ولا حالة فردية يمكن فصلها عن سياقها… حرية التعبير ليست ترفًا، بل شرطًا من شروط المناعة الوطنية… الأردن لا يُحمى بإسكات أصواته الحيّة، بل باحتضانها."
هذا الكلام يلتقي مباشرة مع ما يسميه يورغن هابرماس "الفضاء العام" - المجال الذي تُنتج فيه المجتمعات وعيها بذاتها وتفاوض فيه السلطة على شرعيتها. حين يُخنق هذا الفضاء، لا يبقى للدولة سوى أدوات السيطرة، بلا أفق، وبلا قدرة على تصحيح أخطائها قبل أن تستفحل.
وهو يلتقي أيضًا مع تحذير حنّة أرندت من لحظة يتحوّل فيها التفكير نفسه إلى "فعل مشبوه" - لا لأنه خطر، بل لأنه غير قابل للإدارة. في تلك اللحظة، لا يعود القمع استثناءً، بل يصبح نمط حكم.
محمد فرج ليس "ناشطًا"، ولا "محرضًا"، ولا صاحب اندفاعات خطابية. هو خريج هندسة نظم المعلومات، ترك وظيفة مستقرة ومسارًا مهنيًا آمنًا ليختار طريقًا أخلاقيًا أكثر كلفة: أن يجعل المعرفة في خدمة القضايا الكبرى، لا في خدمة السوق ولا في خدمة السلطة.
عرفته منذ قرابة عقد، حين جاء إلى القاهرة مع الرمحي بتوصية من الكاتب الكبير الصديق موفق محادين. كان واضحًا منذ البداية أن ما يميزه ليس الحضور الإعلامي، بل البناء المعرفي: عقلٌ يربط، يفكك، يُعيد تركيب الصورة، ويرفض التعامل مع الوقائع كمعطيات صمّاء.
حين تولّى مسؤولية "الميادين نت"، لم يتعامل معها كمنصة نشر، بل كمساحة تفكير. دفعني - ودفع غيري - إلى الكتابة لا لأن النص مطلوب، بل لأن السؤال ضروري. ثم على الشاشة، قدّم نموذجًا نادرًا لمذيع لا "يدير الحوار"، بل يبنيه: يشتغل على السياق، لا على الإثارة؛ على الخلفية، لا على الانفعال.
وهو، رغم ذلك كله، ظل يسأل: هل نرى الصورة كاملة؟ هل نفوّت شيئًا؟ هل نُبالغ؟ وتلك ليست علامة ضعف، بل علامة عقل حيّ لا يطمئن إلى يقينه.
ما الذي يُعاقَب هنا إذن؟
لا شيء سوى هذا بالضبط: عقل لا يقبل أن يكون صدى. كلمة لا تقبل أن تكون ملحقًا. تحليل لا يقبل أن يكون هامشًا في بيان.
إدوارد سعيد علّمنا أن أخطر أشكال الهيمنة ليست العسكرية فقط، بل تلك التي تُجرِّم السرد البديل، وتحوّل الرواية الأخرى إلى شبهة، واللغة الأخرى إلى خطر. في هذا السياق، يصبح الإعلامي الذي يقدّم قراءة مغايرة للمشهد، جزءًا من "المشكلة" لا من النقاش.
وما يجري مع محمد فرج لا يمكن فصله عن سياق إقليمي أوسع يتّسم بتراجع مقلق في هامش الحريات العامة، وبإعادة تعريف الأمن بوصفه نقيضًا للسياسة، لا شرطًا لها. من الرباط إلى بغداد، ومن القاهرة إلى عمّان، تتراجع المساحات التي تسمح بالكلمة النقدية، ويُعاد تأهيل الصمت باعتباره فضيلة، لا خللًا. في هذا المناخ، لا يُنظر إلى الإعلام المستقل بوصفه رافعة للوعي العام، بل بوصفه مصدر إزعاج ينبغي تحييده أو تطويعه. وهكذا لا تُضرب الأصوات فرادى، بل يُعاد تشكيل المجال العام كله ليصبح أقل قدرة على السؤال، وأكثر قابلية للتلقّي.
ليس المطلوب أكثر من أبسط ما تتيحه أي دولة تحترم نفسها:
أن يُعلَن سبب التوقيف.
أن يُعرَف مكان الاحتجاز.
أن يُسمَح للمحامي والأهل بالتواصل.
أن يُعامَل الإعلامي كمواطن، لا كملف.
التفكير ليس جريمة.
التحليل ليس تهديدًا.
وكشف خرائط الهيمنة ليس عدوانًا على الدولة، بل دفاع عنها.
الدول لا تُحمى بالصمت، بل بوجود أصوات قادرة على الإنذار قبل الانهيار.
قد يكون محمد اليوم خلف باب مغلق، لكن الباب الذي أُغلق في وجهه هو نفسه الباب الذي إن أُغلق في وجه الكلمة، تُفتح بعده أبواب أوسع للفوضى، لا للاستقرار.
ولهذا، فالقضية ليست محمد فرج فقط.
القضية هي: هل نريد دولًا تُدار بالعقل… أم تُدار بالخوف من العقل؟
وهذا سؤال لا يُعتقل.