محبطون، واهمون، وحانقون
الولايات المتحدة ليست قدراً لا رادّ له، و "إسرائيل" لا قيمة استراتيجية لها بذاتها، بل بما يُقدّم لها من دعم وإسناد، والتي من دونهما، لما صمدت طويلاً في وجه حماس وحزب الله.
-
النظام العالمي الجديد، لم يعد ألعوبة في يد سيد البيت الأبيض.
ما أن تناهت إلى أسماع بعضٍ من أصدقاء إسرائيل "الكامنين"، وأتباع واشنطن "الظاهرين"، أنباء "التفاهمات" الأميركية-الإيرانية في إسلام آباد وغيرها، حتى خيّمت أجواء من الخيبة والكآبة فوق رؤوسهم، ذلك أن كثيرٍاً مما ذُكر وتسرب، لم يأت مصداقاً لنبوءاتهم وتوقعاتهم "الرغائبية" التي كانت تُمني النفس، بقرب استسلام طهران، وخضوعها لصك الإذعان الأميركي، كيف لا، وهم أنفسهم الذين "بشّروا" بهزيمة إيران الماحقة، حتى قبل بدء الحرب في الثامن والعشرين من شباط/فبراير الفائت، وما أن بدأت الأساطيل بالاحتشاد، والقواعد بالامتلاء، طائرات وصواريخ ودفاعات جوية.
لم تأت ردود أفعالهم على الشاكلة ذاتها، لكن خيطاً سميكاً من الإحساس بالخيبة والخذلان، جمع هؤلاء من مختلف المشارب، لكأن على رؤوسهم الطير، فليس هذا ما تمنوه وانتظروه طويلاً، وهم الذين سخروا من كل ما كان يقال عن فائض الإرادة والقدرة على الصبر والصمود، وإجادة الحروب غير المتماثلة، التي توفرت عليها طهران، وبعد خبرة خمسة عقود من مقاومة الحروب والعقوبات والحصارات، والاعتماد على الذات.
محبطون
يمكن وصف غالبية هؤلاء بالمحبطين، وهذه الفئة العريضة، تشتمل على حكومات ومنظمات وأحزاب وشخصيات، محللين و"استراتيجيين"... منشأ الإحباط عائد لرهانات كبيرة لطالما انعقدت وطال انتظارها، بأن تنخرط الولايات المتحدة مباشرة في حرب مفتوحة على إيران، والولايات المتحدة، من وجهة نظر هؤلاء، قدرٌ لا رادّ له، وفجوة القوة بين المُعتدي والمُعتدى عليه، تكاد تكون فلكية، فكيف إذا أضيفت إلى القوة العالمية الأعظم، قوة "إسرائيل" و"جيشها الذي لا يقهر"!
قابَلوا بالسخرية، والابتسامات الصفراء، كل وجهة نظر، تجرؤ على القول بأن واشنطن لن تنجح في تحقيق سقوف أهدافها المفرطة، وأن إيران ستتمكن من إنزال ترامب عن قمة الشجرة، وأن نهاية متعادلة بالنقاط، هي السيناريو الأكثر ترجيحاً لهذه الحرب، بل واتهموا من "شكك" بقدرة واشنطن و "تل أبيب" على انتزاع "نصر مطلق"، بالانفصال عن الواقع، والعيش في "نعيم الأوهام".
لقد وقعت التسريبات الخاصة ببنود الاتفاق، وقع الصاعقة على رؤوس هؤلاء، إيران تنجح في تمرير الكثير من شروطها ومطالبها، من وقف الحرب أولاً، وعلى مختلف الجبهات، بالأخص لبنان، إلى إرجاء البحث في الملف النووي إلى مرحلة لاحقة، مروراً بإخراج ملف الصواريخ و"الأذرع" عن أجندة المفاوضات بين الجانبين، الآن ولاحقاً، فضلاً عن قضايا المضيق والعقوبات والأموال المجمدة.
واهمون
لكن فريقاً من هؤلاء، لم يستيقظ بعد من "متلازمة ما بعد الصدمة"، ظل على رهانه الواهم بأن سيد البيت الأبيض، سيستيقظ ذات صباح، فيعيد المسألة برمتها إلى مربعها الأول، ويعاود الكرة العسكرية من جديد، ويسقط جام غضبه وحممه، على رؤوس الإيرانيين، ويسترجع أهداف الحرب وشروطها الأولى، كما لو أن شيئاً لم يحدث، لكأن حرب الأربعين يوماً، لم تكن سوى فاصل إعلاني قصير، تستأنف بعده واشنطن ما بدأته.
