خطاب النصر
لم يكن خطاب المرشد الإيراني الجديد خطاباً عادياً، ولا من باب العزاء والخداع والإنكار كما خطابات ترامب، بل كان خطاب النصر بدلالات سقفه العالي ونبرته الواثقة المستمدة من نتائج وتداعيات الميدان في أصفهان وغيرها.
-
لم يكن خطاب المرشد الإيراني الجديد خطاباً عادياً.
رغم التهديدات المتواصلة من تحالف واشنطن – الكيان الصهيوني وما يمثّله في المنظومة الإمبريالية العالمية، فقد انتهت الوتيرة العليا لهذا العدوان، ولم تعد أية رسائل أخرى متوقّعة بالنار ذات أهمية استراتيجية قياساً بما آلت إليه الحرب على إيران والمحور، فيما يخصّ الهارت لاند الجنوبي الذي لم يعد محتكراً من قبل واشنطن والرأسمالية عموماً.
بالتأكيد، فإنّ القوى والدول التي ارتضت لنفسها أن تكون ساحات أو محميات للمعسكر الرأسمالي أو لم تدافع عن استقلالها في وجه القناصل الإمبرياليين، ستكون عرضة لمآلات غامضة بهذا الشكل أو ذاك وبرسم خرائط جغرافية وديموغرافية جديدة.
كانت حرب واشنطن ومعها العدو الصهيوني أكبر وأوسع وأكثر تعقيداً مما يقال حول المشروع النووي الإيراني، فالإمبريالية عموماً والأميركية خصوصاً تعيش أزمة بنيوية عميقة مرتبطة بالثورة المعلوماتية وتضخّم الرأس التقني – الدولاري للإمبريالية على حساب بنيتها الصناعية، التي انتقلت إلى الصين والدول التي كانت توصف بالمتوسطة التطوّر.
ما غاب عن ترامب وفريقه تداعيات الهرب إلى الحرب التي حذّر منها الاستراتيجي الأميركي، بول كينيدي: "التداعيات الخطرة لحرب طويلة للإمبراطوريات البحرية خارج الأسوار"، والتي كانت تأخذ معها في كلّ مرة النادي الرأسمالي برمّته لتفسح المجال أمام شكل دولي جديد، ومن المؤكّد هنا أنّ غالبية أوروبا الرأسمالية الشائخة وانعكاسات حرب الطاقة عليها ستكون بين الخاسرين الكبار، أما الصين فسيكون عليها مراجعة هذه الدرجة من العولمة، وإن كانت اتفاقيات التبادل بالعملة المحلية مع معظم مزوّديها بالطاقة ستجنّبها تداعيات الخراب التي ستطال البقيّة.
ربطاً باختيار الإمبريالية الأميركية الهرب إلى العدوان المذكور ومحاولة السيطرة على الهارت لاند الجنوبي لتطويق الهارت لاند الأوراسي وتطويق طريق الحرير والحزام الصيني، فلم تكن حساباتها موضوعية البتة وكان اصطدامها مع إيران وبالاً عليها كما كان صدام سابقتها البريطانية مع جمال عبد الناصر في خمسينيات القرن الماضي.
إلى ذلك، وبهذا المعنى لم يكن خطاب المرشد الإيراني الجديد خطاباً عادياً، ولا من باب العزاء والخداع والإنكار كما خطابات ترامب، بل كان خطاب النصر بدلالات سقفه العالي ونبرته الواثقة المستمدة من نتائج وتداعيات الميدان في أصفهان وغيرها، مقابل الخراب الذي أحدثه القصف الأميركي والصهيوني الهمجي للبنى التحتية المدنية، وبالمثل خطاب الشيخ نعيم قاسم الأمين العامّ لحزب الله المستمد من الوقائع الميدانية في بنت جبيل والطيبة والخيام وغيرها من ساحات الوغى الحقيقية على امتداد الجنوب اللبناني العظيم.
