مبادرة الأزهر.. هل تصنع القاهرة والنجف ممراً لوقف الحرب؟
تستحق مبادرة الأزهر ما هو أبعد من الإشادة. إنها تحتاج إلى من يلتقطها ويطورها، ويحوّلها من نداء صادر عن ضمير الأمة إلى مسار سياسي قابل للحياة، قبل أن تبتلعها طبول الحرب، أو تصبح بيانًا نبيلًا آخر لا يملك طريقًا إلى التنفيذ.
-
جاء نداء الأزهر في اللحظة المناسبة!
في زمن تتسع فيه الحرب أسرع من قدرة السياسيين على احتوائها، وتُستدعى الجيوش قبل استنفاد فرص الحوار، خرج من الأزهر صوت يدعو إلى الوقف الفوري والشامل للقتال، وتشكيل لجنة عاجلة للوساطة والتهدئة، تضم حكماء من الدول العربية والإسلامية.
وإن لم يسمِّ نداء الإمام الأكبر أحمد الطيب نزاعًا بعينه، فإن توقيته وضعه مباشرة في قلب التصعيد بين السعودية وحركة أنصار الله؛ فيما دخل البرلمان المصري في مناقشة طلب تفويض القوات المسلحة لاتخاذ ما يلزم لدعم المملكة، بما قد ينقل مصر من موقع الدولة المؤهلة للوساطة إلى موقع الطرف المحتمل في حرب لا يعرف أحد مداها أو نهايتها.
من هنا، تستحق مبادرة الأزهر ما هو أبعد من الإشادة. إنها تحتاج إلى من يلتقطها ويطورها، ويحوّلها من نداء صادر عن ضمير الأمة إلى مسار سياسي قابل للحياة، قبل أن تبتلعها طبول الحرب، أو تصبح بيانًا نبيلًا آخر لا يملك طريقًا إلى التنفيذ.
نداء يتجاوز حدود الوعظ
تحمل مبادرة الأزهر قيمة استثنائية؛ لأنها تعيد تعريف الواجب العربي والإسلامي في هذه اللحظة. فالتضامن مع أمن السعودية ينبغي ألّا يعني توسيع الحرب، مثلما أن الانحياز إلى مظلومية اليمن لا يبرر تجاهل الدماء التي تسيل داخل المملكة أو استهداف منشآتها المدنية.
لا يمكن الدفاع عن الشعب اليمني بإنكار ما يتعرض له المدنيون السعوديون، ولا يمكن حماية السعودية بإعادة اليمن إلى دائرة الغارات والحصار والجوع. أمن الشعبين ليس معادلة صفرية، وينبغي ألّا يُطلب من العرب الاختيار بين دم عربي ودم عربي آخر.
الأمن الحقيقي للمملكة لا يتحقق بإضافة جيوش جديدة إلى الميدان، بل بإيقاف الحرب التي تهددها. كما أن أمن اليمن لا يتحقق بصواريخ تعبر الحدود، وإنما باستعادة دولته واستقلال قراره، وفتح الطريق أمام تسوية يمنية - يمنية لا تستبعد أحدًا.
لقد دفعت المنطقة طويلًا ثمن التعريف الخاطئ للأمن، حين تصورت كل دولة أن أمنها يمكن أن يُبنى على إنهاك جيرانها، أو أن انتصارها يتحقق بإلحاق أكبر خسارة بالطرف الآخر. والنتيجة أن الجميع أصبحوا أقل أمنًا، بينما تضاعفت قدرة القوى الخارجية على التدخل والابتزاز.
مصر بين دورين
تملك مصر بحكم مكانتها وعلاقاتها وموقعها الجغرافي ما يؤهلها لقيادة مسار للتهدئة. وهي ترتبط بعلاقة استراتيجية وثيقة مع السعودية، كما أنها ليست في حالة عداء مع أنصار الله، وتدرك أن أمن البحر الأحمر وباب المندب جزء لا يتجزأ من أمنها القومي ومصالحها الاقتصادية.
لكن هذه الميزة قد تضيع إذا تحولت مصر إلى طرف عسكري مباشر؛ إذ يصعب على الدولة أن تتقدم إلى المتحاربين بيد تحمل مبادرة للوساطة، بينما تمسك اليد الأخرى بتفويض للمشاركة في القتال.
ولا يعني ذلك أن تتخلى القاهرة عن التزامها بأمن المملكة، أو أن تقف متفرجة أمام استهداف المدنيين والمنشآت السعودية، وإنما أن تعيد تعريف هذا الالتزام على نحو أكثر اتساقًا مع المصالح المصرية والعربية. فالدفاع عن السعودية يمكن أن يبدأ بمنع استمرار الحرب، لا بالانضمام إليها؛ وببناء ضمانات متبادلة توقف الهجمات عبر الحدود، لا بفتح جبهة جديدة تزيد المنطقة اشتعالًا.
