لماذا يركض ماكرون في شوارع أفريقيا؟!

نجح ماكرون في الركض في شوارع أفريقيا وصنع الصورة التي كان يريدها؛ لكن اللحاق بأفريقيا الجديدة يحتاج لأكثر من الركض!

  • يركض ماكرون لأن السنوات الأخيرة كشفت عن تصاعد موجات الغضب ضد باريس.
    يركض ماكرون لأن السنوات الأخيرة كشفت عن تصاعد موجات الغضب ضد باريس.

ظهر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون صباح يوم الأحد 10 أيار/ مايو 2026؛ وهو يركض في أحد الشوارع المزدحمة بالإسكندرية، برفقة زوجته بريجيت ماكرون ووفده المرافق، فيما سارت خلفهم سيارات الموكب الرئاسي، وبعد يومين ظهر الرجل وهو يركض في أحد شوارع نيروبي، ومناسبة الركض أن الرجل يقوم بزيارة أفريقية جديدة تبدأ من مصر وتنتهي في إثيوبيا مروراً بكينيا.

وهي زيارة تعكس مساعي باريس لإعادة تموضعها في القارة الأفريقية، بعد التراجع المتواصل لنفوذها في عدد من دول غرب أفريقيا خلال السنوات الأخيرة. ولكن السؤال لماذا يركض ماكرون في شوارع أفريقيا؟، هل يفضي الركض لإعادة نفوذ فرنسا المتآكل في القارة الأفريقية؟.

ركض ماكرون في شوارع الإسكندرية ثم نيروبي لم يكن مجرد رياضة صباحية ولا خرقاً للإجراءات البروتوكولية، كانت الصورة مطلوبة كإحدى أدوات الدبلوماسية البصرية الناعمة، يحاول ماكرون بركضه بين الناس في الشوارع تقديم نفسه كرئيس قريب من الشعوب ليعيد إنتاج صورة جديدة مختلفة عن تلك الصورة العالقة في أذهان الشعوب الأفريقية عن استعلاء فرنسا.

 ركض ماكرون لم يفلح ولم يَنجح وفي لحظة غضب هدم المعبد في قمة نيروبي الفرنسية - الأفريقية. وذلك عندما توجه للحضور بلغة إنجليزية ولكن استعلائية ووبخهم على عدم إنصاتهم وتبادلهم الأحاديث الجانبية؛ وقال: "معذرةً أنا آسف يا رفاق، لكن من المستحيل الحديث عن الثقافة مع وجود أشخاص كهؤلاء"، وتابع: "هذه قلة احترام. لذا، أقترح، إن كنتم ترغبون في إجراء حوارات ثنائية أو التحدث عن موضوع آخر، يمكنكم أن تخرجوا". هذه سقطة أخرجت ماكرون باكراً من ماراثون البحث عن موضع قدم في أفريقيا.

منذ وصول الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى قصر الإليزيه عام 2017 حتى عام 2026 قام بحوالى 44 زيارة رسمية للقارة الأفريقية شملت أكثر من 27 دولة، وهذا رقم غير مسبوق لأي رئيس فرنسي ولم يقم به رئيس أي دولة أخرى، ورغم ذلك لم يفلح ماكرون في إبقاء فرنسا في ماراثون النفوذ في القارة الأفريقية.

ركض ماكرون في شوارع الإسكندرية ثم شوارع نيروبي، لم يكن وليد اللحظة فمنذ وصوله للرئاسة الفرنسية والرجل يجتهد ويحاول استعادة الحضور الفرنسي في أفريقيا لكنه طوال السنوات الماضية لم يكن جاداً، كان يكتفي بالوعود من دون الخروج من عباءة الاستعلاء، والركض اليوم إدراك، ولكن متأخر بأن نفوذ فرنسا في أفريقيا تراجع حتى كاد أن يتبخر، وهو ركض يعكس في حيثياته أزمة فرنسية تجاه أفريقيا قاعدة نفوذها التقليدية.

