عقدة لبنان بعد إيران.. الرهانات المستعصية والمخارج المحتملة (2)
هل ستتمكّن "إسرائيل" من "فصل الجبهات" قسراً، فتستمر حربها على لبنان بعد انتهاء حربها على إيران كما تعهّدت لجمهورها، أم تمنع "وحدة الساحات" ذلك وتفرض نهاية متزامنة بشروطها؟
-
التحولات الإستراتيجية في اليوم التالي للحرب على إيران.
يبقى السؤال مفتوحاً على صعوبته. الإجابة ليست محسومة، والوعود الإسرائيلية تتوقّف على ما سوف يحصل على مختلف الجبهات بدءاً من الأسبوع الحالي أكثر من ارتباطها بما حصل حتى الآن. تعكس المؤشّرات، بعد ما يزيد من الشهر على بداية الحرب، ترويض السقوف العالية التي امتطاها القادة الإسرائيليون في المرحلة السابقة بخصوص جبهة لبنان.
تلاشت تدريجياً نبرة الثقة التي أوحت بأنّ نزع سلاح حزب الله بات حتمياً، لكن لم ينسحب ذلك على التصريحات الحازمة بخصوص استمرار الحرب على لبنان لوقت طويل، حتى بعد توقّفها على جبهة إيران.
رسائل لطمأنة الداخل وتهديد الخارج
بهذا النفس الجازم والحازم تتحدّث صحيفة "معاريف" العبرية في 25 آذار/مارس. هل السبب أنّ هناك في "إسرائيل" من يعلم بأنّ بعض التقارير سوف يجد طريقه إلى الإعلام العربي واللبناني ويقدّم وجبة دسمة في خدمة التهويل؟ أم أنّ التقرير موجّه أكثر إلى الداخل الإسرائيلي لتخفيف القلق؟
في تقريرها تؤكّد الصحيفة أنه "بدأ يتضح لقادة حزب الله أنّ عليهم البدء في إعادة حساب مسارهم"، لافتة إلى أنه "في إسرائيل يرصدون ضغوطاً متزايدة داخل حزب الله، الذي يدرك أنه ورجاله في لبنان قد يجدون أنفسهم خلال أيام وحيدين".
وأشارت إلى أنّ "الخوف الأكبر حالياً لدى نعيم قاسم هو أن تتوصّل إيران إلى اتفاق مع الأميركيين لوقف القتال، لكنها ستترك لإسرائيل خيار الاستمرار في عملية القتال في لبنان". وذكرت أنّ "الجيش الإسرائيلي لا ينوي إعادة السكان الشيعة إلى جنوب لبنان، وهذا يعني ثقلاً كبيراً جداً على كاهل حزب الله، وليس أقلّ من ذلك على الحكومة اللبنانية".
المنطقة الاقتصادية لم يجفّ حبرها بعد
السقوف العالية التي يعكسها الإعلام الإسرائيلي في حرب نفسية يصعب إغفالها تواكبها على الأرض حرب نفسية من نوع آخر. حديثاً عرض الإعلام الإسرائيلي مشاهد تفجيرات ضخمة في منطقة اللبونة وفي أحياء متفرقة من عدة مناطق جنوبية، ترجمت وعود قادة ومسؤولين إسرائيليين منهم وزير الأمن بمحو القرى المحاذية للحدود. لكن هل هذا الأمر جديد؟
هذه القرى جرى محوها أصلاً على الورق وفي التفاهمات التي سبق أن عبّر عن بعض جوانبها علناً وبشكل موثّق المبعوث الأميركي توم برّاك إضافة إلى بنيامين نتنياهو عندما تحدّثا عن منطقة اقتصادية بمحاذاة الحدود تمتد من الناقورة حتى تخوم جبل الشيخ. لم يكن ذلك سوى تعبير مضمر عن قرار اجتثاث تلك القرى وإقامة منطقة آمنة. اليوم يتحدّث المسؤولون الإسرائيليون من باب التهويل كأنّ عملية هدم المنازل والأحياء في القرى الحدودية تجري عقاباً على جرأة حزب الله، فيما هي قرار متخذ مسبقاً بحيث جرى الاتفاق على المخطط وكان تنفيذه سيتمّ آجلاً تحت لافتات وعناوين يُعوّل على قابليتها للهضم والتسويق.
من بين عشرات التقارير التي وردت حول ذلك ذكرت صحيفة "النهار" اللبنانية بتاريخ الأول من أيلول/سبتمبر 2025 أنّ إقامة "منطقة اقتصادية" في البلدات الحدودية في الجنوب جرى الحديث عنها خلال زيارة الوفد الأميركي إلى بيروت التي سبقت تاريخ نشر التقرير مباشرة. وأشار التقرير إلى أنّ "المنطقة" المخطط إقامتها ستقتطع أراضي 27 بلدة جنوبية.
