غرب آسيا بعد الحرب: من التمزيق إلى النظام الإقليمي الجامع؟

التاريخ يعلّمنا أنّ الفرص لا تضيع فقط عندما يفشل الناس في اغتنامها، بل عندما يفشلون في تخيّلها. تخيّلُ نظام إقليمي جديد في غرب آسيا ليس حلماً، بل ضرورة وجودية.

  • الإطار العام: من
    الإطار العامّ: من "إسرائيل الكبرى" إلى "الشرق الأوسط الكبير" المحلي.

بعد أن استعرضنا في المقالات الأربعة السابقة روح الشعوب الأساسية المكوّنة لأركان غرب آسيا (إيران، تركيا، مصر، الكرد)، نصل اليوم إلى السؤال الأكبر: كيف يمكن بناء مشروع ثقافي مشترك يجمع هذه الشعوب تحت مظلة جامعة، في ظلّ النظام الإقليمي الجديد الذي بدأت ملامحه تتشكّل بعد الحرب التي هزّت المنطقة؟ وكيف يمكن تجاوز إرث التقسيم الاستعماري الذي فكّك المنطقة بعد الحرب العالمية الأولى، واستبداله بنظام يقوم على حقائق الجغرافيا المتداخلة والتاريخ المشترك والمصير الواحد؟

الإطار العامّ: من "إسرائيل الكبرى" إلى "الشرق الأوسط الكبير" المحلي

ما يجمع شعوب غرب آسيا الأربعة (الفرس، الأتراك، العرب، الكرد) هو أنهم جميعاً يواجهون مشروعين وجوديين متناقضين مع مصالحهم:

الأول: مشروع "إسرائيل الكبرى" – المشروع التوسّعي الصهيوني الذي يهدف إلى الهيمنة على المنطقة "من الفرات إلى النيل"، وهو مشروع مناقض وجودياً لهذه الشعوب، لأنه يقوم على إقصائهم وتهميشهم وتهجيرهم إذا لم نقل استخدامهم واستعبادهم.

الثاني: المشروع الغربي – الذي فكّك المنطقة بعد الحرب العالمية الأولى، وأقام دولاً مصطنعة على أنقاض الإمبراطورية العثمانية، وزرع بذور الصراعات الدائمة (فلسطين، الكرد، الطائفية).

مع بدء ملامح انحسار المشروع الغربي بعد هزيمة الولايات المتحدة و"إسرائيل" في الحرب الأخيرة حتى الآن، ومع تقويض مشروع "إسرائيل الكبرى"، تظهر فرصة تاريخية لبناء نظام إقليمي جديد يقوم على أسس مختلفة: التعاون بدلاً من الصراع، والتكامل بدلاً من التفتيت، والمصير المشترك بدلاً من الهيمنة الخارجية.

هذا المشروع يمكن تسميته بـ "المشرق الكبير" (بالتأكيد ليس الغربي)، أي نظام إقليمي تصنعه شعوب المنطقة بنفسها، لا تفرضه عليها قوى خارجية.

القاعدة الأساسية: جغرافيا متداخلة لا تعرف حدوداً إثنية فاصلة

من أكبر جرائم التقسيم الاستعماري بعد الحرب العالمية الأولى أنه رسم حدوداً فاصلة بين شعوب كانت تعيش معاً لقرون ولآلاف السنين، بلاد الشام (سوريا، لبنان، فلسطين، الأردن) والرافدين (العراق) هما نموذجان صارخان على هذه الجريمة.

بلاد الشام: كانت وحدة جغرافية وثقافية واقتصادية لآلاف السنين. التقسيم الاستعماري إلى أربع دول (سوريا، لبنان، الأردن، فلسطين) لم يأخذ في الاعتبار التماهي السكاني، بل خلق كيانات هشّة من السهل السيطرة عليها.

