في جدوى التصدّي لـ "إسرائيل" وكلفة المواجهة.. هذا لبنان وهذا تاريخه

قرّر أصحاب نظرية الهزيمة أنّ المقاومة مهزومة قبل أن تبدأ المعركة وعندما اندلعت النيران راحوا يبحثون بين الركام والدمار عمّا يثبت رأيهم.

0:00
  • هذا لبنان وهذا تاريخه..
    هذا لبنان وهذا تاريخه..

في قضية الدفاع عن لبنان بوجه المخاطر الإسرائيلية يمكن أن يقدّم أنصار المقاومة مرافعة طويلة من وحي التاريخ القريب والبعيد كما من وحي الحاضر، من التجربة اللبنانية كما من تجربة المحيط القريب، تثبت صوابية الخيار المسلّح.

في ميزان المنطق والمصلحة الوطنية تحضر عشرات الأدلة المحكمة على ضرورة امتلاك الردع العسكري تجاه عدوانية "إسرائيل"، سواء انضوت مقدّرات هذا الردع في كنف مؤسسات الدولة وفي ظلّ استراتيجية دفاعية، أو إلى جانبها وبالتآزر معها.

من منظور حماية الوطن وصون مقدّراته في وجه الأطماع والتهديدات الإسرائيلية الوجودية يمكن المحاججة في اتجاهين، يقودان إلى خلاصة لا يحتاج أنصار المقاومة أصلاً إلى المزيد من الأدلة للاقتناع فيها:  جدوى المقاومة رغم كلفتها، مقابل الأكلاف الباهظة للخيارات الأخرى المطروحة وعدم جدواها. 

ما لا يقوله الإعلام الصهيوني بحكم الرقابة

مثّلت تجربة الـ 15 شهراً التي فصلت بين "البأس الشديد" وبين "العصف المأكول" دليلاً إضافياً دامغاً على تعذّر إمكانية التعويل على أيّ اتفاق مع "إسرائيل". جسّدت تلك الفترة أمام اللبنانيين مثالاً حيّاً حول "البديل"، حينما لا تجد "إسرائيل" ما يردعها. 

من دون الحاجة مجدّداً إلى استحضار المواقف التي جهر فيها مسؤولون إسرائيليون آنذاك بما يظهر تفلّتهم من أيّ ضوابط حينما يتراءى لهم اختلال موازين القوى، يكفي التذكير فقط بأنّ "إسرائيل" ثابرت برعاية أميركية على خرق الاتفاق بشكل يومي والجهر بأطماعها ومشاريعها مقابل الالتزام التامّ من قبل المقاومة التي عملت على تفويت فرصة التذرّع بأيّ حجّة أمام المتربّصين.. مع ذلك تجد في الداخل اللبناني من يعمل على ترويج الحجج. 

مجدّداً أثبتت التجرية أنّ "إسرائيل" لا تعوزها الأعذار وأنها تتوقّف فقط عندما تصطدم بحساب الأكلاف المرتفعة لأيّ خطوة تريد الإقدام عليها. المسألة لم تكن على الدوام مسألة رغبة من قبلها في التوسّع والتغوّل بل مسألة قدرة ومعادلة أثمان مقابل الجدوى.

لبنانياً أطلقت مواقف من عدة مستويات وأطراف سياسية حول المقاومة. عدّها البعض، من بينهم حلفاء سابقون، أنها باتت عبئاً، وآخرون عديمة الجدوى. إذا أخذنا الأمور بحسن نيّة أمكن القول إنّ التوازنات والنتائج التي أفضت إليها الجولة الماضية وقراءة الواقع المستجدّ آنذاك، أسهمت في بلورة هذا المنطق. قيل ورُوّج الكثير حول الواقع الجديد، وربما من المفيد والضروري استحضاره في سياقات أخرى. من الخلاصات التي زخرت فيها المواقف والحسابات الرقمية أنّ المقاومة انتهت فعلياً وباتت محاصرة ومخترقة ومستنزفة وتكاد تكون في حالة موت سريري، وأنّ كلّ يفعله أمينها العامّ الشيخ نعيم قاسم ينحصر فقط في البحث عن مخرج مشرّف لتسليم السلاح.

لكن بعد المفاجأة الأولى التي حقّقتها المقاومة في الجولة الأخيرة، والمفاجآت اللاحقة التي بدأت تتوالى تباعاً، بات افتراض حسن النيّات من قبل مناهضي السلاح وبعض أركان السلطة يلامس السذاجة.

الحقيقة التي لا ينكرها العدو نفسه اليوم، هي أنه ليس فقط عاجزاً عن تحقيق أهدافه التي تقلّصت وتراجعت تدريجياً منذ بدء عدوانه، إنما أيضاً أنه بات يجد نفسه مستنزفاً في واقع معقّد لا يستطيع التحكّم فيه والسيطرة عليه ولا يجد له حلولاً حتى الساعة.

ما لا يقوله الإعلام الصهيوني بحكم الرقابة العسكرية هو إلى أيّ حدّ يستطيع أن يتحمّل الأكلاف التي يتكبّدها يومياً من نزيف بشري وخسائر معنوية وخسائر في التجهيزات والمعدّات؟

تلخّص صحيفة "إسرائيل هيوم" هذه المعضلة بالقول "ظننا أننا أوقعنا حزب الله في فخّ استراتيجي لكننا نحن من وقعنا في فخّه"، وتلخّصها القناة 12 الإسرائيلية بالقول: "سنكون أمام معضلة فإما الانجرار إلى ضبط النفس أو إلى حرب استنزاف يومية أو إلى حرب شاملة لإزالة التهديد".