وتمّ طرح هذا الاقتراح وفق الصحيفة أمام رئيس الجمهورية جوزاف عون. وفي تفاصيل هذه "المنطقة" الاقتصادية أنها ستحمل اسم دونالد ترامب على غرار "طريق ترامب للسلام والازدهار" بين أرمينيا وأذربيجان، وستكون بإدارة أمنية أميركية لكن يحقّ لـ "إسرائيل" إقامة عشرات أعمدة المراقبة على طول الحدود لطمأنة المستوطنين في الشمال مع إعطاء الحرية لـ "جيش" الاحتلال بالدخول إليها عند الضرورة، على عكس السلطات الأمنية والسيادية اللبنانية التي سوف تكون ممنوعة من دخول المنطقة، وفق التقرير الذي أوردته "النهار".
لبنان ساحة مركزية
بالعودة إلى السؤال الأساسي الذي يحمل عنوان هذه السلسلة، هناك جواب قدّمه الرئيس الأميركي حول احتمال استمرار "إسرائيل" في الحرب بعد توقّف أميركا. يقول في تصريح لمجلة "التايم" قبل بضعة أيام ما يلي: "سيتوقّفون عندما أقول لهم توقّفوا. سيتوقّفون ما لم يُجبروا على ذلك، وفي هذه الحالة لن يكون أمامهم خيار. لكنهم سيتوقّفون عندما أتوقّف أنا".
ما ليس واضحاً في التصريح الآنف هو الموقف حيال استمرار "إسرائيل" في جبهة لبنان وما هو المقصود من عبارة "ما لم يُجبروا على ذلك". في التقدير السياسي، لم تعد تصريحات ترامب المتذبذبة والمتقلّبة تشكّل أرضاً صلبة للبناء عليها، على عكس مواقف وآراء نخبة من المسؤولين السابقين داخل أميركا و "إسرائيل".
المدير السابق للمركز الوطني الأميركي لمكافحة الإرهاب جو كينت الذي استقال من منصبه منتصف الشهر الماضي احتجاجاً على الحرب الجارية ضد إيران، والذي أوضح في نص استقالته أنّ بلاده بدأت الحرب تحت ضغط "إسرائيل" واللوبي النافذ لها، عقّب على خطاب ترامب الأخير الموجّه للأمة الأميركية حول إيران بالقول إنّ الهدف من هذا الخطاب "كان إظهار قدرتنا على إعلان النصر متى شئنا".
لكن في ما له علاقة مباشرة بالإشكالية التي نحن بصددها، أوضح أنّ هذا "النصر لن يتحقّق إلا إذا كبح ترامب جماح إسرائيل فهي بحاجة إلى التزامنا لأجل غير مسمّى بينما نسعى إلى إنهاء الحرب سريعاً".
ماذا يُفهم من هذا الكلام؟ وإلى أيّ مدى يقوّض تصريح ترامب آنف الذكر؟ يعيد هذا الأمر السؤال المركزي إلى الواجهة: من يقود من؟ ومن هنا لا تنتهي الأسئلة:
متى وكيف تنتهي الحرب على إيران؟ هل ينسحب ترامب ويترك نتنياهو وحده إذا أصرّ الأخير على استمرار الحرب على لبنان كما تعهّد للجمهور الإسرائيلي؟
ما يمكن تأكيده هو أنّ جبهة لبنان ليست مجرّد ملحق للحرب على إيران، بل هي ساحة مركزية للحسم. ينقل الإعلام الإسرائيلي عن اللواء احتياط غيورا آيلاند السبت الماضي قوله إذا لم يتمّ التوصّل إلى اتفاق وبقيت "إسرائيل" وحدها في المواجهة وتعرّضت للصواريخ لأشهر فإنّ وضعها سيكون صعباً جداً، ويؤكّد أنّ "إسرائيل" في مأزق على الجبهتين الإيرانية واللبنانية.
يشير موقع "ذا كونفرسيشن" في هذا السياق إلى أنه "مع تضاؤل فرص تحقيق نصر عسكري، سيحتاج ترامب إلى التحوّل نحو حلّ دبلوماسي وإجبار نتنياهو على الامتثال".
يفسّر هذا الأمر اللهجة الصارمة التي تتحدّث فيها هيئة الأركان العامّة الإيرانية عندما تحذّر الولايات المتحدة والكيان الصهيوني بأنّ إيران هي المنتصرة في الميدان وأنّ المنتصر هو من يضع شروط إنهاء الحرب.
