قراءة في سر الصمود الأسطوري لحزب الله
صمود حزب الله في وجه العواصف العاتية ليس معجزة عابرة أو مجرد طفرة مؤقتة، بل هو نتاج حتمي لمعادلة واقعية مركّبة تجمع بين التنظيم العقائدي الحديدي المرن، والحاضنة الشعبية الوفية.
-
حزب الله.. العمق الشعبي والحاضنة الصلبة.
على الرغم من حجم التحديات غير المسبوقة، والضربات القاسية والمتلاحقة التي تعرضت لها بنيته القيادية والعسكرية خلال الآونة الأخيرة، يعود حزب الله ليتصدر المشهد العسكري والسياسي في منطقة الشرق الأوسط كنموذج استثنائي وفريد في التكيّف الديناميكي والصمود الاستراتيجي.
وفي ظل بيئة إقليمية ودولية شديدة التعقيد والاضطراب تحيط بلبنان في الوقت الراهن، يثبت الحزب أن مفهوم "المقاومة" ليس مجرد شعار فضفاض أو أيديولوجيا حماسية، بل هو منظومة مؤسسية متكاملة، وعقيدة قتالية راسخة أثبتت التجربة العملياتية أنها عصية على الانكسار والإنهاء.
فما هي العوامل البنيوية، والجغرافية، والسياسية التي تضافرت لتجعل من هذا الصمود واقعاً فرض نفسه بقوة السلاح على الميدان، وبقوة الأمر الواقع على طاولات السياسة الإقليمية والدولية؟
أولاً، المرونة التنظيمية واللامركزية (العقل المقاوم المتجدد)
أثبتت التجربة التاريخية المعاصرة، وبشكل خاص خلال العامين الأخيرين، أن استهداف واغتيال القادة الكبار في الصف الأول، وعلى رأسهم الأمين العام السابق السيّد حسن نصر الله، لم يؤدِّ إلى انهيار المنظومة القيادية والسيطرة كما كان يتوقّع ويخطط خصومها.
بل على العكس، استوعب الحزب الصدمة سريعاً وظهرت جملة من المتغيرات الهيكلية التي ساعدته على تجاوز الأزمة والاستمرار في إدارة المعركة بكفاءة عالية، وأبرزها:
القيادة الجماعية المرنة: نجح الحزب، بفضل مؤسساته الشوريّة ومجالسه القيادية المتعددة، في إعادة ترتيب صفوفه وسد الفراغات القيادية بسلاسة مذهلة، وضخ دماء جديدة متمرسة تحت قيادة الأمين العام الشيخ نعيم قاسم، ما فاجأ الدوائر الاستخبارية العالمية التي راهنت على تشتت الحزب.
اللامركزية العسكرية العملياتية: إن التحوّل المدروس نحو وحدات قتالية أصغر حجماً، وأكثر استقلالية في اتخاذ القرار الميداني، جعل المنظومة بأكملها أقل عرضة لآثار الضربات الجوية الكثيفة.
بالتالي أصبحت كل بقعة جغرافيّة قادرة على القتال والإدارة الذاتية من دون الحاجة إلى خطوط اتصال مباشرة ومستمرة مع القيادة المركزية.
هذا التحوّل الهيكلي تم بتعاون وثيق وخبرات تراكمية مشتركة مع قوات الحرس الثوري الإيراني، التي تمتلك باعاً طويلاً في تطوير استراتيجيات الحروب غير المتناظرة.
الاعتماد الاحترافي على حرب العصابات: تبرز عبقرية الحزب العسكرية في تجنبه التام للمواجهات التقليدية التي تخدم التفوق الجوي والتقني للخصم.
وبدلاً من ذلك، ركزت الاستراتيجية على الكمائن الكمية والمحكمة، واستخدام سلاح مضادات الدروع (الكورنيت والجيل الثالث منها)، وتفعيل سلاح المسيرات الانقضاضية، والصواريخ بعيدة وقصيرة المدى بشكل متوازٍ، ما كبّد القوات الإسرائيلية خسائر بشرية ومادية مستمرة، واستنزف قدراتها الهجومية بكفاءة عالية.
ثانياً، البنية التحتية والذكاء الجغرافي
لم يكن هذا الصمود العسكري في وجه أقوى الآلات العسكرية وليد الصدفة أو ضرباً من الحظ، بل هو نتاج عقود طويلة من التخطيط الهندسي الشاق، والاستبصار الاستراتيجي الفذ للطبيعة الجغرافية اللبنانية، وتمثل ذلك في محوريْن:
شبكة الأنفاق والمدن التحت أرضية: تمثل شبكة الأنفاق المحصنة والمخازن الاستراتيجية والممتدة عبر تضاريس معقدة، ولا سيما في مناطق شمال نهر الليطاني وصولاً إلى عمق البقاع، قلعة عسكرية حصينة. هذه المنظومة الهندسية المعقدة تجعل من مستحيلات التكنولوجيا العسكرية الحديثة، بما فيها القنابل الارتجاجية والمسح الفضائي، اختراقها أو تدميرها بالكامل، ما وفّر بيئة آمنة لحفظ الصواريخ البالستية وإطلاق المسيرات.