بلاد الرافدين: العراق كان وحدة جغرافية وتاريخية (بلاد ما بين النهرين)، لكنّ التقسيم الاستعماري وضع فيه ثلاث قوميات، هي (عرب سنة، عرب شيعة، كرد) في صراع دائم.

هذه الحدود المصطنعة لم تمنع التماهي الشعبي. فالعائلات السورية واللبنانية والفلسطينية والأردنية متشابكة، والحركة التجارية والثقافية بين هذه الدول لم تتوقّف رغم الحدود. الكرد موزّعون بين أربع دول لكنهم شعب واحد. العرب موزّعون بين عدة دول لكن تجمعهم اللغة والدين والتاريخ.

القاعدة الأساسية لأيّ مشروع إقليمي جديد يجب أن تكون: احترام هذه الجغرافيا المتداخلة ديموغرافياََ، والعمل على تسهيل حركة الناس والبضائع والأفكار عبر الحدود، بدلاً من تشديدها. الحدود يجب أن تكون جسوراً لا جدراناً.

أين تكمن المشكلة؟ غياب الرؤية الجامعة

رغم أنّ شعوب المنطقة تمتلك كلّ مقوّمات الوحدة (جغرافيا متداخلة، تاريخ مشترك، ثقافات متقاربة، دين واحد للأغلبية، ومصير مشترك في مواجهة التحدّيات)، إلا أنها تفتقد إلى رؤية جامعة تحوّل هذه المقوّمات إلى مشروع سياسي قابل للتحقيق.

هناك عدة أسباب لهذا الغياب:

1. النظم السياسية القطرية: الأنظمة الحاكمة في الدول العربية (وتركيا وإيران) تبني شرعيّتها على "السيادة الوطنية" و"الاستقلال القطري"، وأيّ مشروع إقليمي جامع يُنظر إليه كتهديد لهذه السيادة.

2. الصراعات الإقليمية: التنافس بين إيران وتركيا والسعودية ومصر على النفوذ يمنع بناء مشروع جامع، لأنّ كلّ طرف يخشى أن يكون المشروع تحت قيادة الطرف الآخر.

3. الإرث الاستعماري: حدود سايكس-بيكو لا تزال حاضرة في الوعي السياسي، وتقسيم المنطقة إلى "دول" صغيرة خلق نخباً سياسية مصالحها مرتبطة بهذا التقسيم.

4. العامل "الإسرائيلي": على الرغم من كونه مشروعاََ وظيفياََ لاستمرار الهيمنة الغربية، إلا أنه يعمل على استقلاليته عنها كضمانة للبقاء، وهو الأخطر بمشروعه التوسّعي، إضافة إلى نجاحه بالتغلغل داخل مراكز القرار للكثير من الدول، بل بعض الشعوب، وتحوّله إلى رهان لتحقيق الطموحات السياسية.

العناصر الخمسة لمشروع ثقافي جامع

إذا أردنا بناء مشروع ثقافي مشترك يمكن أن يشكّل مظلة جامعة لشعوب غرب آسيا، فلا بدّ أن يقوم على خمسة عناصر:

أولاً: اللغة والثقافة المشتركة

العربية هي اللغة الأم لأكثر من 300 مليون شخص في المنطقة، وهي لغة القرآن والدين والحضارة. لكنّ التركية والفارسية والكردية أيضاً لغات حيّة. المشروع الجامع لا يمكن أن يقوم على لغة واحدة تهمّش الأخرى، البديل هو التعدّد اللغوي المقبول، مع تعزيز تعلّم اللغة العربية كلغة ثانية في إيران وتركيا (كما يتعلّم الأتراك والفرس الألمانية والإنكليزية)، وتعزيز تعلّم التركية والفارسية في الدول العربية. التبادل الثقافي والإعلامي والأكاديمي يمكن أن يخلق فضاءً ثقافياً مشتركاً.