ماذا قالوا؟
تلحظ وكالة رويترز في تقرير نشرته بتاريخ 2 نيسان/أبريل الماضي وجود تناقض بين الأهداف الاستراتيجية للولايات المتحدة و"إسرائيل"، وترى أنّ صمود الحكومة والجيش الإيرانيين أدى إلى فقدان الولايات المتحدة و"إسرائيل" زمام المبادرة الاستراتيجية.
مقابل التخبّط والتعارض التي تبدو عليها التصريحات الإسرائيلية يؤشّر التطابق في المواقف الإيرانية، بدءاً من المرشد الأعلى إلى حرس الثورة إلى وزير الخارجية، إلى أنّ "فصل الجبهات" الذي تراهن عليه "إسرائيل" ليس مجرّد خيار إيراني قابل للتسوية، بل هو ثابت استراتيجي.
توالت التأكيدات من إيران بارتباط جبهة لبنان بجبهة إيران بما يشمل نهاية متزامنة للحرب:
في 15 آذار/مارس الماضي أكد مسؤول إيراني أمني رفيع للميادين: "سيكون شركاؤنا الاستراتيجيون في محور المقاومة في كلّ الأحوال جزءاً من أيّ اتفاق معنا. يجب أن يستفيد الذين وقفوا إلى جانب إيران وقاتلوا في هذه الحرب الواسعة من نتائج نهايتها المثمرة".
في 16 آذار/مارس نقلت وكالة "تسنيم" عن مصدر مطلع قوله: "لا يوجد أيّ اتفاق يلوح في الأفق لا يضمن المصالح طويلة الأمد للأمن القومي الإيراني وشركاء إيران الإقليميين".
في 18 آذار/مارس قال وزير الخارجية عباس عراقتشي: "نحن لا نؤمن بوقف إطلاق النار؛ بل نؤمن بإنهاء الحرب. وإنهاء الحرب يعني إنهاءها على جميع الجبهات، في لبنان واليمن والعراق وإيران، وفي دول المنطقة الأخرى".
عاد عراقتشي وشدّد من جديد يوم 31 آذار/مارس أنّ بلاده لن تقبل بوقف إطلاق النار، بل تسعى إلى وقف الحرب في جميع الجبهات وليس في إيران وحدها.
في 25 آذار/مارس الماضي نقلت رويترز عن 6 مصادر إقليمية مطلعة أنّ "إيران أبلغت الوسطاء بضرورة إدراج لبنان في أيّ اتفاق لوقف إطلاق النار مع الولايات المتحدة"، وأنّ "إيران ربطت إنهاء الحرب بوقف الهجوم الإسرائيلي على حزب الله".
في 22 آذار/مارس أوضح مسؤول إيراني رفيع للميادين أنّ من شروط وقف الحرب بالنسبة إلى إيران هو إنهاء الحروب في جميع جبهات المنطقة.
وقال عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان الإيراني، علاء الدين بروجردي: "أيّ مفاوضات مع واشنطن تتطلّب موافقة من القائد الأعلى، وأمن ومصالح حركات المقاومة جزء من أمن ومصالح إيران. من بين الشروط أيضاً تنفيذ إنهاء الحرب في الجبهات كافة، وشمول كلّ فصائل المقاومة المشاركة في هذه المعركة على امتداد المنطقة".
وقال مصدر مقرّب من الهيئة المقرّرة في الشؤون الاستراتيجية الإيرانية للميادين: "القرار الأساسي لإيران هو مواصلة الدفاع حتى يتمّ تأمين المصالح الوطنية وشركائها الإقليميين".
في 20 آذار/مارس أوضح قائد قوة القدس، العميد إسماعيل قاآني، أنّ "جبهة المقاومة دخلت الحرب ضدّ أميركا والكيان الصهيوني بشكل مستقل من تلقاء نفسها ودافعت عن إيران". هذا التصريح يبدو وكأنه يعطي حزب الله دفعة وائتماناً أمام الشعب الإيراني بكلّ أطيافه واتجاهاته، وهو يشير إلى أنّ إيران سوف تقف مع من وقف معها.
وقال قاآني إنّ إيران ستقف بثبات لتحقيق أهدافها الكبرى بما في ذلك إزالة شبح الحرب عن كامل المنطقة، مشدّداً على أنّ بلاده ستظل صامدة ومقاومة وسوف تواصل دعم ومساندة الأصدقاء والمجاهدين المخلصين في كلّ جبهات المقاومة.
هذا التسليف الذي يوحي كلام قاآني أنه سيقابل بردّ جميل جاء الإقرار به من قبل رأس النظام الإيراني وأعلى سلطة فيه. يقول في هذا الصدد المرشد الإيراني السيد مجتبى خامنئي: "حزب الله المضحّي جاء لنصرة الجمهورية الإسلامية على الرغم من جميع العوائق". وفي وقت لاحق أكد السيد خامنئي في رسالة بعث بها إلى الأمين العامّ لحزب الله استمرار إيران في دعم المقاومة، فيما نقل الإعلام اللبناني رسائل بهذا المعنى وصلت رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري.