من المفهوم أنّ لكلّ حرب تداعياتها ومخرجاتها وزوابعها وتسوياتها وكواليسها أيضاً، مثل ما يشاع عن تفاهمات ما في العراق، مقابل تحوّل كبير جداً واستراتيجي بما يخصّ الخليج وإلحاقه ضمن هذه التفاهمات، وهو الذي ظلّ لوقت طويل منطقة نفوذ إمبريالية خالصة، للإمبريالية البريطانية ثم الأميركية.
فمنذ اليوم فصاعداً وسواء على نحو علني أو غير علني دخل الخليج دائرة التفاهمات الثنائية الأميركية الإيرانية، وصارت طهران شريكاً أساسياً في كلّ ما يتعلّق بمستقبل وسياسات النفط والغاز والمرور البري والعابر للسفن الكبيرة والصغيرة على حدّ سواء، ولم تعد مجاميع استخباراتية لوجستية أميركية أو بريطانية أو صهيونية قادرة على اللعب في الخليج من طابق في أيّ مبنى كان، فذلك زمان ولّى وتلك لحظة جديدة على طريق إمام الزمان الجديد.
والأهمّ في كلّ ما سبق أنّ العالم والشرق الأوسط دخل مرحلة غير مسبوقة بخسارة الإمبرياليين لقواعد الصراع على الهارت لاند الجنوبي بدخول إيران كلاعب دولي على هذا الهارت، وربطه بالهارت لاند الشمالي الأوراسي الروسي، وبالمثل لم تعد حرب الموانئ مرهونة بشركات محدّدة بينها الشركات الصهيونية في ميناء حيفا المحتل وموانئ نفطية أخرى، وتبعاً لذلك فإنّ مشروع طريق الهند (طريق التوابل والبخور الجديد) لن يكون سالكاً تماماً وعليه إعادة الاعتبار مجدّدا لتفاهمات مع طريق الحرير والحزام الصيني.
انقلاب استراتيجي على مستوى العالم يذكّرنا بمناخات يالطا بعيد الحرب العالمية الثانية بين الثلاثة الكبار، تشرشل البريطاني وستالين السوفياتي وروزفلت الأميركي، ولو استحضرنا المشهد السابق اليوم لكان اللقاء رباعياً بإضافة المرشد الإيراني إلى جانب رؤساء الولايات المتحدة الأميركية والصين وروسيا.
صحيح أنّ المشهد الثلاثي، واليوم الرباعي، مشهد للقوة من دون الأمم والشعوب الأخرى في الشرق الأوسط ولا سيما العرب الذين غابوا مع غياب القاهرة وعبد الناصر، فلا مكان للغائبين والذين غيّبوا أنفسهم بالرضوخ للمتروبولات الرأسمالية واليهودية العالمية وحكومتها التي لم تعد سرية في البلدربيرغ، ولكنّ الفرق المتاح إلى أن ينهض العرب وتستعيد القاهرة مجدها، هو القول الشهير للورد بالمرستون: "الثابت هو المصالح وليس الصداقات أو الخصومات".
فالمصالح لا تتحدّد بالمطلق بل بالتقاطعات أساساً التي تتحدّد بدورها بالمشتركات وبالطبيعة الاجتماعية السياسية للقوى الفاعلة وقانون التناقضات الذي يحكمها، ومن المفهوم أنه رغم الخلفيّات الكريهة عند البعض فإنّ إيران كما روسيا والصين غير المتروبولات الإمبريالية وتوابعها.
فإيران اليوم كما كانت سابقاً وهي تتحرّك مثل دولة إقليمية بآفاق وحسابات الدول الكبرى والمجالات الحيوية، تدرك أيضاً تاريخ الإقليم وحساسياته، ومن مصلحتها أن تحوّل هذا الحضور إلى تقاطعات موضوعية مع هذا الإقليم وقواه المختلفة، ولا سيما أنها بخلاف تركيا مثلاً لا تقوم على اقتصاد السوق المتشابك مع السوق الرأسمالي، بل وفق قواعد تشبه الحالة الروسية التي لا تنافس أحداً على الأسواق باستثناء الطاقة والأسلحة.