ثانياً: الدين كقيمة جامعة لا حصرية

الإسلام هو دين الغالبية العظمى من شعوب المنطقة (سنة وشيعة). لكنّ المسيحيين (في مصر ولبنان وسوريا وفلسطين والأردن والعراق) والإيزيديين (في العراق) والعلويين (في تركيا) هم جزء لا يتجزّأ من النسيج الاجتماعي. المشروع الجامع يجب أن يقوم على مبدأ المواطنة المتساوية داخل كلّ دولة بغضّ النظر عن الدين، مع الاعتراف بالإسلام كقيمة ثقافية جامعة، لا كأيديولوجيا سياسية حصرية.

ثالثاً: التاريخ المشترك

قبل الاستعمار، كانت المنطقة وحدة واحدة: الخلافة الإسلامية، ثمّ الإمبراطورية العثمانية، ثمّ تفاعلات ثقافية واقتصادية لم تتوقّف رغم الحدود. استعادة الوعي بهذا التاريخ المشترك يمكن أن تكون أساساً لبناء المستقبل. هذا لا يعني العودة إلى الماضي، بل استلهام روحه في بناء مستقبل مختلف.

رابعاً: المصالح الاقتصادية المتكاملة

المشاريع الاقتصادية المشتركة (مثل ممرات النقل، أسواق الطاقة، التكامل الصناعي، حرية حركة البضائع والأشخاص) يمكن أن تخلق مصالح مشتركة تتجاوز الخلافات السياسية. منطقة تجارة حرّة بين دول غرب آسيا (من إيران إلى مصر) يمكن أن تحقّق ازدهاراً للجميع، وتخلق "شبكة أمان" اقتصادية تجعل الحرب أقلّ احتمالاً.

خامساً: الأمن الجماعي

بدلاً من التحالفات العسكرية مع قوى خارجية (مثل الناتو، أو القواعد الأميركية)، يمكن بناء نظام أمن إقليمي يقوم على مبدأ "أمن الجميع من مسؤولية الجميع". هذا النظام يمكن أن يشمل تنسيقاً أمنياً واستخباراتياً لمواجهة التهديدات المشتركة (الإرهاب، الجريمة المنظّمة، الهجرة غير الشرعية، الأمن المائي).

بلاد الشام والرافدين: ساحة اللقاء الطبيعية

إذا كان هناك مكان يمكن أن يكون نموذجاً للمشروع الإقليمي الجديد، فهو بلاد الشام والرافدين. فهذه المنطقة تمثّل:

· التقاء جغرافياً: حيث تلتقي حدود سوريا والعراق وتركيا وإيران والأردن وفلسطين ولبنان.

· التقاء بشرياً: حيث تعيش شعوب من العرب والكرد والتركمان والكلدان والآشوريين واليزيديين والفرس.

· التقاء مذهبياً: حيث يلتقي السنة والشيعة والعلويون.

· التقاء اقتصادياً: حيث تلتقي طرق التجارة والطاقة والمياه.

فشل المشروع الغربي في هذه المنطقة (من سايكس-بيكو إلى الحرب على العراق إلى داعش) يثبت أنّ الحلول الخارجية لا تعمل. الحلّ يجب أن يأتي من الداخل: نظام إقليمي يقوم على اللامركزية، حيث تحصل كلّ منطقة على قدر من الحكم الذاتي، مع بقاء إطار وحدويّ جامع.

من يتولّى قيادة هذا المشروع؟

السؤال الأصعب: من يمكن أن يكون راعي هذا المشروع الجامع؟

· مصر لديها الثقل الديموغرافي والثقافي، وهي "أم الدنيا" في الوجدان العربي، لكنها تعاني أزمات اقتصادية.

· تركيا لديها القوة الاقتصادية والعسكرية، لكنها تواجه تحدّيات مع العرب والكرد، وعلاقتها مع إيران متأرجحة بين التنسيق العالي وهواجس النفوذ.

