في أربعينية قائد الأمة: السيد مجتبى الخامنئي يكتب تاريخ ملحمة الدفاع المقدس الثالث

يذكر السيد الخامنئي في رسالته جملة استثنائية تستحق أن تُقرأ بتمهّل: "تسببت جهالة المستكبرين وحماقتهم في أن يكون شهر آذار من عام 2026 بداية لفصل جديد من بزوغ قوة إيران".

  • الأربعون: حين تُصبح سلاحا رمزيا.
    الأربعون: حين تُصبح سلاحاً رمزياً.

لا يصدر الخطاب العظيم أيام الرخاء، بل في اللحظات التي يُصبح فيها الرثاء منبراً يرسم فيه الخلف معادلات جديدة للعالم الذي ورثه عن السلف. فحين أصدر قائد الثورة الإسلامية في إيران السيد مجتبى الخامنئي رسالته في ذكرى أربعينية رحيل والده قائد الأمة السيد الشهيد علي الخامنئي (قدس)، لم يكن يُبدّد وجعاً خاصاً في متن الأيام، بل كان يُحدّد موقع الجمهورية الإسلامية على خارطة مرحلة واضحة المعالم، ويرسم بلغة النصر المقتدر ما لا تستطيع البيانات الرسمية رسمه بلغة السياسة.

هذا هو جوهر ما يستحق التحليل وليس ما قاله في الرسالة فحسب، وبخاصة بنيتها وتوقيتها واختياره للمفردة على حساب أخرى، وللصورة على حساب ما هو أقل إيحاءً. فالخطاب الرثائي- السياسي الرفيع لا يُقرأ بعين واحدة، بل بعيون متعددة الألوان والتخصص: عين الصحافي التي أتشرف بها، عين اللغوي، عين المحلل، عين القارئ للمشهد الإقليمي، وعين من يعرف كيف تُصنع الروايات في زمن الحروب الكبرى.

الأربعون: حين تُصبح سلاحاً رمزياً

لم يبدأ الخطاب في الرسالة من الصفحة الأولى كما تبدأ النصوص العادية، إنما من "أربعون ليلة ويوماً" وهذا ليس افتتاحاً عابراً؛ إنه استدعاء مُحكم لطبقات رمزية متراكمة في وجدان الحضارة الإسلامية وفي الذاكرة الشيعية تحديداً وبعمق استثنائي.

فالأربعون في التقليد الديني الإسلامي ليست مجرد فترة زمنية، بل هي حدّ فاصل بين ما كان وما سيكون، بين الحزن والموقف، بين الغياب والإعلان عن الاستمرار.

وفي الوجدان الشيعي للأربعين ثقل لا يُضاهيه ثقل وألم: إنها "أربعين" الحسين (عليه السلام)، حين يتحوّل رفع الرأس فوق صاحب المصيبة من فعل عزاء إلى فعل إعلان عن الثورة ضد الظلم والطغيان والجبروت، تجد أن السيد مجتبى الخامنئي تأسى بجده الحسين وأنصاره (عليهم السلام)، واستحضر فاجعة كربلاء بهذا الرقم في أول سطر، فهو لا يُؤرّخ وحسب؛ بل هو يُؤطّر ويخاطب بلسان جدته زينب (عليها السلام): بأن ما ستقرأونه ليس حزناً أو رثاءً من قائد مكلوم، بل هو موقف وعمل.

ثم تجيء الإضافة التي تكشف العمق الكامل للتأطير، وهي المقارنة بزمن غياب سيدنا موسى (عليه السلام)، فالأربعون التي ذهب فيها كليم الله إلى ميقاته وانحرف أصحابه خلفه نحو العجل؛ يستدعي السيد القائد في خطابه هذه اللحظة ليُعلن نقيضها اليوم: هذه المرة لم يُصنع العجل. هذه المرة "صمد أصحاب القائد وأنصار الثورة كالجبال الراسخة" في وجه الاستكبار العالمي، وهذا التعارض بين النموذجين -انحراف أصحاب موسى (عليه السلام) وصمود أصحاب القائد الخامنئي- هو في جوهره فعل تأسيسي يمنح المرحلة شرعية تاريخية دينية لا تُستمد من أي مرسوم أو قانون، بل من أعمق طبقات الذاكرة الإسلامية.

والصحافي أو الكاتب المتأمّل يفهم ما يعنيه هذا المدلول: فأي خطاب يُؤطَّر في سياق ديني تاريخي كهذا؛ يصعب الردّ عليه بلغة سياسية عادية، لأن الردّ عليه يعني المجادلة في الرواية الكبرى، لا في القرار الصغير.