ينطبق على هؤلاء "الواهمين"، القول "عنزة ولو طارت"، هم يرون من جهة كيف أن ترامب يهبط تدريجياً عن الشجرة العالية التي صعد إليها، بفعل تحريض نتنياهو وأكاذيبه، ولكن رغباتهم الدفينة تحجب عنهم رؤية ذلك، وما انفكوا يبحثون عن أي خبر أو تسريب، يغذي أوهامهم الخائبة، ولن يستفيق هؤلاء من غيبوبتهم، حتى بعد مشاهدة فصول من مراسم توقيع التفاهمات أو "اتفاق الإطار"، فأوهامهم ستدفعهم لانتظار بدء جولات التفاوض الممتدة لـ"30-60" يوماً، علها تتحطم على صخرة الشروط والشروط المقابلة، وتعود الأطراف لقرع طبول الحرب.
رهاناتهم الخائبة، تدفعهم للتعويل على ما يمكن لنتنياهو و "إسرائيل" أن يفعلاه لإحباط المفاوضات، إن لجهة تحريك "اللوبي إياه"، أو لجهة تصعيد الموقف على جبهتي لبنان وغزة، وربما في مطارح أخرى: اليمن على سبيل المثال...لقد صار مجرم الحرب في "تل أبيب"، "فرس رهان" هؤلاء، فهو وحده من يمكنه وضع المشهد برمته على سكة التصعيد.
حانقون
فريق ثالث، قادته الخيبة والخذلان، إلى ما هو أبعد من ذلك، فأخذ يلعن ويشتم إدارة ترامب والولايات المتحدة، ويروج للحاجة إلى البحث عن حلفاء إضافيين، والمفارقة العجيبة أنهم استحضروا في معرض تعبيرهم الغاضب على واشنطن، مفردات من قاموس خصومهم في الداخل والإقليم، كالقول بأن "المتغطي بأميركا عريان"، والترويج للحاجة إلى "تنويع التحالفات"، من دون أن يَدروا أنهم بأحاديثهم تلك، إنما كانوا يصبون القمح خالصاً في طاحونة خصومهم ومجادليهم.
لقد رأينا "فرسان الجملة الإبراهيمية" يطلّون غاضبين وحانقين عبر شاشاتهم المعروفة، ولولا أننا نعرفهم بالاسم، ونعرف مواقفهم القديمة والجديدة، لظننا أننا أمام ناطقين باسم "المحور"، وأننا نتابع المشهد على "شاشاته"... تلكم لحظة نادرة لفقدان التوازن والاتزان.
ومما زاد طينة هؤلاء بِلّةً، ما تحفل به صحف الشرق والغرب، وصحف "إسرائيل"، من تقديرات وتحليلات، تذهب بعيداً في توصيف "الفشل الاستراتيجي" الذي منيت به "إسرائيل" والولايات المتحدة، بعد إخفاق الحليفتين الاستراتيجيين، في تحقيق أهداف الحروب المتناسلة ومتعددة الجبهات التي درات رحاها على جبهات غزة ولبنان وإيران طيلة الأعوام الثلاثة الفائتة.
فمن بين مئات المقالات والتقارير التي تنشر في كبريات صحف الولايات المتحدة وأوروبا و "إسرائيل"، يندر أن تجد مقالاً رصيناً واحداً يتحدث عن نصر ترامب-نتنياهو المؤزّر، وستجد في المقابل، غالبية عظمى منها، تشرح فصول الانتكاسة والفشل التي مُني بها الرجلان.
ويصبح المشهد أكثر تعقيداً وعصياً على الابتلاع والهضم بالنسبة إلى هؤلاء، فيما التقارير والتسريبات التي يتوالى نشرها في أرجاء الكرة الأرضية، تذهب بعيداً في شرح أبعاد "الفجوة" بين "تل أبيب" وواشنطن، وانتقال نتنياهو إلى الجلوس في العربة الأخيرة من القاطرة الأميركية، بعد أن استقر في قمرة القيادة إلى جانب ترامب، وأن الأول حوّل كيانه، إلى واحدة من "جمهوريات الموز" التي اشتهرت في أميركا اللاتينية ستينيات القرن الفائت وسبعينياته.
"ذرة عقل"
ولو أن هؤلاء احتكموا لما تبقى لهم من عقل وحكمة، لذهبوا كما ذهبوا زملاء وأقران لهم، بإجراء المراجعات الضرورية، لنتائج هذه الحرب والدروس المترتبة عليها، بدل صرف الجهد والطاقة، في التعبير عن الإحباط والخيبة والإمعان في الوهم والتعبير عن الغضب والحنق.
الولايات المتحدة ليست قدراً لا رادّ له، و "إسرائيل" لا قيمة استراتيجية لها بذاتها، بل بما يُقدّم لها من دعم وإسناد، والتي من دونهما، لما صمدت طويلاً في وجه حماس وحزب الله، دع عنك إيران بما تتوفر عليه من قدرات ومقدرات، وأن أمن المنطقة من مسؤولية شعوبها وأممها ودولها المُؤسسة، وأن النظام العالمي الجديد، لم يعد ألعوبة في يد سيد البيت الأبيض، بعد أن تظهّرت مراكز دولية ذات فاعلية مؤثرة في رسم محدداته وخرائطه وقواعده... "هنا الوردة فلنرقص هنا-كارل ماركس".