لماذا زار وزير الخارجية الإيراني الصين في هذا التوقيت الحساس؟

منذ اندلاع الحرب، حافظت الصين على تواصل مستمر مع دول المنطقة، وعملت بنشاط على الدفع نحو التهدئة وتشجيع الحوار السياسي. وقد أبدت كلّ من الولايات المتحدة وإيران تقييمًا إيجابياً للدور الصيني.

  • زيارة في توقيت غير عادي.
    زيارة في توقيت غير عادي.

في 6 أيار/مايو، أجرى وزير الخارجية الإيراني عباس عراقتشي زيارة إلى الصين، حيث عقد مباحثات مع وزير الخارجية الصيني وانغ يي. لكنّ هذه الزيارة لم تكن مجرّد محطة دبلوماسية اعتيادية، بل جاءت في لحظة شديدة الحساسية، بينما يقف الشرق الأوسط عند مفترق طرق بين التصعيد والتهدئة.

فمنذ اندلاع الحرب بين الولايات المتحدة و"إسرائيل" وإيران أواخر شباط/فبراير، لم يزر المسؤول الدبلوماسي الإيراني الأول بكين. واليوم، تأتي الزيارة في وقت لم تنتهِ فيه الحرب فعلياً بعد، وفي إثر توتر خطير شهده مضيق هرمز، بالتزامن مع مؤشّرات على انفتاح نافذة تفاوضيّة جديدة، وتراجع أسعار النفط العالمية مع الحديث عن مقترحات أميركية لوقف الحرب.

في هذا السياق، لا تندرج زيارة وزير الخارجية الإيراني إلى الصين ضمن إطار الاتصالات الدبلوماسية التقليدية فحسب، بل تأتي أيضاً عند مفصل حاسم بين الحرب والتهدئة، حاملةً إشارات إيجابية إلى مشهد إقليمي بالغ التوتر.

زيارة في توقيت غير عادي

عند تتبّع التحرّكات الإيرانية الأخيرة، يتضح أنّ زيارة بكين ليست خطوة منفصلة. فطهران كثّفت خلال الأسابيع الماضية تحرّكاتها الدبلوماسية، حيث زار عراقتشي كلاً من باكستان وسلطنة عمان وروسيا، في إطار مساعٍ لفتح قنوات وساطة، ومناقشة ترتيبات وقف إطلاق النار وأمن المنطقة.

وفي الخلفيّة، بدأت أيضاً مؤشّرات على حراك بين القوى الكبرى. فواشنطن تحدّثت عن احتمال زيارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى الصين خلال شهر أيار/مايو، فيما ألمح الكرملين إلى احتمال قيام الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بزيارة لبكين خلال النصف الأول من العام.

كلّ ذلك يوحي بأنّ المنطقة قد تدخل مرحلة جديدة من إعادة التنسيق السياسي والأمني.

والأكثر لفتاً للانتباه، أنّ مسار الأحداث بدأ يشهد تحوّلاً دقيقاً قبيل زيارة عراقتشي إلى الصين وبعدها.

ففي 4 أيار/مايو، ارتفع التوتر في مضيق هرمز بشكل حادّ بعدما أعلنت واشنطن ما وصفته بـ"خطة الحرية" لتأمين الملاحة عسكرياً، بينما ردّت إيران بإطلاق صواريخ كروز. لكن بعد أقلّ من 24 ساعة، أعلنت الإدارة الأميركية تعليق التحرّك العسكري، فيما قال وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو إنّ العمليات ضدّ إيران قد انتهت.

وبالتزامن، تحدّثت مصادر عن اقتراب الطرفين من تفاهم أوّلي لوقف الحرب، بينما أكّدت طهران أنها تقيّم المقترح الأميركي. انعكس ذلك مباشرة على الأسواق، حيث بدأت أسعار النفط بالتراجع، في إشارة إلى توقّعات بانخفاض احتمالات التصعيد.