يركض ماكرون في شوارع أفريقيا لأن السنوات الأخيرة كشفت عن تصاعد موجات الغضب الشعبي والرسمي ضد باريس، وقد اتكأ بعض الانقلابات العسكرية التي شهدها بعض الدول الأفريقية على ضرورة إخراج فرنسا وقواتها من أفريقيا. وقد استجاب الحكام الجدد لمطالب الشارع كأحد مقتضيات الشرعية السياسية، واتخذوا قرارات أدت إلى إنهاء الوجود العسكري الفرنسي والغربي فيها، وكانت البداية مع مالي وبوركينا فاسو والنيجر، بين عامي 2022 – 2023.   

وبالتالي ركض ماكرون عبارة عن محاولة للبحث عن لغة جديدة تخاطب الشارع الأفريقي من دون بروتكولات، وعن قرب وبشكل مباشر، في محاولة لترميم صورة فرنسا القديمة بوصفها الوصي السياسي على أفريقيا. 

ركض الرئيس ماكرون بين الناس في شوارع الإسكندرية ونيروبي لن يُعيد نفوذ فرنسا المتآكل؛ لأن مشكلة فرنسا في أفريقيا لا تتعلق بالصورة وحدها، والأزمة أعقد من ذلك بكثير، والأجيال الأفريقية الجديدة لم تعد تتقبل الخدع والصور، هذه الأجيال تتطلع اليوم إلى مردود الزيارات على مصالحها وواقعها وتنميتها واحترام سيادة دولها، تجاوزت مرحلة الوعود والشعارات والأمنيات.

 وعليه فإن استعادة فرنسا لنفوذها في أفريقيا بحاجة لأكثر من مجرد الركض في الشوارع الأفريقية والتقاط الصور خارج إطار البروتوكولات، حتى الزيارات المكوكية للرئاسة الفرنسية وإن تجاوزت الـ 44 زيارة، لا قيمة لها ولا جدوى منها إذا لم تترجم لخطوات حقيقية، وهذا يتطلب مراجعة فرنسية موضوعية جادة لطبيعة علاقتها ومحددات سياستها الخارجية تجاه القارة الأفريقية، والاحتكام إلى منطق الشراكة بدلاً من منطق النفوذ السائد.

يعلم ماكرون أن هناك مشكلة تآكل في النفوذ الفرنسي في أفريقيا؛ اعترف بذلك خلال زيارته لكينيا في الـ10 من أيار/مايو 2026، مؤكداً أن حقبة مجال نفوذ بلاده في دول أفريقيا الناطقة بالفرنسية انتهت، مبرراً بذلك اختياره كينيا الناطقة بالإنكليزية لعقد القمة الفرنسية الأفريقية الرئيسية الوحيدة خلال فترة رئاسته. وقال: "لم أعتبر أفريقيا الناطقة بالفرنسية يوماً مجال نفوذ". ولفت إلى أنه منذ 2017 "انتهى ذلك العصر".

 هذا الخطاب ليس انقلاباً في الخطاب الفرنسي لكنه مناورة جديدة من مناورات ماكرون. أوضحها في خطاب ألقاه أمام منتدى للأعمال أن السياسة الفرنسية تجاه القارة السمراء انتقلت إلى مرحلة جديدة تقوم على "الشراكة المتوازنة" والندية، بعيداً عن مفاهيم الوصاية التاريخية أو التدخل المباشر في الشؤون السياسية للدول الأفريقية.

الركض في شوارع أفريقيا جزء من استراتيجية تبنّاها ماكرون منذ وصوله إلى السلطة، وهي استراتيجية تقوم على تغيير الحلفاء واستحداث حلفاء جدد من خلال التوجه الى دول أفريقية لم تستعمرها فرنسا من قبل، دول خالية من الإرث الاستعماري، وعلى الاستفادة من الفرص الاقتصادية الكبرى في أفريقيا الناطقة بالإنكليزية والبرتغالية. وبالفعل زار الرجل في السنوات الماضية غانا ونيجيريا وإثيوبيا وكينيا ورواندا وجنوب أفريقيا. واليوم يكمل زياراته بالركض بين الناس؛ ولن يلحق ما فاته من تغلغل وتوغل روسي وصيني وتركي في أفريقيا.