إنّ اقتصاد اللوجستيك الروسي ممثّلاً بعناصر ومكامن القوة الأوراسية يشبه الحالة الإيرانية التي لم تؤسّس نفسها كإمبريالية إقليمية (بنوك إقراض واستثمار وصراع على الأسواق) كما تركيا والمكسيك.. إلخ، فلقد كانت الجغرافيا السياسية الإيرانية كما الجغرافيا الأوراسية هي مفتاح إيران إلى الشرق الأوسط والعالم، وهو ما يسمح للعرب بتحويل المصالح إلى تقاطعات مشتركة تحسب من زاوية مدخلات ومخرجات الهارت لاند الجنوبي وليس أسواقه المباشرة، بل إنّ العرب بالحدّ الأدنى من الاستقلال وإذا ما استعادت القاهرة دورها التاريخي، يمكنهم توظيف الإنجاز الإيراني لصالحهم ما داموا يسيطرون على المنافذ البحرية والبرية الأساسية لهذا الهارت لاند، أي أنّ النصر الإيراني متاح جداً لاستفادة العرب وتوظيفهم له.
هذا عن إيران القوة الأساسية في المحور المنتصر، أما الطرف الآخر غير الحكومي، وهو حزب الله، فلعله مع حركة المقاومة في غزة وطوفانها المجيد حالة غير مسبوقة في تاريخ حركات المقاومة، من حيث هذه الطاقة الاستثنائية لإرادة القتال والكرامة والبطولة، ومن حيث الاستعدادات الميدانية في رقعة قصيرة أمام واحدة من أعتى القوى المتطوّرة الهمجيّة المسلّحة بأحدث التقنيات الجوية والبرية في تاريخ الحروب والجيوش.
لنتذكّر دائماً كيف سقطت دول كبرى وبمساحاتها الواسعة وقدراتها الكبيرة في غضون فترة قصيرة مثل فرنسا ونصف أوروبا خلال الحرب العالمية الثانية، ولنتذكّر أيضاً حزيران 1967 حتى ندرك أهمية ما فعله حزب الله وأبطال الطوفان العظيم في غزة.
من الزاوية السياسية اعتقد كثيرون بعد العدوان السابق أنّ حزب الله أصبح نسياً منسياً وبإمكان القوى اللبنانية المتناثرة بين القناصل الأجانب ومحميات النفط والغاز المسال، أن ترفع عقيرتها لاستحضار اتفاق 17 أيار مع العدو الصهيوني واختصار لبنان في الكازينو البحري، وإعادة جبل عامل وفلّاحيه إلى ما كانوا عليه زمن الإقطاع ورأسمالية الريجي والاستيلاء على ثرواته القديمة والجديدة مثل النفط والغاز في الساحل المقابل له، مقابل منح العدو حقّ السيطرة على مياه الليطاني شمالاً وجنوباً وضمّها إلى حوض شبعا وحوض الجولان الذي صار تحت يد العدو بعد تسليم سوريا للجولاني.
وثمّة ما يقال عن مسوّدات عديدة لتغيير قانون الانتخابات للالتفاف على الحالة الديموغرافية الناجمة أيضاً عن معدل الولادات الأعلى في الجنوب والضاحية والبقاع مقابل الجماعات (الارستقراطية)، لكنّ طوفان حزب الله ومقاتليه الكربلائيين كان غامراً وبطولياً وجعل من كلّ قرية جنوبية بل من كلّ شبر في الطيبة وبنت جبيل وملعبها الخالد خلود روح القائد الإمام الكبير الشهيد، حسن نصر الله، مقابر للغزاة الصهاينة ومن ثمّ لمسوّدات قانون الانتخاب العنصري وما تبقّى من أوراق 17 أيار الجديد.