تشير هذه التطوّرات المتلاحقة إلى أنّ أوضاع الشرق الأوسط بدأت تنتقّل من حالة التوتر الحادّ إلى نافذة تهدئة محدودة وهشّة. وكما أشار وانغ يي خلال لقائه عراقتشي، فإنّ المنطقة تقف اليوم عند مفترق حاسم بين الحرب والسلام.

ماذا أرادت طهران من بكين؟

منذ اندلاع الحرب، حافظت الصين على تواصل مستمر مع دول المنطقة والأطراف المعنية، وعملت بنشاط على الدفع نحو التهدئة وتشجيع الحوار السياسي ومنع مزيد من التصعيد. وقد أبدت كلّ من الولايات المتحدة وإيران تقييماً إيجابياً للدور الصيني.

فقد صرّح الرئيس الأميركي دونالد ترامب في وقت سابق بأنّ الصين أدّت دوراً في دفع إيران للعودة إلى طاولة المفاوضات، فيما أشادت طهران علناً بالجهود الصينية في تعزيز التهدئة ووقف الحرب. كما أنّ زيارة وزير الخارجية الإيراني إلى بكين تعكس بوضوح مدى اهتمام طهران بالدور الصيني ومواقفها السياسية.

وعقب انتهاء المباحثات الصينية الإيرانية في 6 أيار/مايو، وصف عباس عراقتشي زيارته إلى الصين بأنها "مهمة للغاية ومثمرة". وبحسب البيانين الرسميين الصادرين عن الصين وإيران عقب المباحثات فقد اتفق الجانبان بوضوح على مسار الحلّ السياسي.

أولاً، أطلع الجانب الإيراني الصين على تطوّرات المفاوضات الإيرانية الأميركية، مجدّداً تمسّكه بالسعي إلى حلّ شامل عبر التفاوض السلمي، بينما شدّدت الصين على ضرورة وقف إطلاق النار بشكل كامل، وأكّدت التزامها بنهج الحلّ السياسي.

ثانياً، ناقش الطرفان مسألة الملاحة في مضيق هرمز، وأكّدت إيران إمكانية معالجة قضية إعادة فتح مضيق هرمز في أسرع وقت، بينما أشارت الصين إلى قلق المجتمع الدولي إزاء استعادة الملاحة الطبيعية والآمنة في المضيق، داعية الأطراف المعنية إلى الاستجابة سريعاً للمطالب الدولية.

ثالثاً، أجمع الجانبان على دعم الطرح الصيني الداعي إلى التهدئة ووقف الحرب، وشدّدت إيران على ثقتها بالصين، معربة عن تقديرها الكبير وتأييدها للمبادئ الأربعة التي طرحتها الصين من أجل صون الاستقرار والسلام الإقليميين، فيما أكّدت الصين مجدّداً أنها واصلت منذ اندلاع الحرب جهود الوساطة والدفع نحو الحوار، وأنّ مبادراتها لاقت تفاعلاً إيجابياً من المجتمع الدولي.

رابعاً، أكدت الصين مجدّداً موقفها من الملف النووي الإيراني، فقد أعربت بكين عن تقديرها لتعهّد إيران بعدم السعي إلى امتلاك أسلحة نووية، مؤكّدة في الوقت ذاته أنّ لطهران حقّاً مشروعاً في الاستخدام السلمي للطاقة النووية.

وأخيراً، تناول الجانبان مستقبل البنية الأمنية الإقليمية في مرحلة ما بعد الحرب، فقد دعمت إيران فكرة إنشاء هيكل إقليمي جديد يوازن بين متطلّبات الأمن والتنمية، بينما أكّدت الصين دعمها لإقامة منظومة إقليمية للسلام والأمن تقوم على المشاركة الجماعية، وحماية المصالح المشتركة، وتحقيق التنمية المشتركة بقيادة دول المنطقة نفسها.

وبصورة عامّة، لم تقتصر المناقشات الصينية الإيرانية على ملف وقف إطلاق النار وإنهاء الحرب، بل امتدّت إلى رؤية أوسع تتعلّق باستقرار المنطقة على المدى الطويل، بما يعكس أيضاً إعادة تأكيد مستوى الثقة السياسية والعلاقات الاستراتيجية بين بكين وطهران.