سيناريوهات غير مؤكّدة: هل تقصر الحرب أم تطول؟
رغم ما يبدو من استعصاء، فإنّ أمد الحرب قد لا يطول في جبهة لبنان إذا وجد نتنياهو و"الجيش" الإسرائيلي نفسيهما أمام مأزق حقيقي. ليس المأزق هنا مجرّد "حدود القوة" بالمعنى النظري، بل العجز والفشل في الميدان مع تكبّد المزيد من الخسائر، سواء في جنوبي لبنان أو في الجبهة الداخلية على وقع استمرار الصواريخ بالوصول إلى أهدافها داخل فلسطين المحتلة وشمالها.
إذا حصل هذا التدهور الميداني بالتزامن مع موعد الانسحاب الأميركي من الحرب أو قبله فإنه سيدفع نتنياهو إلى مواكبة هذا الانسحاب بانسحاب مواز تحت غطاء ومساعدة من واشنطن، وسيتحوّل الرهان الإسرائيلي من الميدان إلى الساحة السياسية والأمنية اللبنانية الداخلية بموازاة الضغط الدبلوماسي والحرب النفسية، من خلال محاولة تجميد الآلة العسكرية إلى الحدّ الذي وصلت إليه، والسعي إلى مقايضة التوغّل الإسرائيلي بملف تحييد سلاح حزب الله. هذا احتمال.
هل ينجح ذلك؟
تحترف "إسرائيل" هذه اللعبة التي سبق أن مارستها بعضلات أميركية خلال السنوات الماضية وتوحي بعض تصريحاتها وتحرّكاتها الميدانية بشيء من هذا التوجّه: تصريح كاتس حول "الوسائل السياسية" لنزع سلاح حزب الله؛ تدمير الجسور وتهديد معبر المصنع الحدودي، إضافة إلى التهديدات السابقة باستهداف الدولة اللبنانية، بما يؤشر إلى نيّة إحداث فوضى داخلية وتحميل المقاومة مسؤولية الخسائر.
لكن هل تسمح لها الظروف هذه المرة بالظهور كمن يمتلك ناصية المبادرة واليد العليا لتقرّر في السياسة بعد العجز في الميدان؟
فشل ذلك بعد عدوان تموز 2006 رغم الضغط الذي تعرّضت له المقاومة من الداخل اللبناني، ومما لا شكّ فيه وجود ضغوطات مماثلة اليوم سياسية وإعلامية عدا عن ضغوط أمنية محتملة، في وقت تمهّد مواقف بعض أركان السلطة الطريق إلى ذلك من خلال نزع الشرعية عن المقاومة والتمسّك بمبادرات التفاوض كأنها من المقدّسات وقبل أن ينجلي غبار المعارك عن تحديد المنتصر في هذه الحرب التي قد تشهد نهايتها تحوّلات للموازين التي رسا عليها اتفاق 27 تشرين الثاني/نوفمبر 2024.
تبقى الأمور محكومة بالميدان، والمعركة التي يخوضها الإسرائيليون بقوة نارية هائلة، لا يتقدّمون فيها إلا بعد أن يحرقوا الأرض، تقابلها مقاومة تخوض معركة مصير ومعركة وجود. وما يصنع الفارق هنا هو العزيمة والإرادة والروح الاستشهادية، والإعداد المناسب الذي سبق الحرب.
إلى ذلك، ومقابل احتمال التصعيد المنفلت الذي يقوده ترامب متجاوزاً كلّ القواعد والسقوف، يمثّل احتمال آخر من شأنه أن يقصّر أمد الحرب في المنطقة وفي لبنان، وهو وصول الأخير إلى "الجدار الذي لا منفذ منه" سوى إيقاف الحرب. مع ارتفاع أكلاف المغامرة ووصول تبعاتها على مصالح ترامب الشخصية، الانتخابية والاقتصادية، إلى حدّ يفوق إغراءات نتنياهو وتحريض الصهيونية، قد يضرب الرئيس الأميركي موعداً للخروج. وإذا حصل ذلك، يستبعد أن تكون هناك إمكانية إسرائيلية للقتال وحدها.
في هذه الحالة، سيكون المخرج الأقلّ كلفة على نتنياهو أن يدّعي أنّ واشنطن أجبرته على إيقاف الحرب، وأن يراهن على محاصرة المقاومة اللبنانية عبر ضغوط من داخل لبنان وخارجه، الأمر الذي تؤكّد التجارب السابقة والظروف الحالية في لبنان وجود من يتطوّع له دائماً. هذا احتمال من بين احتمالات متعددة غير أكيدة.