المقاومة أقرب إلى مفهوم "الدولة" من بعض أركان السلطة

إزاء هذا الواقع كان يُفترض من منطلق المصلحة الوطنية والوعي بالمخاطر الإسرائيلية إجراء مراجعة لتقييمات لبنانية سابقة. بعض أصدقاء المقاومة السابقين فعل ذلك، لكن هذا الاستثناء لم ينسحب على رئاسة الجمهورية ورئاسة مجلس الوزراء ولا على تيارات وشخصيات سياسية، في وقت تظهر بعض استطلاعات الرأي المنشورة انقساماً في الرأي العامّ حول هذا الموضوع بمعزل عن إشكالياتها ونسبها.

وكما في كلّ مرة، يعود مناهضو المقاومة إلى التركيز فقط على ما يخدم سرديتهم وتجنّب الأسئلة الحقيقية التي تحتاج إلى إجابة: ما هو البديل من المقاومة؟ وما هي الضمانة بأنّ الخيار الآخر كفيل بتحقيق المصلحة الوطنية وحماية لبنان وصون أرضه وشعبه ومقدّراته؟

بدلاً من ذلك يجري اللجوء إلى افتعال إشكاليات ومحاولة توهين الصمود وإثارة الشكوك، لكن في الأساس يجري التركيز على الخسائر والدمار من دون الإنجازات، ويعود العنوان الكبير من جديد: المقاومة هُزمت وآن وقت ترك المهمة إلى الدولة. لكن أيّ دولة؟ 

الدولة في التعريف القانوني تتضمّن ثلاثة أركان: الشعب والأرض والسلطة. الشعب والأرض ثابتان لكنّ السلطة تخضع للمداولة، وآخر نسخة منها حلّت في موقع رئاسة الجمهورية ورئاسة الوزراء بفعل الوصاية الخارجية، وبعضها جاء وفق بعض القراءات القانونية خلافاً للدستور بما ينسجم مع نمط التسويات اللبنانية. المقاومة بما تمثّل وفق هذا التعريف هي أقرب إلى "الدولة" من بعض أركان السلطة.

هذا لبنان وهذا تاريخه

لنعزل قليلاً الحالات التي تتسم بالرمادية أو بضعف الوعي السياسي في أوساط الرأي العامّ اللبناني ونتجنّب التفريعات الكثيرة التي يمكن أن تشتّت صلب الموضوع. يحمل الجدال حول النصر والهزيمة في كلّ مرة تخوض فيها المقاومة واجب الضرورة في الدفاع عن لبنان وشعبه أبعاداً تتجاوز الدلالة اللغوية للمصطلحات وتستبطن غاية في نفس يعقوب: تقويض جدوى الخيار المقاوم.

بهذا المعنى، الهزيمة في قاموس من يعارض المقاومة ليست مبنية على قراءة أو تعمّق، بل على موقف يسبق أيّ فعل مقاوم. من هنا قرّر أصحاب نظرية الهزيمة أنّ المقاومة مهزومة قبل أن تبدأ المعركة وعندما اندلعت النيران راحوا يبحثون بين الركام والدمار عمّا يثبت رأيهم. 

من هذا المنطلق هل من قرّر مسبقاً أنّ الخيار غير ملائم ينفع معه أيّ نقاش مهما كان علمياً وموضوعياً؟ 

مهما قدّمت من أدلة ومن براهين سيبقى هذا التيار يرى الكلفة أعلى من الجدوى. 

المسألة تتجاوز معادلات المنطق التي تنطوي عليها ثنائية الجدوى والكلفة. يتشعّب النقاش عميقاً في تاريخ لبنان الحديث ليكشف أنّ لكل فئة أسبابها في الانحياز ضدّ المقاومة مهما قدّمت من إنجازات ومن شواهد على صحة توجّهاتها.

السمات الشخصية ودرجة الوعي والموضوعية وأثر التعرّض للحملات الدعائية وحرب الإدراك تسهم من دون شكّ في تشكيل الاتجاهات، كذلك الأخطاء والسلوكيات التي يولّدها بعض المحسوبين على بيئة المقاومة في مراكمة الانطباعات السلبية عنها. لكن ذلك لا يلغي العوامل الثقافية والهوياتية في تثبيت الانحيازات الفكرية، والأهم من ذلك المصالح والالتزامات والاعتبارات الشخصانية الصرفة. 

يفصح تاريخ لبنان الحديث منذ إرهاصات تكوينه عن روايات حول حكم القناصل وشراء الذمم والولاءات وتحويل السياسة إلى عمل مقاولات.

تتوافق مجموعة معتبرة من المؤلفات العلمية الرصينة على أنّ النفوذ الأجنبي في لبنان لم يكن يُفرض بالقوة دائماً، بل كان يجد تربة خصبة في الزعماء المحليّين الذين طالما وجدوا في السفارات والوصاية الأجنبية ضامناً لبقائهم في السلطة ومموّلاً لمصالحهم، حتى لو تعارضت مع المصلحة الوطنية.

في ظلّ هذه الاعتبارات يفتح النقاش من جديد على جدل النصر والهزيمة، وعلى النقاش في جدوى استراتيجية دفاعية فعلية وغير شكلية تستبطن إرادة تفعيل القوة متى لزم الأمر، وتبرز على المستوى السياسي والشعبي حالات الرفض للمقاومة في سياق نفسي يتمحور حول العقل الذي يدير المنطق والرأي، والإرادة التي تعلو على المنطق أو تسير بموازاته.

الجمهورية الإسلامية في إيران تعلن في الأول من آذار/مارس 2026 استشهاد القائد الأمة السيد علي خامنئي في مقر عمله في "بيت القيادة"، إثر العدوان الأميركي الإسرائيلي على البلاد.