الملحمة بوصفها صياغة: من الحرب المفروضة إلى الدفاع المقدس

ثمة تحوّل مفاهيمي في هذا الخطاب يستحق الوقوف عنده طويلاً؛ فالتسمية في صناعة النصر ليست تفصيلاً أسلوبياً؛ التسمية هي الموقف والإعلان، فحين تُسمّي حدثاً، وتُحدد هويته، وتُحدد بالتبعية موقع قائده، فإنك تستشرف كيفية تذكّره في المستقبل.

وهنا اختار السيد مجتبى الخامنئي تسمية الحرب بملحمة "الدفاع المقدس الثالث" وهذا الاختيار ليس عرضياً، بل هو ذروة ما يُراد قوله استراتيجياً، لأن "الدفاع المقدس" في الذاكرة الجمعية الإيرانية يحمل مداليل مهمة وعميقة في فلسفة الثورة الإسلامية، فحين يقول إن "الشعب حوّل الحرب المفروضة إلى ملحمة للدفاع المقدس الثالث"، فهو يُعيد رواية الحدث من داخله، وهو أن الحرب كانت مفروضة -أي إن الآخر بدأها- وبسبب صمود الشعب ووحدته وتلاحمه، تحوّلت من نكبة إلى ملحمة. والفرق بين النكبة والملحمة ليس في عدد الشهداء والجرحى ولا في مساحة الأرض المدمّرة؛ الفرق في السردية التي تُروى بها. والسردية هنا رُسمت بيد ابن قائد الأمة.

هرمز: حين تُصبح الجغرافيا إعلاناً

لا يمرّ أي محلل للرسالة بجملة "إدارة مضيق هرمز دخلت مرحلة جديدة" من دون توقف مطوّل يستعرض فيه مواقف الجمهورية الإسلامية أثناء العدوان الصهيو-أميركي عليها بخصوص هذا المضيق البحري المهم. فهذه الجملة الأنيقة في قصرها؛ ربما لا تقل ثقلاً عن المضامين الأخرى في سياقات الحديث، لأنها لا تتحدث عن الماضي ولا عن المبدأ؛ تتحدث عن الجغرافيا.

وحين تدخل الجغرافيا في الخطاب السياسي، تُدخل معها المصالح الاقتصادية العالمية، أسعار النفط، توازن الأساطيل والقوى، وهواجس دول المنطقة والعالم التي تعتقد خطأً أن لا ناقة لها في الصراع ولا جمل!، لكن مضيق هرمز-بحكم موقعه يعدّ بوابة لقرابة خُمس النفط المتداوَل في العالم- وهو نقطة ضغط استراتيجية بامتياز.

والقول على لسان السيد الخامنئي بأن إدارته "دخلت مرحلة جديدة" يحمل في طيّاته رسالة مزدوجة: رسالة لواشنطن وشركائها مفادها أن الوضع السابق لن يُستعاد بلا ثمن، ورسالة للأسواق والعواصم الغربية والآسيوية مفادها أن المعادلة التي كانت قائمة قد تغيّرت.

وهذا بحدّ ذاته تهديد مُضمر يُقلق أكثر من أي تهديد صريح. لأن الغموض المحسوب أشدّ إزعاجاً من الوضوح. بمعنى لا أحد يعرف ماذا تعني "المرحلة الجديدة" التي يقصدها السيد الخامنئي بالضبط، وهذا الغموض ربما المُراد منه أن يشغل طاولات القرار في باكستان وواشنطن ولندن وطوكيو وبكين وموسكو على حدّ سواء فضلاً عن اللقيطة النكرة وأخواتها في التطبيع والخذلان.

التعويضات: الفاتورة قبل الحسم

لو كان للخطاب أن يحمل رسالة واحدة لطاولات التفاوض المستقبلية، لكانت جملة التعويضات. فحين تُقرأ هذه الفقرة بعين التحليل، يتبيّن أنها تقوم بوظيفتين في آنٍ واحد: تُسمّي ثمنَ أي تسوية قبل أن تبدأ، وتُحدّد المرجع الأخلاقي لهذا الثمن.

فالتعويضات ليست رقما أو كومة نقود على طاولة مفاوضات، بل هي "ثمن دماء الشهداء" وهذه الصياغة تُدخل الشهادة بوصفها عملة تفاوضية بالنيابة عن أولياء الدم لا أولياء الدبلوماسية الخائنة، وهو ما لا يمكن لأي طرف في المفاوضات أن يُقلّص قيمته بحجة المصالح الاقتصادية أو التوازنات السياسية.