وتأمل إيران أن تواصل الصين تأدية دورها في الدفع نحو التهدئة وتشجيع الحوار، وهو الدور الذي تواصل بكين القيام به بالفعل. فمنذ تصاعد الأزمة، أجرى وزير الخارجية الصيني وانغ يي 29 مكالمة مع مختلف الأطراف بشأن الملف الإيراني، في إطار جهود دبلوماسية مكثّفة للوساطة واحتواء التصعيد. وقبيل زيارة عباس عراقتشي إلى الصين، أجرى وانغ يي أيضاً اتصالاً هاتفياً مع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو.

إلى جانب ذلك، توصّل الجانبان إلى توافق بشأن بناء هيكل أمني إقليمي جديد. فالصين عملت على تشجيع تحسين العلاقات وتعزيز التعاون بين إيران ودول الخليج منذ سنوات، باعتبار ذلك عنصراً أساسياً لاستقرار المنطقة. وقد أظهرت هذه الجولة من المواجهات مجدّداً مدى أهمية تمسّك دول المنطقة بعلاقات حسن الجوار. فالقوى الخارجية قد تأتي وتغادر وفق حساباتها، أما دول المنطقة فمصيرها يبقى مترابطاً، ولا يمكنها مغادرة الجغرافيا أو التنصّل من واقعها المشترك.

في زمن الفوضى… يصبح الاستقرار قوة بحدّ ذاته

ورغم الحديث عن تهدئة، فإنّ جذور الأزمة في الشرق الأوسط لا تزال قائمة. السياسات الأميركية خلال السنوات الأخيرة بدت متقلّبة، والضمانات الأمنية التقليدية لم تعد تحظى بالثقة نفسها، فيما ازدادت رغبة دول المنطقة في بناء هامش استقلال أوسع بعيداً عن الارتهان الكامل للقوى الخارجية.

المنطقة اليوم تعيش مرحلة انتقالية: النظام القديم يتفكّك تدريجيّاً، بينما النظام الجديد لم يولد بعد.

وفي مثل هذه اللحظات، لا يصبح النفوذ مرتبطاً فقط بالقوة العسكرية، بل بالقدرة على تقديم "إحساس بالاستقرار"، ولهذا تحديداً تزداد أهمية الصين في نظر كثير من دول المنطقة.

فالصين، بخلاف قوى دولية أخرى، لم تنخرط عسكرياً في صراعات الشرق الأوسط، ولم تدخل ضمن سياسة المحاور الحادّة، بل قدّمت نفسها باعتبارها طرفاً يدعو إلى الحوار والتوازن وعدم التدخّل. ومن دون السعي وراء مكاسب جيوسياسية ضيّقة، بل تنطلق من مراعاة المصالح الجوهرية وطويلة الأمد لدول المنطقة. ولهذا تحديداً، تنظر العديد من دول الشرق الأوسط إلى الصين باعتبارها شريكاً يمكن الوثوق به.

ومن هنا يمكن فهم الرسالة التي كتبها عراقتشي باللغة الصينية على مواقع التواصل خلال زيارته: "إيران تثق بالصين". هذه العبارة لم تكن مجرّد مجاملة دبلوماسية، بل تعكس تحوّلاً أوسع في نظرة دول المنطقة إلى القوى الكبرى:
من يصنع الفوضى؟ ومن يستطيع تقديم قدر من الاستقرار يمكن البناء عليه؟

خلال السنوات الأخيرة، تصاعد الحضور السياسي الصيني على المستوى الإقليمي، ولا سيما فما يتعلّق بدفع دول المنطقة نحو المصالحة، ودعم جهودها لبناء منظومة أمنية مستقلة، حيث واصلت بكين أداء دور إيجابي وبنّاء في هذا المسار.

 

الجمهورية الإسلامية في إيران تعلن في الأول من آذار/مارس 2026 استشهاد القائد الأمة السيد علي خامنئي في مقر عمله في "بيت القيادة"، إثر العدوان الأميركي الإسرائيلي على البلاد.