مآلات التحالف بين نتنياهو وترامب على "إسرائيل"
تشهد شعبية "إسرائيل" في الولايات المتحدة أدنى مستوياتها على الإطلاق، بينما يزداد الزخم المناهض لها داخل الحزب الديمقراطي بوتيرة مرتفعة.
-
يسير نتنياهو على خطى حليفه ترامب في الابتعاد عن أوروبا.
اعتبر باراك رافيد، الصحفي الإسرائيلي، القريب من دوائر صنع القرار الأميركي والإسرائيلي، أن مكانة "إسرائيل" في الولايات المتحدة تشهد تراجعاً غير مسبوق، على خلفية تصويت 40 من أصل 47 عضواً ديمقراطياً في مجلس الشيوخ ضد تزويد "الجيش" الإسرائيلي بالجرافات، و 36 من أصل 47 عضواً ديمقراطياً صوّتوا ضد تزويده بالقنابل، ولم يصوّت أي عضو ديمقراطي في مجلس الشيوخ يفكر في الترشح للرئاسة لمصلحة تزويد "إسرائيل" بالسلاح.
نتائج التصويت الديمقراطي في مجلس الشيوخ لم تكن مفاجئة، إذ ألقى نتنياهو "البيض" كافة في سلة ترامب، بيد أن سلوك نتنياهو تجاه السياسات التي ينتهجها الحزب الديمقراطي الأميركي، لم تكن وليدة اللحظة، كما أن نتنياهو استغل نفوذه داخل الحزب الجمهوري وتأثيره في أروقة صنع القرار الأميركي منذ توليه الولاية الأولى لرئاسة الحكومة الإسرائيلية قبل نحو 30 عاماً، ونجح في توريط مختلف الإدارات الأميركية في حروب خارجية لصالح "إسرائيل" بالدرجة الأولى، بينما استنزفت الولايات المتحدة اقتصادياً وبشرياً.
ففي عام 2002، وقف بنيامين نتنياهو وألقى خطاباً أمام أعضاء الكونغرس، داعياً إلى إسقاط نظام الرئيس العراقي الراحل صدام حسين، وبالفعل شنت الولايات المتحدة الحرب على العراق وأدت إلى خسائر أميركية فادحة، ومنذ ذلك الحين، ترسّخ اسم نتنياهو في الذاكرة الجماعية للحزب الديمقراطي، باعتباره مَن ورّط الأميركيين في الحرب على العراق .
وبعد إبرام الرئيس الأميركي الديمقراطي باراك أوباما الاتفاق النووي مع إيران، عام 2015، دفع نتنياهو خلَفه ترامب في ولايته الأولى إلى الانسحاب من الاتفاق، وهو ما كان، وانسحب ترامب من الاتفاق النووي مع إيران عام 2018 .
بعد الحرب الإسرائيلية على غزة، دعم الرئيس جو بايدن نتنياهو بكل ما تريده حكومته من مال وسلاح وذخيرة، وغطاء سياسي وقانوني وإعلامي، لتبرير حربها البربرية على غزة، بيد أن رغبة نتنياهو في نجاح ترامب في الانتخابات، دفعته إلى معارضة بايدن في مساعيه لإنهاء الحرب على غزة، وبدء مسار سياسي لليوم التالي للحرب، الأمر الذي أسهم في تراجع شعبية الحزب الديمقراطي وخسارة الانتخابات لصالح ترامب، ما دفع قطاعاً عريضاً من الديمقراطيين إلى تحميل نتنياهو مسؤولية فشلهم في فوز مرشحتهم للرئاسة كاميلا هاريس.
لم تحظَ حرب الـ 40 يوماً على إيران، تأييداً واسعاً في أوساط الرأي العام الأميركي، لا سيما التيار الديمقراطي، وترسّخت في الداخل الأميركي قناعة بأن نتنياهو جرّ الولايات المتحدة مرة أخرى إلى حرب غير ضرورية.