استعادة فرنسا لحضورها ونفوذها في أفريقيا بحاجة لما هو أكبر وأعمق وأصدق من مجرد ركض الرئيس الفرنسي في الشوارع من الإسكندرية إلى نيروبي، ولا مبالغة في القول بأن ذلك بحاجة لمعجزة سياسية، لا إلى تحويل وتدوير في الأدوات والخطاب؛ إرث فرنسا الإجرامي في أفريقيا عميق وكبير والجيل الأفريقي الجديد لم ينسَ ولن يغفر، وتحتفظ ذاكرة هذا الجيل بجرائم فرنسا منذ العام 1524 عندما نفذت سياساتها الاستعمارية في أكثر من 20 دولة، بدءاً من تجارة العبيد والعنصرية والتعذيب وجرائم التجارب النووية وسرقة الموارد حتى تجنيد الشبان الأفارقة في حروبها، فرنسا قتلت أكثر من مليوني أفريقي في الجزائر والسنغال والمغرب وتونس ومدغشقر. فهل يظن ماكرون أن الجري بين الناس في شوارع أفريقيا قد يمحو من الذاكرة كل هذه الجرائم؟.

حاول ماكرون التسلل إلى وعي الشعوب الأفريقية واللعب على العاطفة، اجتهد في ذلك لكنه اجتهاد لم يغادر لغة الخطاب ولم يترجم على الأرض إلى وقائع، وفي الـ28 من تشرين الثاني/ نوفمبر 2017، قال ماكرون أمام 800 طالب في واغادوغو: "لم تعد لفرنسا سياسة أفريقية. أنا أنتمي إلى جيل لا يأتي ليُملي على أفريقيا ما يجب أن تفعله". وللمرة الأولى، اعترف رئيس فرنسي بأن "جرائم الاستعمار حقائق لا يمكن إنكارها".

وفي أيلول/ سبتمبر 2018، اعترف بمسؤولية الجيش الفرنسي عن اغتيال المناضل موريس أودان خلال حرب الجزائر. وفي يوليو/تموز 2020، أعيدت جماجم ثوار إلى الجزائر. وفي أيار/ مايو 2021، اعترف ماكرون في كيغالي بمسؤولية فرنسا عن الإبادة في رواندا عام 1994.

 والحقيقة أن فرنسا ماكرون اعترفت بجرائمها ولكنها لا تريد الاعتذار عنها أو التعويض عنها، وترى أنه يكفيها أن تستثمر اقتصادياً في هذه الدول، وأن هذا كافٍ لتجاوز الإرث الاستعماري، وهذه هي عقدة العقد في العلاقة بين فرنسا وأفريقيا، فبينما تتطلع شعوب أفريقيا ودولها لاعتذار فرنسي وتعويض عن الجرائم، تكتفي فرنسا بالاعتراف مقابل الحديث عن ضرورة العمل للمستقبل وتجاوز الماضي. 

أختمُ بواقعة حدثت تُفسر محددات العلاقة الفوقية بين فرنسا وأفريقيا وتستشرف آفاقها ومستقبلها وتجيب عن سؤال هل ينجح ركض ماكرون في إعادة فرنسا إلى أفريقيا؛ في الـ20 من كانون الأول/ ديسمبر 2024 زار الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون جيبوتي، للاحتفال بعيد الميلاد مع القوات الفرنسية، وتعزيز الشراكة الدفاعية والأمنية في البحر الأحمر والقرن الأفريقي.

 صحيح أنه لم يركض في شوارع جيبوتي، ولكن كانت أجندته محملة بالأهداف، فالرجل يريد تطويع جيبوتي ووضعها في فم فرنسا مقابل تطوير وكالة فضاء في جيبوتي. والسؤال هل تمتلك جيبوتي القدرة المالية والفنية والبشرية لامتلاك وكالة فضائية؟ بمعنى آخر، هل وكالة الفضاء أولوية تنموية اقتصادية بالنسبة لجيبوتي أم أن العرض مناورة فرنسية جديدة مقابل تأميم جيبوتي؟.

نجح ماكرون في الركض في شوارع أفريقيا وصنع الصورة التي كان يريدها؛ لكن اللحاق بأفريقيا الجديدة يحتاج لأكثر من الركض.