التأقلم مع انقطاع الإمداد الخارجي: على الرغم من التغيرات الجيوسياسية الضخمة والدراماتيكية التي شهدتها الساحة السورية، وسقوط نظام الرئيس بشار الأسد، وما تلا ذلك من فقدان الحزب لبعض خطوط الإمداد البري واللوجستي التقليدية التي كانت تشكل شريانه الحيوي، أثبتت المقاومة قدرة استثنائية على الابتكار. وتجلّى ذلك في تفعيل ميكانيزمات "الإنتاج المحلي" للمسيرات رخيصة التكلفة وعالية الفعالية، وتصنيع الصواريخ قصيرة المدى محلياً، فضلاً عن الاستفادة القصوى والذكية من خطوط إمداد بديلة ومبتكرة عبر البحر والالتفاف الجغرافي. هذا الاعتماد الذاتي حقق للحزب نوعاً من "الاكتفاء الذاتي" العسكري المؤقت الكافي لإدارة حرب استنزاف طويلة الأمد.
ثالثاً، العمق الشعبي والحاضنة الصلبة
إن القوة الحقيقية المستدامة لأي حركة تحرر أو مقاومة في التاريخ الحديث لا تُقاس بعدد ترسانتها الصاروخية أو عتادها العسكري فحسب، بل تُقاس بالدرجة الأولى بمدى تلاحم جبهتها الداخلية وتجذرها في وعي شعبها:
شراكة الدم والتضحية المصيرية: في مناطق الجنوب اللبناني، والضاحية الجنوبية لبيروت، وسهل البقاع، لا يزال الحزب يحظى بحاضنة شعبية وتاريخية صلبة وعابرة للمحن. هذه البيئة ترى في سلاح الحزب ومقاوميه الدرع الحصين الوحيد الردعي لحمايتها، والدفاع عن السيادة اللبنانية ضد أي أطماع توسعية خارجية، معتبرة أن كلفة المقاومة تظل أقل بكثير من كلفة الاستسلام والارتهان.
شبكة الأمان الاجتماعي والمؤسساتي: على الرغم من الحصار المالي الخانق، والضغوط الاقتصادية القاسية التي يمر بها لبنان، استمرت مؤسسات الحزب الخدمية والمدنية (الصحية مثل الهيئة الصحية الإسلامية، والتعليمية، والإغاثية، وجهاد البناء) في تقديم الدعم المباشر والمستمر للنازحين وعوائل الشهداء والمتضررين. هذا الحضور الاجتماعي الفاعل عزّز من صمود البيئة الحاضنة، وحافظ على التماسك المجتمعي خلف خيار المقاومة في أحلك الظروف.
رابعاً، التوازن السياسي الداخلي والإقليمي
على الرغم من الحملات السياسية والإعلامية المحلية والدولية الشرسة والمستمرة بهدف نزع سلاح الحزب وعزله، فإن الواقعية السياسية تثبت رجحان كفّته في المعادلة العامة، استناداً إلى معطيات موضوعية:
التحالفات السياسية المتينة: يمتلك الحزب شبكة نفوذ واسعة وحلفاء وازنين يتمتعون بثقل سياسي كبير في المعادلة اللبنانية المعقدة، وفي مقدمتهم "حركة أمل" بقيادة رئيس مجلس النواب نبيه بري، الذي يقود الجبهة الدبلوماسية والتفاوضية بتناغم تام مع الميدان، ما يمنع أي محاولة للاستفراد بالحزب سياسياً أو فرض شروط إذعان عليه.
حذر مؤسسات الدولة والجيش: تدرك قيادة الجيش اللبناني والمؤسسات الرسمية والأمنية في البلاد أن أي محاولة صدام مسلح أو مواجهة شاملة مع الحزب لن تؤدي إلا إلى إدخال لبنان في أتون حرب أهلية مدمرة لا تُحمد عواقبها. وبالتالي، يظل الموقف الرسمي اللبناني محكوماً بالتوازنات الدقيقة، والحرص على السلم الأهلي والاستقرار الداخلي كأولوية قصوى.
الدعم الإقليمي المستدام من الحليف: تظل الجمهورية الإسلامية الإيرانية ملتزمة استراتيجياً وعقائدياً بتقديم أشكال الدعم المالي كافة، واللوجستي، والاستشاري، والدبلوماسي للحزب. فإيران ترى في حزب الله الركيزة الأساسية، وجوهرة التاج في "محور المقاومة"، وبقاء قوته وتأثيره يعد مصلحة أمن قومي حيوي لها، ما يضمن تدفق الإمكانات والبدائل الحيوية اللازمة للاستمرار والثبات في المعركة السياسية والعسكرية.
خلاصة المشهد
في المحصّلة، يتضح جلياً أن صمود حزب الله في وجه العواصف العاتية ليس معجزة عابرة أو مجرد طفرة مؤقتة، بل هو نتاج حتمي لمعادلة واقعية مركّبة تجمع بين التنظيم العقائدي الحديدي المرن، والحاضنة الشعبية الوفية المستعدة للتضحية، والذكاء في استغلال الجغرافيا والأنفاق، والعمق الاستراتيجي الإقليمي الحليف.
ورغم التكلفة الباهظة والخسائر التي شهدتها لبنان، يثبت الميدان يوماً بعد يوم أن المقاومة قادرة على إفشال مخططات العدو وكسرها، وأن أي تسوية سياسية أو هندسة مستقبلية للمنطقة لن تمر من دون الاعتراف بالحزب كقوة أساسية فاعلة، ورقم صعب لا يمكن تجاوزه أو إقصاؤه من رقعة الشطرنج الإقليمية.