إن دخول مصر الحرب لن يضمن وقف الصواريخ، بل قد يوسع دائرة أهدافها. ولن يحمي باب المندب، بل قد يسرع تعطيل الملاحة فيه. كما أنه قد يضع الجيش المصري في حرب لم يتخذ قرارها، ولا يملك تحديد أهدافها أو لحظة انتهائها، فضلًا عما تفرضه من أعباء بشرية واقتصادية على بلد يواجه أصلًا تحديات معيشية جسيمة.
أما نجاح مصر في وقف الحرب، فسيعيد إليها دورًا افتقدته المنطقة طويلًا: دور الدولة التي تجمع ولا تفرق، وتطفئ الحرائق بدلًا من أن تصبح جزءًا منها.
لماذا النجف؟
إذا كان الأزهر قد أطلق النداء، فإن من الطبيعي أن تمتد منه يد إلى النجف، طلبًا لدعم المرجعية الدينية العليا للمبادرة. فالنجف تمتلك ثقلًا روحيًا واسعًا، وتحظى مرجعيتها بقدر كبير من الاحترام والاستقلال عن الاستقطابات الحكومية والحزبية.
غير أن مخاطبة النجف ينبغي أن تراعي طبيعة دورها. فهي ليست مؤسسة سياسية تتطلع إلى مقعد في لجنة تفاوض، ولا يصح تحميلها مسؤولية قرارات الحكومات أو الحركات المسلحة. والأجدى أن يوجه الإمام الأكبر رسالة مباشرة إلى المرجع الأعلى السيد علي السيستاني، يلتمس فيها تأييده الأخلاقي والشرعي لوقف الحرب، وصون الدماء، وفتح طريق الحوار.
قيمة النجف أنها تستطيع منح المبادرة مصداقية تتجاوز الانقسام المذهبي. فاجتماع صوت الأزهر وصوت النجف على الدعوة إلى إيقاف القتال يقطع الطريق على من يريدون تصوير الحرب صراعًا أبديًا بين السنة والشيعة، ويؤكد أن حرمة الدم لا تتغير باختلاف المذهب أو الراية السياسية.
لكن النجف ينبغي ألّا تُقدَّم بوصفها ممثلة لطرف، أو قناة لإصدار أوامر إلى صنعاء. فأنصار الله حركة ذات جذور زيدية يمنية، وقرارها السياسي والعسكري لا يصدر عن المرجعية الدينية في النجف. المطلوب منها ليس أن تتحدث باسم أحد، بل أن تتحدث باسم الضمير الإسلامي الرافض لتحويل الخلاف السياسي إلى فتنة مذهبية مفتوحة.
قوة النجف تكمن في استقلالها ووقوفها فوق الاصطفافات؛ ومن ثم، فإن مكانها الصحيح هو المظلة الأخلاقية، لا طاولة المساومات السياسية.
مظلة روحية ومسار سياسي
الخطر الذي ينبغي تجنبه هو أن تتحول مبادرة الأزهر إلى ساحة تنافس بين المؤسسات الدينية، أو إلى مواجهة فتاوى يبارك كل طرف فيها حرب معسكره. فالمنطقة لا تحتاج إلى حلف من رجال الدين يواجه حلفًا آخر، بل إلى كلمة روحية عابرة للمذاهب تسحب القداسة من الحرب، وتؤكد أن الخلاف السياسي لا يبيح دماء الشعوب.
ويمكن أن تضم هذه المظلة الأزهر والمرجعية العليا في النجف، إلى جانب علماء زيديين وشافعيين موثوقين من اليمن، وشخصيات دينية حكيمة من السعودية وسلطنة عمان. فحضور العلماء اليمنيين أكثر اتصالًا بالنسيج الاجتماعي والمذهبي لبلادهم، ويؤكد أن السلام لن يُفرض على اليمنيين من الخارج أو يُصنع فوق رؤوسهم.
وليست مهمة هذه المرجعيات التفاوض على الحدود أو ترتيبات الأمن والموانئ والصواريخ، بل تثبيت مبادئ لا يجوز للمتقاتلين تجاوزها: حرمة دماء المدنيين، ورفض استهداف المنشآت المدنية والمقدسات، ووقف التحريض المذهبي، وفتح الممرات الإنسانية، والقبول بهدنة تمهد لحوار مباشر.
أما المسار السياسي والعملي، فيمكن أن تقوده مجموعة صغيرة تضم مصر وسلطنة عمان والعراق. توفر مصر الثقل العربي والقدرة على التواصل مع السعودية، بينما تمتلك عُمان خبرة طويلة وقنوات اتصال مع صنعاء، ويستطيع العراق أن يشكل جسرًا مع إيران والمرجعية في النجف.
