ما بعد إقالة كريم خان: عصر العدالة الحذرة؟
إقالة كريم خان محطة مفصلية تثير تساؤلات حول استقلال المحكمة الجنائية الدولية وقدرتها على مواصلة ملاحقة الجرائم الدولية بعيداً عن الضغوط السياسية.
-
ما بعد إقالة كريم خان: عصر العدالة الحذرة؟
شكّلت إقالة المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية كريم خان في تموز 2026 واحدة من أكثر المحطات حساسية في تاريخ المحكمة منذ إنشائها عام 2002. وهي المرة الأولى التي يُعزل فيها مدعٍ عام أثناء ولايته، في سابقة تتجاوز شخص خان لتطال البنية المؤسسية للمحكمة نفسها، وتطرح أسئلة عميقة حول مستقبل العدالة الجنائية الدولية وحدود استقلالها في مواجهة الضغوط السياسية الدولية.
وبغضّ النظر عن الجدل القانوني المرتبط بملابسات الإقالة أو مشروعية الإجراءات التي أفضت إليها، فإن الحدث أعاد إلى الواجهة إشكالية أوسع وأقدم: هل تستطيع المحكمة الجنائية الدولية ملاحقة المتهمين النافذين دولياً، وفي الوقت ذاته حماية استقلالها المؤسسي، وحماية مسؤوليها من الضغوط والانتقام السياسي؟
يُطرح هذا السؤال لأنه، منذ انضمام فلسطين كعضو إلى المحكمة الجنائية الدولية، ومنذ إقرار المحكمة صلاحيتها في النظر في الجرائم المرتكبة على أرض فلسطين، تعرّض مدّعيا المحكمة فاتو بن سودة وكريم خان لضغوط سياسية ودبلوماسية غير مسبوقة.
ولا شكّ في أن إقالة كريم خان، وما كشفت عنه بن سودة سابقاً حول تعرّضها لتهديدات وابتزاز، سوف يؤثران في مستقبل العدالة الدولية على الشكل التالي:
طغيان الأثر الرادع
في أدبيات القانون الدولي، يُستخدم مفهوم "الأثر الرادع" لوصف الحالة التي لا تُمنع فيها القرارات قانونياً، لكنها تصبح أكثر ندرة بسبب ارتفاع كلفتها السياسية أو المهنية. وهذا بالضبط ما يُخشى أن يحدث داخل المحكمة الجنائية الدولية.
خلال ولايتها، تعرّضت فاتو بن سودة لحملات سياسية، وضغوط دبلوماسية، وعقوبات أميركية، ومحاولة تلفيق تهم لها ولزوجها، بسبب بعض التحقيقات التي أشرف عليها مكتب الادعاء، فيما انتهت ولاية كريم خان بأزمة مؤسسية وعزل رسمي بعد فترة شهدت مواجهة حادة حول ملفات غزة و"إسرائيل."
ولا يعني ذلك أن المدعين العامين المستقبليين سيتخلون عن التحقيق في الجرائم الدولية أو سيمتنعون عن فتح الملفات الحساسة، لكن من المرجح أن يصبحوا أكثر وعياً للكلفة السياسية لمثل هذه القرارات، وأكثر حرصاً وتردداً بسبب حساب التوازنات الدولية. وهنا يكمن الخطر على العدالة الدولية، التي لطالما اتُّهمت بعدم الفعالية أساساً، والتي ستصبح أقل جرأة في المستقبل.
وهنا تبرز أيضاً معضلة الاستمرار في التحقيق في الجرائم المرتكبة في غزة. فمن الناحية القانونية البحتة، لا يؤدي رحيل كريم خان إلى إسقاط التحقيقات الجارية أو إلغاء أوامر التوقيف التي صدرت خلال ولايته، لأن هذه القرارات تصدر عن دوائر قضائية مستقلة داخل المحكمة، وليست قرارات شخصية للمدعي العام.
غير أن السؤال الأهم سيتعلق بمدى انصياع المدعي العام الجديد للضغوط الدولية، وهل سيجري اختيار شخصية تقوم بتمييع قضية غزة والجرائم التي اتُهم نتنياهو والمسؤولون الإسرائيليون بارتكابها؟ الإجابة ستضع مستقبل المحكمة على المحك، فهل ستواصل النهج ذاته في التعامل مع الملفات شديدة الحساسية، أم أن التجربة الأخيرة ستدفعها نحو مقاربة أكثر حذراً وأقل صداماً مع الدول المؤثرة؟
المحكمة والدول الكبرى: معضلة الاعتماد المستمر
كشفت تجربتا بن سودة وخان حقيقة أساسية كثيراً ما تُغفل في النقاشات القانونية، وهي أن المحكمة الجنائية الدولية ليست سلطة فوق الدول، بل مؤسسة تعتمد في جزء كبير من فعاليتها على تعاون الدول، وتعتمد مبدأ التكامل الإيجابي مع الدول ذات السيادة.
لا تمتلك المحكمة قوة تنفيذية خاصة بها، ولا تملك جهاز شرطة دولياً مستقلاً، بل تعتمد على الدول في تنفيذ أوامر القبض، وجمع الأدلة، وتأمين الشهود، وإنفاذ الأحكام. ولذلك فإن أي مواجهة مع قوى دولية كبرى قد تؤثر عملياً في قدرة المحكمة على أداء مهامها، حتى لو بقيت قراراتها القانونية قائمة ونافذة من الناحية النظرية.
وبالرغم من أن العدالة الدولية كانت تُتَّهم دائماً بأنها "عدالة المنتصر"، إلا أن السنوات الأخيرة كشفت عن جرأة استثنائية لدى المدّعين العامين في فتح قضايا للتحقيق مع "إسرائيل". لكن الضغوط الدولية، وقيام الأميركيين بفرض عقوبات على قضاة المحكمة وتهديدهم، سوف يجعلان استقلال المحكمة دائماً في حالة شدّ وجذب بين متطلّبات القانون واعتبارات السياسة الدولية.
في النتيجة، قد لا تُغيّر إقالة كريم خان قواعد العدالة الدولية فوراً، لكنها بلا شك ستؤثر في طريقة النظر إليها لسنوات طويلة. إن النظر إلى القضية ككل، وبعد وضعها في سياق الضغوط التي تعرضت لها فاتو بن سودة من قبل، يكشف أن التحدي الأكبر الذي يواجه المحكمة الجنائية الدولية ليس فقط إثبات قدرتها على محاسبة مرتكبي الجرائم الدولية، بل إثبات قدرتها على حماية استقلالها المؤسسي عندما تقترب التحقيقات من مراكز القوة العالمية.
وبعد إقالة كريم خان، ستكون المحكمة الجنائية الدولية تحت المجهر. فإذا نجحت في تحويل هذه الأزمة إلى فرصة لتعزيز الحوكمة والشفافية واستقلال الادعاء، فقد تُسجل قضية كريم خان باعتبارها نقطة تحوّل أسهمت في تقوية المؤسسة. أما إذا ترسخ الانطباع بأن مصير كبار مسؤوليها خاضع للبيئة السياسية الدولية أكثر مما يتأثر بالمعايير القانونية المجردة، فإن الأزمة ستبقى شاهداً إضافياً على هشاشة العدالة الدولية عندما تتقاطع مع حسابات القوة والنفوذ الدوليين.