السردية الأميركية التي تتهم "إسرائيل" بتوريط الولايات المتحدة في الحرب، لا تنحصر في أروقة الحزب الديمقراطي وحسب، بل باتت تكتسب شرعية في أروقة وزارة الخارجية، وفي الأوساط الأكثر اعتدالاً داخل الحزب الجمهوري. يأتي ذلك في وقت تشهد شعبية "إسرائيل" في الولايات المتحدة أدنى مستوياتها على الإطلاق، بينما يزداد الزخم المناهض لها داخل الحزب الديمقراطي بوتيرة مرتفعة.
في ضوء التغير في الرأي العام الأميركي تجاه "إسرائيل "، باتت الأخيرة تخشى أن تتحوّل من أصل استراتيجي تربطه بالولايات المتحدة علاقة فريدة وعميقة، إلى عبء تتناقص فائدته ويؤثر سلباً في عملية صُنع القرار في واشنطن.
على صعيد العلاقة مع أوروبا، تبدو تداعيات التحالف بين نتنياهو وترامب أكثر وضوحاً، فقبل أيام اعتبر عدد من الأوساط الإسرائيلية أن قيام الرئيس الأوكراني فلاديمير زيلينسكي بجولة في المنطقة شملت مصر والأردن ودول الخليج وتركيا، وسوريا، ولم تشمل "إسرائيل"، مؤشراً على تجنب حكومة بنيامين نتنياهو، أيّ تواصُل مع كييف، خشية إثارة غضب دونالد ترامب، على الرغم من المصالح الاستراتيجية المشتركة مع أوكرانيا.
كما يسير نتنياهو على خطى حليفه ترامب في الابتعاد عن أوروبا، باستثناء فيكتور أوربان، الذي خسر الانتخابات المجرية، وأعلن خلفه عزمه العودة إلى عضوية محكمة الجنايات الدولية التي انسحب منها أوربان إرضاء لصديقه نتنياهو.
وبينما تظل أوروبا الشريك التجاري الأكبر لـ"إسرائيل"، فإن الفجوات الأيديولوجية والسياسية بين الطرفين تتسع باستمرار، لا سيما منذ الحرب الإسرائيلية على غزة عام 2023، ودعم نتنياهو لسياسات ترامب حتى لو تعارضت مع السياسات الأوروبية، وبذلك يراهن نتنياهو بكل أوراقه على علاقته بدونالد ترامب.
بسبب التوتر مع واشنطن، تتجه أوروبا لتصبح أكثر استقلالاً وأقل اعتماداً على الولايات المتحدة، بعد أن أدركت أن حلف شمال الأطلسي أصبح بلا فاعلية، وفي حال استمر نتنياهو وحكومته في الرهان على العلاقة مع ترامب فقط، ستجد "إسرائيل" نفسها في عزلة أكبر .
تاريخياً، رسخت الحكومات الإسرائيلية علاقات ثابتة وقوية مع الحزبين الأميركيين الديمقراطي والجمهوري، وتمتعت "إسرائيل" منذ نشأتها بتأييد ودعم يصل إلى حد الإجماع الأميركي، بصرف النظر عن من يسكن البيت الأبيض، والحزب الذي يتولى الحكومة الإسرائيلية، فالعلاقة بين "دولتين" وليس بين حزبين.
بيد أن التوازن في علاقة الحكومة الإسرائيلية مع أقطاب السياسة الأميركية، تحول في عهد نتنياهو/ترمب إلى تحالف بين تياريهما، الأمر الذي سينعكس سلباً على "إسرائيل" بعد انتهاء ولاية ترامب الحالية، وتولي رئيس ديمقراطي الرئاسة الأميركية، وقد يتغير مزاج ترامب تجاه نتنياهو في حال خسر الحزب الجمهوري الانتخابات النصفية المقبلة نهاية العام الجاري، وعلى الصعيد الأوروبي، لا يستبعد أن تتجه أوروبا إلى الابتعاد بشكل أكبر عن "إسرائيل " التي بات يُنظر إلى سياساتها بأنها متهورة وتهدد الأمن والاستقرار العالميين، كما تهدد أمن الطاقة وسلاسل التوريد والتجارة، الأمر الذي قد يدفعها إلى فرض عقوبات على "إسرائيل" و إلغاء اتفاقيات الشراكة الحيوية معها.