الخليج في مرمى الكلام: الإنذار الناعم الذي لا يُنكر

الرسالة الخليجية في خطاب السيد هي الأكثر دقةً في الصياغة والأشدّ حدّةً في المضمون. فالدعوة إلى "الوقوف في الموضع الصحيح" وترك "وعود الشياطين الكاذبة" لا تحتاج إلى مترجم أو محلل؛ بل هي بيان صريح بأن دول الجوار الجنوبي وفّرت تسهيلات وغضّت الطرف أو سهّلت مرور الضربات، وأن الخطاب يُسجّل هذا الموقف ويُعلن أن المرحلة التي كان فيها التهرب ممكناً قد طُويت.

لكن الجانب الأكثر إثارة للاهتمام من الناحية الإعلامية، هو أن هذه الرسالة صِيغت بلغة النصيحة لا لغة التهديد "الوقوف في الموضع الصحيح" فمن يقرأها في سياقها يعلم أنها تُخفي وراء أدب العبارة صرامةَ الموقف. وهذا التوتر بين نعومة الصياغة وحدّة المضمون هو علامة الخطاب البارع.

البنية الأسلوبية: حين تخدم البلاغة استراتيجية الأهداف

لا يمكن تحليل هذه الرسالة إعلامياً من دون الوقوف عند بنيتها الأسلوبية، لأنها ليست زينة تُضاف إلى المضمون، بل هي جزء عضوي من فاعليتها، وبخاصة في الانتقالات التالية: 

"أربعون ليلة ويوماً" - فيها طعم الحزن الهادئ واستحضار الرمز التاريخي- 

"صمدوا كالجبال الراسخة" -فيها صورة الثبات والاقتدار-

"انصبوا كالحمم البركانية" -فيها طاقة الهجوم المضاد والحارق-

هذا التصاعد الثلاثي ليس صنعةً أسلوبية للإبهار، بل هو مسار عاطفي مُحكم يقود القارئ من الحزن إلى الفخر وألّا يشعر بالانكسار من مشهدية ما يرى ويسمع، بل بالانتماء إلى حادثة كبرى تصنع له عزة وكرامة.

كذلك تستدعي الرسالة الوقوف عند ثنائية "الرثاء والرجز" وهي من أبلغ ما في الخطاب. فالرثاء هو فنّ الحزن الشعري، والرجز هو إيقاع المعركة وبحر الحماسة في الشعر العربي الكلاسيكي. والقول إن الشعب "صنع من الرثاء رجزاً" هو أنيق في الاختصار لكل ما يريد الخطيب قوله ضمناً: إن ما بدأ مصاباً انتهى ملحمة، وإن الطاقة التي كان يمكن أن تُهدَر في البكاء حُوّلت إلى وقود للمواجهة.

آذار 2026: توقيت الإعلان وما يحمله

يذكر السيد الخامنئي في رسالته جملة استثنائية تستحق أن تُقرأ بتمهّل: "تسببت جهالة المستكبرين وحماقتهم في أن يكون شهر آذار من عام 2026 بداية لفصل جديد من بزوغ قوة إيران".

إنّ هذه الجملة تقوم باستحضار عمل تاريخي؛ إذ تحوّل فيه شهراً بعينه إلى علامة فارقة في السردية الحضارية الكبرى لبلاد فارس. وهذا ما تفعله السرديات الكبرى دائماً عندما تُحدد نقطة الانعطاف لكي تقيس عليها ما قبلها وما بعدها.

لكن ما استوقفني حقيقة في هذه الجملة الاعتراضية داخل الرسالة وأود الختام به؛ هو أن السيد مجتبى الخامنئي لم يجعل الخصم هو المسؤول عن الحرب فحسب؛ بل عن تبعاتها التي أفضت إلى صعود إيران. بمعنى؛ لو لم يُخطئ المستكبرون في "ملحمة الدفاع المقدس الثالث"، لما أُتيح لإيران أن تكتب ميلاداً خالداً لجمهوريتها الإسلامية.

الجمهورية الإسلامية في إيران تعلن في الأول من آذار/مارس 2026 استشهاد القائد الأمة السيد علي خامنئي في مقر عمله في "بيت القيادة"، إثر العدوان الأميركي الإسرائيلي على البلاد.