يتواصل هذا المسار مباشرة مع الرياض وصنعاء والحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا، ومع القوى اليمنية الأخرى التي لا يمكن تجاهلها عند الانتقال من وقف النار العاجل إلى التسوية الشاملة. كما يتشاور سياسيًا مع طهران، بوصفها دولة حاضرة في معادلات المنطقة، ولكن من دون منحها حق التحدث باسم اليمنيين أو اختزال اليمن في علاقته بإيران.
فإبعاد إيران عن الواجهة الدينية لا يعني تجاهل تأثيرها، وإنما وضع العلاقة معها في مكانها الصحيح: قناة سياسية بين الدول، لا وصاية دينية على اليمن.
من الهدنة إلى السلام
لا تحتاج المرحلة الأولى إلى حل جميع أزمات اليمن دفعة واحدة. المطلوب اتفاق محدود وواضح: وقف متبادل للهجمات عبر الحدود، ووقف الغارات والعمليات العسكرية، وحماية الملاحة والموانئ والمنشآت المدنية، وفتح الطريق أمام المساعدات الإنسانية، ثم الشروع في مفاوضات مباشرة بضمانات عربية وإسلامية.
بعد تثبيت الهدنة، يبدأ مسار يمني-يمني لا يستبعد أحدًا، يعالج جذور الأزمة، ويؤكد استقلال اليمن ووحدته وحق شعبه في تقرير مستقبله بعيدًا من التدخلات الخارجية.
فالوساطة بين السعودية وأنصار الله قد توقف الجانب الإقليمي من الحرب، لكنها لا تكفي وحدها لصنع السلام داخل اليمن. والسلام الحقيقي لا يتحقق بتسوية بين العواصم فوق رؤوس اليمنيين، بل بمصالحة وطنية تعيد بناء اليمن دولة مستقلة، لا ساحة لتصفية الحسابات.
وينبغي أن تبدأ الاتصالات بعيدًا من الأضواء. فإعلان لجنة كبيرة قبل الحصول على قبول أولي من الرياض وصنعاء قد يقتل المبادرة في مهدها. الوساطات الجادة تنضج عادة في الغرف الهادئة، ثم تخرج إلى العلن عندما تصبح هناك أرض يمكن البناء عليها.
من المستفيد؟
ليست هناك حاجة إلى كثير من الجهد لمعرفة من يستفيد من استنزاف السعودية واليمن، ومن احتمال انضمام مصر وقوى عربية أخرى إلى الحرب. فالكيان الصهيوني والإدارة الأميركية لا يحتاجان إلى توجيه كل طلقة؛ يكفيهما أن تتولى قوى المنطقة استنزاف بعضها بعضًا، وأن تتحول المواجهة مع العدوان الصهيوني إلى اقتتال عربي-إسلامي.
كلما اتسعت هذه الحرب، ابتعدت فلسطين عن مركز الاهتمام، وتراجعت إمكانات بناء موقف عربي مستقل، وانشغلت موارد المنطقة وجيوشها بحماية نفسها بعضها من بعض بدلًا من مواجهة الخطر الذي يهددها جميعًا.
ومن هنا، يمكن أن تصبح مبادرة الأزهر طوق نجاة من المسار الذي تُدفع المنطقة إليه، شرطَ ألا تُترك وحيدة، وألا تتحول إلى مناسبة جديدة لإلقاء الخطب.
ليست وظيفة الأزهر أو النجف أن يحلّا محل وزارات الخارجية، ولا أن يديرا مفاوضات الصواريخ والحدود. لكن المرجعيات الروحية تستطيع أن تفعل ما تعجز عنه المؤسسات السياسية أحيانًا: أن تنزع الغطاء الأخلاقي عن استمرار الحرب، وأن تمنح القادة فرصة للتراجع من دون إذلال، وأن تذكّر الجميع بأن الدم الذي يسيل ليس مادة في بيانات الانتصار، بل حياة بشر وأوطان ومستقبل أجيال.
جاء نداء الأزهر في اللحظة المناسبة، لكنه سيظل صرخة في الفراغ ما لم تتحرك الدولة المصرية، وتتواصل مع سلطنة عمان والعراق، وتفتح قنوات هادئة مع الرياض وصنعاء وطهران، ثم تمد الجسر الروحي إلى النجف وسائر الحكماء.
المنطقة لا تحتاج إلى تحالف جديد للحرب، بل إلى تحالف للعقل. وفي زمن يسهل فيه الضغط على الزناد، الشجاعة الحقيقية هي امتلاك القدرة على إيقاف النار. وإذا كان قرار الحرب يصنعه الساسة، فإن إنهاءها يحتاج أحيانًا إلى صوت حكيم يذكّرهم بأن النصر الذي يقوم على أنقاض الأمة ليس نصرًا، وأن الدم العربي والإسلامي لا يجوز أن يكون الوقود الذي يضيء الطريق لأعدائها.