· إيران لديها القوة الجيوسياسية والإرادة السياسية، لكنها تواجه عداءً عربياً (خاصة من الخليج)  بدأ بالتحوّل بعد نشوب الحرب، ونجاحها حتى الآن بكسر العدوان الأميركي الإسرائيلي.

· السعودية لديها الثقل الديني والمالي، لكنها تفتقر إلى القوة العسكرية والثقافية اللازمة لقيادة مشروع إقليمي.

ربما الحلّ ليس في قائد واحد، بل في قيادة جماعية (رباعية أو خماسية) تتولى رعاية المشروع. هذه القيادة يمكن أن تضمّ مصر وتركيا وإيران والسعودية، مع مشاركة كردية فاعلة انطلاقاََ من فعّالية الكرد في الدول الموجودين فيها.

هذا النموذج (القيادة الجماعية) قد يكون أكثر واقعية من نموذج "الزعيم الأوحد"، لأنه يضمن توازن المصالح ويقلل مخاطر الهيمنة.

كيف نبدأ؟ خطوات عملية

تحويل هذا المشروع من فكرة إلى واقع يتطلّب خطوات عملية:

1. حوار إقليمي شامل: دعوة كلّ الأطراف من (دول وحكومات ومجتمع مدني وأحزاب سياسية) إلى طاولة حوار لوضع رؤية مشتركة.

2. اتفاقيات ثنائية ومتعدّدة الأطراف: البدء باتفاقيات اقتصادية وأمنية وثقافية بين دولتين أو ثلاث، ثم توسيعها.

3. مشاريع رمزية: إطلاق مشاريع تعكس الروح الجديدة (مثل قطار سريع يربط إسطنبول بطهران وبغداد والقاهرة، أو جامعة إقليمية، أو شبكة تلفزيونية مشتركة).

4. إعلام مشترك: إنشاء قنوات إعلامية تتجاوز الخطاب القومي الضيّق إلى خطاب إقليمي جامع.

5. تبادل ثقافي وأكاديمي: تشجيع الطلاب والأكاديميين على الدراسة والتدريس في دول المنطقة، وليس فقط في الغرب.

الخلاصة: الفرصة التاريخية لا تضيع مرتين

غرب آسيا يمرّ بلحظة تاريخية نادرة. الحرب الأخيرة التي هزّت المنطقة لم تحقّق أهدافها (إسقاط النظام الإيراني، تفكيك محور المقاومة، ترسيخ هيمنة إسرائيل). بدلاً من ذلك، أظهرت حدود القوة الغربية، وقدرة شعوب المنطقة على الصمود، وحاجتها الملحة إلى نظام إقليمي بديل، يملأ الفراغ المقبل من جرّاء انكسار المشروع الأميركي الإسرائيلي.

السؤال: هل ستغتنم شعوب المنطقة هذه الفرصة لبناء مستقبلها بنفسها، أم ستنتظر حتى يعيد الغرب ترتيب أوراقه ويعود ليفرض هيمنته من جديد؟

التاريخ يعلّمنا أنّ الفرص لا تضيع فقط عندما يفشل الناس في اغتنامها، بل عندما يفشلون في تخيّلها. فتخيُّل نظام إقليمي جديد في غرب آسيا ليس حلماً، بل ضرورة وجودية. فإما أن نبني مستقبلنا بأنفسنا، أو سيبنيه غيرنا لنا.

نحن شعوب غرب آسيا، بتاريخنا المشترك وجغرافيتنا المتداخلة ومصيرنا الواحد، قادرون على بناء نظامنا الإقليمي الجديد. فإما أن نكون معاً بتغييب كلّي للكيان، أو نكون مع العدم ببقائه.

الجمهورية الإسلامية في إيران تعلن في الأول من آذار/مارس 2026 استشهاد القائد الأمة السيد علي خامنئي في مقر عمله في "بيت القيادة"، إثر العدوان الأميركي الإسرائيلي على البلاد.